شباب مخيم السيدة زينب تحت حصار الغلاء والبطالة والفراغ وآثارها
يواجه سكان مخيم السيدة زينب للاجئين الفلسطينيين، في ريف دمشق، أزمة معيشية متفاقمة تتداخل فيها موجة الغلاء مع ندرة فرص العمل وتراجع القدرة الشرائية، وسط تحذيرات من تداعيات البطالة والفراغ على الشباب والاستقرار الأسري والاجتماعي داخل المخيم.
وبين رواتب لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الأساسية، وخريجين لا يجدون فرصاً تتناسب مع مؤهلاتهم، اضطرت عائلات إلى تقليص نفقاتها الغذائية والصحية والتعليمية، فيما باتت أسر أخرى تعتمد بصورة كاملة على تحويلات أبنائها العاملين في الخارج.

راتب شهر لا يغطي سوى أسبوع
يروي الحاج أبو ماهر، أحد سكان مخيم السيدة زينب، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، كيف تبدلت تفاصيل حياة أسرته تحت وطأة ارتفاع الأسعار، موضحاً أن اللحوم، التي كانت حاضرة على مائدة العائلة مرة شهرياً، لم تعد تُشترى إلا مرة كل عدة أشهر.
ويقول أبو ماهر إن راتبه الشهري لم يعد كافياً لتأمين المستلزمات الأساسية للأسرة، مشيراً إلى أن غالبية العاملين داخل المخيم يتقاضون رواتب لا تتجاوز مليوناً و400 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ لا يغطي، وفق تقديره، سوى نفقات أسبوع واحد أو أكثر بقليل.
ويربط أبو ماهر تفاقم الغلاء والبطالة بحالة الإنهاك التي يعيشها الاقتصاد السوري منذ سنوات الحرب، والتي ما تزال آثارها تلقي بثقلها على السكان، ولا سيما اللاجئين الفلسطينيين الذين يواجهون محدودية فرص العمل وضعف مصادر الدخل.
ولا تتوقف آثار الأزمة، بحسب أبو ماهر، عند تراجع مستوى المعيشة، بل تمتد إلى الواقع الاجتماعي داخل المخيم. ويحذر من أن اتساع البطالة بين الشباب دفع بعضهم إلى الانزلاق نحو ترويج المخدرات وبيعها، مساهماً في انتشار هذه الظاهرة داخل المخيمات الفلسطينية عموماً.
أكاديميون بلا عمل وشباب يواجهون الفراغ
من جهته، يرى أبو طه، وهو من سكان المخيم، أن غياب الدعم الدولي الحقيقي للفلسطينيين يجعل التمسك بالعلم والمعرفة ضرورة لمواجهة الظروف الصعبة والحفاظ على مستقبل الأجيال الجديدة.
ويلفت اللاجئ في حديثه لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، إلى وجود عدد كبير من الأكاديميين الفلسطينيين الذين لا يجدون فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، داعياً الجهات المعنية إلى الاستفادة من كفاءاتهم وإتاحة فرص عادلة لهم.
ويحذر أبو طه من التداعيات المترتبة على غياب الأندية الرياضية والأنشطة الشبابية داخل المخيم، معتبراً أن الفراغ يترك الشباب عرضة لآفات متعددة، من بينها تعاطي الحبوب المخدرة، إلى جانب العزلة وقضاء ساعات طويلة خلف شاشات الهواتف.

ويعرب اللاجئ عن مخاوفه من أن يسهم استمرار هذا الواقع في إبعاد الشباب الفلسطيني عن قضيته المركزية، فلسطين، معتبراً أن معالجة الفراغ ليست مسألة ترفيهية، بل ضرورة اجتماعية ووطنية.
تحويلات المغتربين تسند عائلات وأخرى لا تملك ثمن الدواء
وفي حديثه عن غلاء الأسعار، يضع أبو طه الأزمة في سياق أوسع، معتبراً أن ارتفاع أسعار السلع ظاهرة تعانيها دول عديدة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن بعض القوى الكبرى تتعمد إضعاف اقتصادات دول أخرى وإفقار مجتمعاتها.
ويوضح طه، أن بعض عائلات المخيم باتت تعتمد كلياً على التحويلات التي يرسلها أبناؤها العاملون في الخارج، بينما تواجه الأسر التي لا معيل لها أو لا تتلقى تحويلات صعوبة في تأمين أبسط متطلبات الحياة، بما فيها ثمن الدواء.
ويضرب مثالاً على حجم الأعباء التي تواجهها الأسر، مشيراً إلى أن راتباً يتراوح بين 3 و4 ملايين ليرة سورية قد يذهب نصفه أو معظمه لتسديد رسوم معهد دراسي لأحد الأبناء، تصل إلى مليوني ليرة، ما يترك مبلغاً محدوداً لتغطية تكاليف العلاج والمواصلات والطعام والملابس وسائر الاحتياجات.
البطالة أزمة عابرة للمخيمات ومطالب ببرامج تدريب وحماية للشباب
ولا تقتصر الأزمة على مخيم السيدة زينب، بل تحولت إلى ظاهرة واسعة في عموم المخيمات الفلسطينية في سوريا، وباتت من أبرز التحديات التي تواجه أبناءها.
أحد أبناء مخيم اليرموك، علّق لموقعنا، أن غياب فرص العمل أمام الخريجين لا يحرمهم من الاستقرار الاقتصادي فحسب، بل ينعكس أيضاً على نظرة الأجيال الجديدة إلى جدوى التعليم، في ظل مشاهدة خريجين وأصحاب كفاءات عاجزين عن العثور على وظائف تناسب اختصاصاتهم.
وبحسب المتحدث، تترك البطالة آثاراً نفسية عميقة قد تتمثل في الاكتئاب والإحباط، وربما اللجوء إلى العنف أو الانخراط في أنشطة غير قانونية بحثاً عن المال أو وسيلة لتفريغ الضغوط المتراكمة.
ويضيف أن تداعيات الأزمة لا تتوقف عند الفرد، وإنما تمتد إلى العلاقات والروابط الأسرية، نتيجة العجز عن تأمين الاحتياجات اليومية واستمرار الضغوط المادية والنفسية.
ويرى المتحدث أن مواجهة البطالة والفراغ تتطلب توسيع البرامج المهنية والتعليمية داخل المخيمات، بما يساعد الشباب على اكتساب مهارات عملية تتيح لهم الوصول إلى فرص عمل أفضل.
ودعا المنظمات غير الحكومية والجهات المعنية إلى سد النقص القائم عبر إطلاق برامج تدريبية فعالة ومستدامة في مخيم السيدة زينب وسائر المخيمات الفلسطينية، إلى جانب دعم الأنشطة الرياضية والشبابية التي تحمي الأجيال الجديدة من الانجرار نحو المخدرات والعنف والأنشطة غير القانونية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات