مخيم اليرموك: شرط الإقامة في المنازل المتضررة يحوّل انتظار الترميم إلى معاناة إنسانية
تعيش العديد من العائلات فلسطينية عادت إلى مخيم اليرموك مؤخراً، في منازل تفتقر إلى الأبواب والنوافذ وأبسط التجهيزات الصحيّة والإيوائية، بانتظار قد يمتد لأشهر للحصول على مساعدات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لترميم مساكنها المتضررة، في وقت يؤكد فيه الأهالي إن الوكالة تشترط الإقامة الفعلية في المنزل المتضرر حتى يُدرج ضمن المستفيدين من أعمال الترميم عند حلول دوره.
بوابة اللاجئين الفلسطينيين، عاين المسألة من خلال حالات يضعها هذا الشرط أمام معادلة قاسية: إما البقاء في منازل غير مؤهلة للسكن، معرضة للقوارض والحشرات والسرقة، وإما الاستمرار في دفع إيجارات مرتفعة لا تستطيع تحملها، بينما قد يتراوح انتظار الكشف والتقييم والبدء بأعمال الترميم، بين أربعة وثمانية أشهر، بحسب ما أبلغ به السكان من قبل "أونروا."
وتشير الشهادات إلى أن المساعدات الموعودة ليست واضحة وثابتة، بل تتوقف على كشف لجنة التقييم وحجم الأضرار والمبلغ الذي تقرره لكل منزل، ويمكن أن تشمل الأبواب والنوافذ وخزانات المياه والبلاط والسيراميك والمجالي وأعمالًا مرتبطة بشبكتي الكهرباء والمياه، فيما يرى الأهالي أن المبالغ المخصصة لا تكفي بالضرورة لتغطية كامل احتياجات الإكساء.
ثلاثة أشهر في منزل بلا أبواب ونوافذ
أحد سكان مخيم اليرموك قال لبوابة اللاجئين الفلسطينيين إنه عاد للإقامة في منزله منذ نحو ثلاثة أشهر. ورغم أن البناء سليم من الناحية الإنشائية، إلا أن المنزل يعاني أضراراً جزئية جعلته غير مؤهل فعلياً للسكن.
وأوضح أن المنزل يحتاج إلى إعادة بناء بعض الجدران المنهارة، وتأهيل شبكتي الكهرباء والمياه، وإصلاح أجزاء من السيراميك في المطبخ والحمام، إضافة إلى تركيب أبواب وشبابيك وتأمين تجهيزات أساسية، من بينها المجلى.
وبحسب ما أُبلغت به العائلة، قد يستغرق انتظار الكشف أو بدء أعمال الترميم ما بين أربعة وستة أشهر تقريباً، على أن تشمل المساعدة النواقص الموجودة في المنزل، ولكن ضمن القيمة التي تحددها لجنة الكشف والتقييم.
وعن سبب إقامته في منزل بهذه الحال، اختصر الرجل واقعه بالقول إن "للضرورة أحكام"، مشيراً إلى أن المنزل غير مناسب للسكن فعلياً، وأن غياب الأبواب والنوافذ تسبب، خصوصاً خلال فصل الصيف، بدخول أعداد كبيرة من الحشرات والقوارض.
ولا تتوقف المخاطر عند الجانب الصحي، إذ تعيش الأسرة احتمالات تعرض المنزل للسرقة نتيجة عدم وجود ما يحمي مداخله ونوافذه. وقال الرجل إنهم حاولوا التواصل مع "أونروا" أكثر من مرة، لكن الرد الذي تلقوه كان أن الأمر "ليس بأيديهم."
وطالب بإلغاء شرط الإقامة في المنزل المتضرر للاستفادة من المساعدة، معتبراً أنه شرط مجحف يدفع العائلات إلى تحمل ظروف سكنية صعبة وخطرة، وتصبح خطورتها أكبر حين يكون بين أفراد الأسرة أطفال.
سنة ونصف من الإقامة.. والدور قد يستغرق ثمانية أشهر
الحالة لا تقتصر على العائدين حديثاً، إحدى سكان مخيم اليرموك قالت لبوابة اللاجئين الفلسطينيين إنها تقيم في منزلها منذ نحو سنة ونصف، فيما لا تزال مدة الحصول على المساعدة غير معلومة لها، إذ ترتبط بالدور وقد تمتد، وفق ما أُبلغت به، من أربعة إلى ثمانية أشهر.
وأوضحت أن المساعدة يمكن أن تشمل، وفق تقييم حالة المنزل، تركيب الأبواب والشبابيك وخزان للمياه، وأعمال البلاط والسيراميك عند الحاجة، إلى جانب تركيب مجلى من الرخام.
وتصف اللاجئة ظروف الإقامة بأنها صعبة، وأكدت أن عدداً كبيراً من سكان المخيم يعيشون في منازل غير صالحة للسكن بشكل كامل. وبالنسبة إلى أسرتها، يعني غياب الأبواب والنوافذ التعرض بصورة مستمرة لمخاطر دخول الجرذان، فضلًا عن الخشية من السرقة.
وأضافت أن محاولاتها التواصل مع "أونروا" لم تؤد إلى معالجة المشكلة، وأن الرد اقتصر على مطالبتها بالانتظار، في ظل ما وصفته بعدم وجود تعاون كافٍ.
وترفض اللاجئة بدورها ربط المساعدة بالإقامة المسبقة في المنزل، وتسائلت عن كيفية مطالبة عائلة بالسكن في منزل بلا أبواب أو شبابيك، ولا يصلح للإقامة صيفاً أو شتاءً. كما ترى أن قيمة المساعدة المخصصة للترميم لا تكفي لتغطية كامل احتياجات إكساء المنزل.
ارتفاع الإيجارات يدفع عائلة أخرى للبقاء
وفي شهادة ثالثة، قال أحد سكان المخيم لوابة اللاجئين الفلسطينيين إن عائلته تقيم منذ نحو عام داخل منزل متضرر، بعدما دفعتها كلفة الإيجارات المرتفعة وعدم قدرتها على تأمين بدل إيجار مناسب إلى البقاء فيه رغم عدم صلاحيته للسكن.
وأوضح أن العائلة اضطرت إلى إغلاق فتحات كانت تصل المنزل بالمنازل المجاورة، لكن المسكن ما يزال بلا أبواب وشبابيك، فضلاً عن أضرار لحقت ببعض المنافع وحاجته إلى أعمال في السيراميك.
ووصف الرجل الصعوبات اليومية التي تواجه أسرته بأنها "لا تعد ولا تحصى"، بدءاً من الخوف من السرقة بسبب غياب الأبواب والنوافذ، وصولاً إلى دخول الجرذان والقطط والكلاب الشاردة والحشرات إلى المنزل.
وقال إن العائلة راجعت "أونروا" مرات عدة بشأن وضعها، إلا أن الرد الذي تلقته، وفق شهادته، كان أن "الشرط غير قابل للنقاش."
وطالب بإلغاء الإقامة داخل المنزل المتضرر من معايير قبول طلب مساعدة الترميم، وتسائل عن جدوى مطالبة الأسرة بالإقامة في منزل غير صالح للسكن كي تصبح مؤهلة للحصول على المساعدة التي تحتاج إليها أصلًا لتأهيله والاستقرار فيه.
استمرار " الإكراه" غير المباشر.
وتكشف الشهادات الثلاث أن المشكلة بالنسبة إلى العائلات لا تتعلق فقط بطول فترة انتظار الترميم، بل بما يترتب عليها خلال الأشهر الفاصلة بين العودة والحصول على المساعدة. فالعائلات غير القادرة على دفع الإيجارات المرتفعة تجد نفسها مضطرة للإقامة في منازل متضررة.
ويرى السكان أن اعتماد آلية تقوم على "الترميم أولًا ثم العودة الآمنة" من شأنه أن يسمح للعائلات بتأهيل مساكنها قبل الانتقال إليها، بدل وضعها أمام خيارين أحلاهما مر: دفع إيجار يتجاوز قدرتها المالية، أو السكن لأشهر في منزل يفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة والحياة الكريمة.
وكانت مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية "مرصد" قد أثارت القضية في بيان سابق، وأعلنت تضامنها مع مطالب أهالي مخيم اليرموك، معتبرة أن اشتراط الإقامة في المنازل المتضررة يعيق العودة الآمنة والكريمة ويمثل شكلاً من "الإكراه غير المباشر"، ولا ينسجم، بحسب المبادرة، مع المبادئ والمعايير الإنسانية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات