أطلق المركز الأوروبي للدعم القانوني (ELSC) مبادرة لتوثيق شهادات نشطاء فلسطينيين ومتضامنين مع فلسطين تعرضوا لأشكال مختلفة من الملاحقة أو التدخلات الأمنية أو القمع في النمسا في محاولة لبناء قاعدة بيانات ترصد أنماط القمع وتوفر أساساً للتحرك القانوني والدفاع عن الحق في التعبير والتجمع والتضامن مع الشعب الفلسطيني.

وتشمل المبادرة، التي يعمل عليها متطوعون لصالح المركز الأوروبي للدعم القانوني، جمع شهادات أشخاص تعرضوا لمداهمة منازلهم أو الاعتقال أو المراقبة أو تدخلات شرطية أخرى منذ عام 2023، مع اهتمام خاص بالحالات التي طالت ناشطين في الحراك المتضامن مع فلسطين، ويشمل ذلك، وفق القائمين على عملية التوثيق، فلسطينيين من خلفيات مختلفة، بينهم لاجئون فلسطينيون من سوريا ولبنان وقطاع غزة، إلى جانب متضامنين من جنسيات أخرى.

وتسعى المبادرة إلى إعداد تقرير موجز عن واقع القمع في النمسا، مع التركيز بصورة خاصة على مداهمات المنازل والتدخلات الشرطية منذ عام 2023، وإدراج الحالات الموثقة في قاعدة بيانات المركز الأوروبي للدعم القانوني، بما يسمح بمقارنتها بحالات أخرى في مختلف أنحاء أوروبا وبريطانيا.

ولا يقتصر هدف التوثيق على جمع الشهادات وحفظها، وفق الورقة التعريفية للمبادرة، بل يتجاوز ذلك إلى إظهار التجارب التي يعيشها النشطاء أمام الرأي العام، وتحليل أنماط القمع وآلياته بما يساعد على تطوير أدوات قانونية واستراتيجيات دفاع أفضل عن الحراك السياسي والمدني المتضامن مع فلسطين.

ويعرّف المركز الأوروبي للدعم القانوني نفسه باعتباره جهة تقدم المشورة والمساعدة القانونية المجانية للجمعيات والمنظمات غير الحكومية والمجموعات والأفراد الذين يدافعون عن فلسطين في أوروبا القارية وبريطانيا، ويعمل عبر الرصد والبحث والتقاضي الاستراتيجي والمناصرة القانونية لمواجهة ما يعتبره قيوداً تعسفية على التضامن مع فلسطين.

وتأتي المبادرة في سياق سبق للمركز أن وثق فيه حالات متعددة في النمسا، ففي قضية مخيم التضامن مع فلسطين في جامعة فيينا، قالت المحكمة الإدارية في فيينا: إن الإجراءات التي اتخذتها الشرطة لتفريق المخيم في أيار/مايو 2024 كانت غير قانونية وغير دستورية، بعدما اقتحمت وحدة الشرطة الخاصة "WEGA" المخيم ليلاً بمشاركة نحو 200 شرطي، وفق توثيق المركز.

كما تناولت منظمة العفو الدولية في تقرير نشرته في آذار/مارس 2026 تأثير الإجراءات التي اتخذتها السلطات النمساوية على حرية التعبير والتجمع للأشخاص المتضامنين مع الفلسطينيين، وغطى التقرير الفترة الممتدة من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025.

قاعدة بيانات تتجاوز الحالة الفردية

وتتضمن عملية التوثيق أسئلة تفصيلية حول طبيعة النشاط الفلسطيني، ونوع التدخل الأمني الذي تعرض له الناشط، سواء كان اعتقالاً أو مراقبة أو مداهمة أو غير ذلك، إضافة إلى تفاصيل المداهمة، وعدد عناصر الشرطة المشاركين فيها، وما إذا كانت وحدات خاصة قد شاركت، والمستندات التي قدمتها السلطات، وما تمت مصادرته، وطبيعة المعاملة، وأي سلوك تمييزي أو عنصري محتمل.

كما تشمل الشهادات آثار الإجراءات الأمنية على حياة الأشخاص وعائلاتهم، بما في ذلك التأثيرات النفسية والجسدية والاقتصادية، والعمل والنشاط المدني والحياة اليومية، والإجراءات القانونية التي اتخذوها، ومدى قدرتهم على الحصول على مساعدة محامين أو دعم من المجتمع المحلي.

وتؤكد المبادرة أن المشاركة في المقابلات طوعية، وأن بإمكان أصحاب الشهادات تخطي أي سؤال أو إيقاف المقابلة في أي وقت، كما يمكنهم طلب حذف ما قالوه من المواد المستخدمة حتى الوصول إلى مرحلة المسودة النهائية قبل النشر. ويُطلب، في حال تسجيل المقابلة، الحصول على موافقة شفوية صريحة، فيما تقول المبادرة: إن التسجيلات تحفظ على خادم سحابي محمي بالمصادقة الثنائية، وإنها تحذف بعد تفريغها نصياً، مع إبقاء هوية المتحدث مجهولة ما لم يطلب خلاف ذلك.

ولا تبدو هذه الجهود منفصلة عن عمل أوسع للمركز الأوروبي للدعم القانوني؛ إذ يقول المركز: إنه يوثق ويحلل إجراءات القمع التي تستهدف المدافعين عن فلسطين في أوروبا، وقد أنشأ بالتعاون مع "فورنزك أركيتيكتشر" قاعدة بيانات عابرة للحدود لرصد القمع القانوني والمؤسسي والسياسي الذي يطال طلاباً وأكاديميين وعمالاً وصحفيين وفنانين ومنظمين متضامنين مع فلسطين.

وبالنسبة إلى النشطاء الفلسطينيين في النمسا، فإن أهمية هذه المبادرة تكمن في نقل التجارب من نطاق الشكاوى الفردية إلى مستوى التوثيق المنهجي، بما يسمح برصد ما إذا كانت المداهمات والاعتقالات والمراقبة والتضييق على الاحتجاجات والاعتداءات المرتبطة بها حوادث منفصلة، أم أنها تشكل نمطاً متكرراً يمكن تحليله قانونياً وحقوقياً والدفاع عن المتضررين منه.