لا يقتصر اعتراض الحراك الفلسطيني المتصاعد في أوروبا على رفض التعيين والمجمعات الانتخابية غير المنبثقة من إرادة الجاليات، بل يطرح آليات عملية بديلة، في مقدمتها الاقتراع المباشر في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، أو التصويت الإلكتروني بوصفه خياراً تقنياً يحفظ سرية الاقتراع ويوسع مشاركة فلسطينيي الشتات في اختيار ممثليهم في المجلس الوطني الفلسطيني.

وبدأ الحراك من السويد خلال تموز/يوليو الماضي، قبل أن يمتد إلى الدنمارك، وتتسع دائرة التنسيق مع تجمعات وتحركات في هولندا ولندن وبرلين، في مسعى إلى بناء حراك فلسطيني أوروبي عابر للحدود، يعيد التأكيد أن الشعب مصدر الشرعية، ويواجه محاولات اختزال تمثيل الجاليات في التعيين أو التوافقات الفصائلية.

وتبرز الحالتين السويدية والدانماركية، نموذجاً للاعتراض، بعدما أعلنت اللجنة المكلفة بالتحضير لانتخابات المجلس الوطني الاتفاق على اعتماد "المجمع الانتخابي" ;آلية لاختيار ممثلي الجالية، رغم أن الظروف القانونية والسياسية في السويد تتيح تنظيم اقتراع مباشر أو اللجوء إلى التصويت الإلكتروني، وفق القائمين على الحراك.

وفي هذا السياق، وضع الناشط الفلسطيني الدكتور خليل عاصي الحراك في السويد واعتراضاته في إطار مبادرة شعبية مفتوحة تضم ناشطين وشخصيات ونخباً فلسطينية من مدن مختلفة، تنطلق من حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم عبر انتخابات حرة ومباشرة.

حراك شعبي خارج التمثيل الفصائلي

ويوضح عاصي لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن الحراك لا يقوم على تمثيل الفصائل أو المؤسسات الفلسطينية، وإنما على المشاركة الشعبية، مشيراً إلى أن الدافع الأساسي لإطلاقه كان أهمية استحقاق انتخابات المجلس الوطني وضرورة مشاركة الفلسطينيين في اختيار أعضائه.

وأضاف أن التحضيرات، التي بدأت في تموز/يوليو الماضي، أسفرت عن إصدار وثيقة تعريفية تحدد أهداف الحراك ومرتكزاته، وتقوم على ثلاث ركائز.

وتتمثل الأولى في كون الحراك شعبياً ووطنياً ومفتوحاً أمام الفلسطينيين في أوروبا، فيما تؤكد الثانية الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، بالتوازي مع العمل على تطوير دورها وإصلاح مؤسساتها.

أما الركيزة الثالثة، فتقوم على التعاون مع مختلف المؤسسات والمكونات الفلسطينية وفق مبدأي الشراكة والتكامل، بعيداً عن الإقصاء والخصومة.

موضوع ذو صلة: لجنة فلسطينية في لبنان ترفض "التعيين" في المجلس الوطني وتطالب بانتخابات مباشرة

وأكد عاصي أن الحوار والتوافق الوطنيين، بهدف إعادة تفعيل منظمة التحرير وبناء النظام الوطني على أسس الشراكة، يمثلان مدخلاً أساسياً لإنجاح انتخابات المجلس الوطني، على أن تكون الانتخابات استحقاقاً يوحد الفلسطينيين، لا سبباً لإنتاج مزيد من الانقسام.

الانتخاب المباشر أساس التمثيل

يطالب الحراك بإعداد سجلات انتخابية واضحة، واعتماد الاقتراع أساساً ديمقراطياً لاختيار ممثلي المجلس الوطني، مع رفض التعيين بديلاً من الإرادة الشعبية، وأي اشتراطات سياسية تقيد حق الفلسطينيين في الترشح.

وبحسب عاصي، ينبغي إجراء الانتخابات المباشرة حيثما كانت ممكنة، وألا يُلجأ إلى آليات بديلة إلا عند تعذر تنظيم الاقتراع، شرط أن تقوم تلك الآليات على الاختيار الشعبي وألا تتحول إلى بديل دائم من الحق في الانتخاب.

وأكد أن التوافق السياسي يجب أن يكون وسيلة لتنظيم العمل الوطني، لا بديلاً من إرادة الشعب أو مصدراً مستقلاً للشرعية.

من السويد إلى حراك أوروبي أوسع

وأشار عاصي إلى أن التحرك الذي بدأ في السويد امتد إلى الدنمارك، بالتزامن مع ظهور تجمعات وحراكات في هولندا ولندن وبرلين، فيما يجري العمل على تعزيز التنسيق بينها وصولاً إلى إطار شعبي فلسطيني أوروبي أوسع.

وقال: إن رؤية القائمين على المبادرة استهدفت، منذ البداية، مدّ الحراك إلى مختلف الدول الأوروبية، في ظل ما تمر به القضية الفلسطينية من منعطف تاريخي يتطلب تجديد الحركة الوطنية وتنسيق أدوار الفصائل والمؤسسات والمؤتمرات والحراكات الشعبية.

ويعتزم الحراك تنظيم لقاءات وندوات وفعاليات توعوية وحوارية مع الجاليات الفلسطينية في المدن السويدية والدنماركية، للتعريف بأهمية انتخاب أعضاء المجلس الوطني ومخاطر اعتماد التعيين بديلاً من الانتخابات.

كما يعمل على تعزيز التنسيق مع الحراكات الفلسطينية الأخرى في أوروبا، والمطالبة بوقف أي إجراءات تتجاوز حق الجاليات في المشاركة بالانتخابات المباشرة، أو تؤدي إلى تهميشها وإقصائها ومصادرة حقها في اختيار ممثليها.

وشدد عاصي على أن الحراك لا يكتفي بإصدار البيانات ومواقف الاستنكار، بل يستند إلى عمل ميداني مفتوح أمام أبناء الجاليات. وأوضح أن هدفه ليس تقديم مشروع سياسي بديل، وإنما الدفاع عن حق فلسطينيي أوروبا في اختيار ممثليهم من خلال انتخابات ديمقراطية حرة ومباشرة.

نواة مماثلة في الدنمارك

وفي الدنمارك، بدأت نواة الحراك بمشاركة عدد من الناشطين والشخصيات الشعبية في المدن الرئيسية، وفق عاصي، الذي أوضح أن القائمين عليها لا يدّعون تمثيل جميع الفلسطينيين المقيمين في البلاد.

وأضاف: أنهم يسعون إلى توسيع قاعدة المشاركة والتواصل مع مختلف أبناء الجالية، تحت عنوان أساسي هو أن تكون إرادتها المرجعية في تحديد من يمثلها داخل المجلس الوطني.

ووجّه عاصي رسالة إلى القيادة والفصائل الفلسطينية، أكد فيها أن المطلوب هو مجلس وطني ينتخبه الشعب، لا مجلس يقوم أساساً على التعيينات والمحاصصة الفصائلية.

وأوضح أن هذا المطلب لا يعني إلغاء دور الفصائل والحركات والقوى الوطنية، لكنه يرفض أن تستند الشرعية إلى التوافقات وتقاسم الحصص بدلاً من الإرادة الشعبية.

ورأى أن الآليات التي كانت مقبولة أو متوافقاً عليها في ظروف سابقة من القرن الماضي لم تعد صالحة لتشكيل المجلس الوطني اليوم، داعياً إلى مجلس تتسع فيه المشاركة للجميع، ويعكس واقع الفلسطينيين الراهن ويستمد شرعيته من الشعب.

وانتقد تحول المجلس الوطني إلى إطار للتمثيل الفصائلي، تحدد فيه أحجام الحضور وفق المحاصصة بين الفصائل، بمعزل عن حجم التأييد الشعبي الحقيقي لكل منها.

وأكد إمكان اللجوء إلى آليات انتخابية أخرى عند تعذر الاقتراع المباشر، شرط أن تنبثق من الإرادة الشعبية وتعبّر عنها، لا أن تتحول إلى باب للتعيين والتوافق المغلق.

حماية النتائج مسؤولية فلسطينية

وحول الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وتحقيق تمثيل حقيقي لفلسطينيي الشتات، اعتبر عاصي أن الضمانة الأساسية تتمثل في وجود التزام وطني فلسطيني داخلي باحترام نتائج الانتخابات، مستبعداً إمكان التعويل على ضمانات خارجية.

وقال: إن مسؤولية الشعب لا تنتهي بانتهاء عملية الاقتراع، بل تمتد إلى حماية خياراته والدفاع عن النتائج التي تفرزها صناديق الانتخابات.

وأضاف: أن الانتخابات لن تحل بمفردها الأزمة الفلسطينية المتراكمة، لكنها تستطيع أن تشكل مدخلاً مهماً لإعادة بناء الشرعية وتجديد المؤسسات الوطنية.

واعتبر أن انتخاب المجلس الوطني يمثل أولوية في ظل المرحلة شديدة الخطورة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وما تفرضه من ضرورة تعزيز الوحدة والشراكة في صناعة القرار وإعادة بناء المؤسسات.

وشدد على أن نجاح الانتخابات يتطلب إدراجها ضمن مسار أوسع لإعادة بناء النظام الوطني الفلسطيني على أسس الشراكة والتوافق، بما يجعلها استحقاقاً موحداً لا مدخلاً جديداً للانقسام.

قرار "المجمع الانتخابي" سبق زيارة اللجنة

وفي رسالته إلى فلسطينيي أوروبا والشتات، أكد عاصي أنهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ويتمتعون بحق كامل في المشاركة في اختيار من يمثلهم.

وأوضح أن الظروف المتاحة في عدد من الدول الأوروبية تسمح بتنظيم الانتخابات بصورة مباشرة، ولذلك ينبغي أن يكون الاقتراع المباشر هو الأصل حيثما أمكن، لا استثناءً يجري تجاوزه مسبقاً.

وكشف أن وفد لجنة الانتخابات المركزية، خلال زيارته إلى ستوكهولم، أكد عدم إجراء انتخابات مباشرة في السويد، حتى إذا سمحت السلطات السويدية بذلك.

وأضاف أن قرار اعتماد المجمعات الانتخابية اتُّخذ قبل وصول الوفد، معتبراً أن هذه المسألة تمثل جوهر اعتراض الحراك، لأنها تستبعد خيار الاقتراع المباشر بصرف النظر عن إمكان تطبيقه قانونياً وعملياً.

التصويت الإلكتروني يحفظ الخصوصية ويوسع المشاركة

وطرح عاصي التصويت الإلكتروني خياراً في الأماكن التي يتعذر فيها تنظيم اقتراع تقليدي، مؤكداً أنه ممكن تقنياً وقادر على حماية خصوصية الناخبين وحرية اختيارهم.

وأوضح أن البدائل تبدأ بإجراء انتخابات حرة وشفافة في الدول التي تسمح بذلك، وتمتد إلى اعتماد الاقتراع الإلكتروني، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى التعيين أو المجمعات المغلقة.

وأشار إلى أن فكرة المجمع الانتخابي ليست مرفوضة بصورة مطلقة، لكنه اشترط أن يختار الشعب أعضاءه وأن يمثل مختلف فئاته، محذراً من أن تشكيله بواسطة فئة متنفذة يؤدي إلى إقصاء الإرادة الشعبية.

وانتقد ما وصفه بـ"المجمعات الانتخابية الالتفافية"، إلى جانب صيغ التوافق والتشاور التي تنتهي عملياً إلى التعيين، معتبراً أنها لا تحقق حق الفلسطينيين في التمثيل.

في الدنمارك.. لا طرح إلكترونياً ولا اعتراض عليه

من جهته، أوضح المهندس جهاد أبو راضي عزام، من الحراك الشعبي الفلسطيني في الدنمارك، أن الحراك لم يطرح التصويت الإلكتروني بديلاً من الانتخابات المباشرة، لكنه لا يعارضه مبدئياً إذا توافرت الإمكانات التقنية والضمانات القانونية والفنية الكفيلة بنزاهة العملية وسرية التصويت ومنع التلاعب.

وأكد أبو راضي عزام، في حديث لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن الطرح الأساسي للحراك يتمثل في تمكين أبناء الجالية من ممارسة حقهم الانتخابي مباشرة عبر صناديق الاقتراع، واستناداً إلى سجل واضح ودقيق.

واقترح إعداد سجلات انتخابية شفافة وفق معايير متفق عليها، وإجراء الانتخابات في أماكن محددة ومعلنة، تحت إشراف مستقل يضمن حرية الناخب وسرية صوته ونزاهة الفرز وإعلان النتائج.

وأشار إلى إمكان دراسة الانتخابات الإلكترونية إذا تعذر تنظيم مراكز الاقتراع، شرط اعتماد منظومة آمنة ومحكمة تحمي التصويت من الاختراق والتلاعب، وتخضع لإشراف لجان مستقلة.

وقال: "المهم بالنسبة إلينا ليس الوسيلة بحد ذاتها، إلكترونية كانت أم عبر صناديق الاقتراع، وإنما ضمان حق الفلسطينيين في الدنمارك وأوروبا والشتات في المشاركة المباشرة واختيار من يمثلهم بإرادتهم الحرة".

الانتخاب المباشر والإطار القانوني

وأوضح أبو راضي عزام أن موقف الحراك من انتخابات المجلس الوطني جاء نتيجة نقاشات ولقاءات شعبية شارك فيها فلسطينيون من مختلف التوجهات والمناطق في الدنمارك، وانتهت إلى التمسك بحقهم في انتخاب ممثليهم مباشرة، بحرية ونزاهة، عبر صناديق الاقتراع.

وأكد أن الحراك لا يستهدف أي فصيل أو جهة فلسطينية، وإنما يطرح مطلباً ديمقراطياً مرتبطاً بإعادة بناء المؤسسات الوطنية وتفعيلها، مع الحرص على وحدة الصف الفلسطيني وتعزيز منظمة التحرير ومؤسساتها.

ورأى أن تجديد الحياة الديمقراطية داخل مؤسسات منظمة التحرير، وفي مقدمتها المجلس الوطني، يتطلب توسيع المشاركة الشعبية وتمكين الفلسطينيين في الوطن والشتات من اختيار ممثليهم.

وقال: "نريد أن ننتخب من يمثلنا، وأن يكون صندوق الاقتراع الوسيلة التي يختار من خلالها أبناء الجالية ممثليهم."

وأكد أن موقف الحراك يتمثل في "لا للتعيين، لا للإقصاء، ولا للالتفاف على حقنا في الانتخاب" مشيراً إلى تطابقه مع البيان الختامي للقاء كوبنهاغن، الصادر في 13 أيلول/سبتمبر 2026، لناحية المطالبة بالانتخاب المباشر ورفض التعيين والمجمعات الانتخابية عندما يكون الاقتراع المباشر ممكناً.

ومن الناحية القانونية، قال أبو راضي عزام: إن الدنمارك دولة ديمقراطية تحترم مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، وتحمي حقوق الأفراد والأقليات في ممارسة أنشطتهم المدنية والسياسية ضمن إطار القانون.

لكنه أوضح أن الحراك لا يريد تقديم إجابة قانونية بشأن سماح القانون الدنماركي بتنظيم اقتراع فلسطيني مباشر داخل البلاد لاختيار ممثلي المجلس الوطني، من دون الرجوع إلى الجهات الدنماركية المختصة.

ورأى أن مسؤولية التحقق من هذه المسألة والتواصل مع السلطات الدنماركية عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية تقع على عاتق السفارة الفلسطينية والجهات الرسمية المختصة، فيما يقتصر دور الحراك الشعبي على المطالبة بحق أبناء الجالية في المشاركة والانتخاب بصورة ديمقراطية وشفافة.

وأضاف: أنه إذا وجدت قيود قانونية تمنع إجراء الانتخابات المباشرة، فمن الضروري أن تكون واضحة ومحددة ومعلنة من الجهة الدنماركية المختصة، حتى يستند النقاش إلى أساس قانوني، لا إلى افتراضات أو تفسيرات غير موثقة.

اعتراضات مشتركة وإضافة أوروبية

يتقاطع الحراك الأوروبي مع اعتراضات صدرت عن فلسطينيين في الكويت ولبنان وتركيا وسوريا وأميركا اللاتينية، وتركزت على رفض التعيين والمحاصصة والمجمعات الانتخابية التي لا تستند إلى تفويض شعبي، والمطالبة بانتخابات مباشرة وتمثيل عادل للفلسطينيين في الشتات.

إلا أن الحراك في أوروبا يضيف اقتراحاً عملياً يقوم على الاستفادة من المساحات القانونية المتاحة لتنظيم الاقتراع المباشر، أو اعتماد التصويت الإلكتروني عند تعذر الانتخابات التقليدية، إلى جانب بناء تنسيق شعبي عابر للحدود بين الجاليات.

وبذلك، ينتقل الحراك من الاعتراض على آلية تشكيل المجلس إلى طرح أدوات بديلة لتوسيع المشاركة، في مواجهة توجهات تحصر اختيار ممثلي الشتات في مجمعات محدودة أو توافقات تنتهي بالتعيين، مع التأكيد أن تجديد شرعية منظمة التحرير ومؤسساتها يبدأ بمنح الفلسطينيين حق اختيار ممثليهم.

شاهد/ي أيضاً: من يملك حق اختيار من يمثل الفلسطينيين عبر المجلس الوطني الفلسطيني في الشتات والمخيمات وداخل فلسطين؟