لم تكن الألوان التي حملها نحو 80 طفلاً وطفلة في مخيم درعا جنوبي سوريا مجرد أدوات للرسم، بل تحولت إلى مساحة مفتوحة للتعبير عن الهوية والخيال والمشاعر، خلال نشاط "الرسم والتعبير الحر" الذي اختتم في المخيم بجهود ذاتية وتطوعية، ومن دون جهة ممولة أو راعية.

واختُتم النشاط بعد أن أتاح للأطفال مساحة للتعبير عن أنفسهم وتنمية مواهبهم واستثمار أوقات فراغهم في أنشطة إبداعية، بعيداً عن قضاء ساعات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية.

ويكتسب تنظيم النشاط أهمية إضافية في ظل محدودية الأماكن المخصصة للأطفال في مخيم درعا، إذ لا تتوفر، وفق القائمين على المبادرة، أندية أو ملاعب أو مراكز بالقدر الكافي لاحتضان أنشطة منتظمة للأطفال.

ويقول بسام أبو العلا، أحد سكان مخيم درعا والمشاركين في تنظيم النشاط، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن الفكرة انطلقت من رؤية تعتبر الأطفال "أمل الغد وحراس العودة"، ولذلك جرى اختيار الرسم بوصفه وسيلة تساعدهم على التعبير عما يحملونه من أفكار ومشاعر، وما يرتبط بهويتهم وقضاياهم.

لا موضوع مفروضاً.. الأطفال يختارون ما يرسمون

لم يفرض القائمون على النشاط موضوعاً محدداً على الأطفال، وتركوا لهم حرية اختيار الرسومات التي يرغبون في تنفيذها، لتأتي الأعمال الفنية انعكاساً عفوياً لاهتماماتهم وخيالهم وما يشغلهم.

فقد اختار عدد من الأطفال رسم العلم الفلسطيني والعلم السوري، بينما اتجه آخرون إلى رسم أشكال وموضوعات مختلفة، في مشهد عكس تنوع اهتمامات المشاركين ومساحة الحرية التي أتاحتها الفعالية لهم.

ويشير أبو العلا إلى أن النشاط لم يكن درساً في الرسم بقدر ما كان محاولة لفتح مساحة يستطيع الأطفال من خلالها التعبير عن ذواتهم، وتعزيز حضور الهوية الفلسطينية وحق العودة والحرية، إلى جانب توفير مساحة للدعم النفسي والاجتماعي واكتشاف المواهب.

واستهدفت الفعالية أطفالاً تراوحت أعمارهم بين 9 و17 عاماً، مع التركيز على تحويل أوقات الفراغ إلى فرصة لاكتشاف القدرات وتنميتها، بدلاً من تركها عرضة للاستهلاك الطويل للألعاب الإلكترونية.

من الرسم إلى الرياضة والشطرنج

ولا يريد القائمون على المبادرة أن تتوقف الفكرة عند حدود الرسم، إذ يسعون إلى تشجيع الأطفال على تنويع أنشطتهم وقضاء أوقاتهم في مجالات أكثر تفاعلاً، مثل الرسم والشطرنج والرياضة.

وفي هذا الإطار، أوضح أبو العلا أن جهوداً أخرى تُبذل لتنظيم أنشطة للأطفال، من بينها حجز ملعب لكرة القدم وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة في فعاليات رياضية وترفيهية.

وتأتي هذه الأنشطة في محاولة لإيجاد بدائل عملية أمام الأطفال، في وقت أصبحت فيه الألعاب الإلكترونية جزءاً واسعاً من يومياتهم، بينما تظل المساحات المخصصة للرياضة والفنون والأنشطة الجماعية محدودة داخل المخيم.

وتدفع هذه المحدودية الأطفال في كثير من الأحيان إلى ممارسة ألعابهم أمام المنازل أو في المساحات المتاحة، ما يجعل الحاجة إلى أماكن آمنة ومنظمة للترفيه والتعلم والتعبير أكثر إلحاحاً.

ومن هنا، يطرح الأهالي والقائمون على المبادرة فكرة إنشاء مركز أو صالة مخصصة للأطفال، أو نادٍ صيفي، يوفر مساحة آمنة ومنظمة لممارسة الرياضة والفنون والأنشطة الثقافية والترفيهية، ويمنح الأطفال فرصة لاستثمار أوقات فراغهم في بيئة جماعية داعمة.

ولا تقتصر أهمية هذه المساحات، بحسب القائمين على المبادرة، على الجانب الترفيهي، إذ يمكن أن تشكل بيئة تساعد الأطفال على اكتشاف مواهبهم، وبناء علاقاتهم الاجتماعية، والتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، وتعزيز ارتباطهم بهويتهم وقضاياهم.

وتبرز تجربة "الرسم والتعبير الحر" في مخيم درعا، بما رافقها من مبادرة تطوعية وغياب التمويل أو الرعاية، أهمية المبادرات المحلية الصغيرة في توفير متنفس للأطفال، لكنها في الوقت نفسه تكشف الحاجة إلى جهود أكثر استدامة توفر لهم مساحات دائمة للفن والرياضة والثقافة.

وفي ختام الفعالية، وجّه القائمون عليها الشكر إلى كل من ساهم في إنجاح النشاط، وإلى أهالي مخيم درعا على حضور أطفالهم ومشاركتهم، مؤكدين أن استمرار مثل هذه المبادرات يحتاج إلى تضافر الجهود وتوفير مساحات دائمة تتيح للأطفال ممارسة الرياضة والفن والأنشطة الثقافية، وتحويل أوقات فراغهم من وقت مهدور إلى فرصة للتعلم والإبداع.

الوسوم: #مخيم درعا