الفراغ المؤسساتي يفاقم أزمات مخيم درعا وسط غياب البرامج التنموية المستدامة
في وقت تشهد فيه مخيمات فلسطينية عدة في سوريا نشاطًا لجمعيات ومؤسسات أهلية تنفذ برامج متواصلة في مجالات الإغاثة والتنمية، يفتقد مخيم درعا إلى وجود مؤسسات تعمل بصورة دائمة، بحسب سكانه، الذين يؤكدون أن ما يصل إلى المخيم يقتصر على مبادرات ومشاريع مؤقتة تنتهي بانتهاء التمويل أو استكمال نشاط محدد، ما يترك فراغًا خدميًا ينعكس على مختلف جوانب الحياة اليومية، ويضاعف معاناة اللاجئين في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
ومع تراجع الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة وتكاليف المعيشة، يرى سكان المخيم أن الحاجة باتت ملحة للانتقال من التدخلات الإغاثية المؤقتة إلى برامج تنموية مستدامة تعالج المشكلات المزمنة، وتوفر مقومات الاستقرار والخدمات الأساسية.
وفي حديثه لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، وصف عبد الله الحصان، أحد سكان مخيم درعا، الواقع الخدمي في المخيم بأنه يعاني "نقص واضح في العديد من الخدمات الأساسية"، موضحًا أن البنية التحتية ما تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة، ولا سيما شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والإنارة العامة، إلى جانب الضغوط المتزايدة التي فرضها التدهور الاقتصادي على السكان.
وأوضح الحصان أن المخيم لا يضم مؤسسات أو جمعيات تعمل وفق برامج دائمة، وإنما تستقبل المنطقة، بين الحين والآخر، جمعيات أو منظمات تنفذ مشروعًا محددًا، أو تقدم خدمة مرتبطة بملف معين، قبل أن تنهي نشاطها وتغادر.
ويرى أن هذا النمط من التدخلات، على أهميته، لا يواكب حجم الاحتياجات المتزايدة، ولا يوفر استقرارًا في تقديم الخدمات لأهالي المخيم.
وفي الجانب الإنساني، تعتمد بعض الأسر على مساعدات متفرقة تقدمها جهات خيرية ومنظمات إنسانية، إلى جانب مبادرات التكافل الاجتماعي بين أبناء المخيم، إلا أن هذه المساعدات، بحسب الحصان، تبقى محدودة ولا تلبي الاحتياجات الأساسية في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولا يختلف الواقع الصحي كثيرًا عن بقية القطاعات، إذ يقتصر الحضور الدائم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" على مركز صحي يقدم خدمات الرعاية الأولية، ويوفر الأدوية لعدد من المرضى المصابين بأمراض مزمنة وللأطفال، فيما تبقى احتياجات صحية عديدة خارج نطاق هذه الخدمات، الأمر الذي يدفع كثيرًا من المرضى إلى تلقي العلاج خارج المخيم وتحمل أعباء مالية إضافية، وسط مطالب بتوسيع نطاق الرعاية الصحية وتأمين الأدوية والخدمات الطبية الأساسية.
وأشار الحصان إلى أن مخيم درعا شهد خلال السنوات الماضية تنفيذ عدد من البرامج والمشاريع الإنسانية من قبل جهات مختلفة، إلا أن كثيرًا منها توقف أو تقلص بسبب نقص التمويل، أو تغير أولويات الجهات المانحة، أو نتيجة الظروف الميدانية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الأسر التي كانت تعتمد على تلك البرامج.
وعند الحديث عن الأولويات، يؤكد أبناء المخيم أن احتياجاتهم تتجاوز المساعدات الإغاثية الطارئة، وتشمل إطلاق مشاريع تنموية طويلة الأمد تبدأ بإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، وتحسين الطرق والإنارة العامة، وتعزيز الخدمات الصحية وتأمين الأدوية، ودعم العملية التعليمية وتأهيل المدارس، إلى جانب توفير فرص عمل من خلال المشاريع الصغيرة والبرامج الإنتاجية، وتنفيذ برامج لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتمكين النساء والشباب عبر التدريب المهني والتنمية المجتمعية.
ويرى الحصان أن المخيم بحاجة إلى مؤسسة تنموية تعمل بصورة مستدامة، لا يقتصر دورها على توزيع المساعدات الطارئة، بل تنفذ برامج طويلة الأمد في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والتنمية المجتمعية، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة، وتعزيز قدرة السكان على الاعتماد على أنفسهم.
وأضاف أن أي جهة تبدأ العمل داخل المخيم ينبغي أن تضع ضمن أولوياتها مشروعًا متكاملًا يجمع بين إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية، بالتوازي مع إطلاق مشاريع إنتاجية توفر مصادر دخل مستدامة للأسر، معتبرًا أن تحسين الخدمات وحده لن يكون كافيًا إذا استمرت الأزمة الاقتصادية التي تثقل كاهل السكان
وتعكس شهادات سكان مخيم درعا واقعًا من الاحتياجات المتراكمة التي لم تعد تكفي معها التدخلات المؤقتة، إذ تتجه مطالبهم نحو تأسيس برامج تنموية مستدامة تستجيب لأولويات المجتمع المحلي، وتوفر خدمات مستمرة في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية والتشغيل
وبين التحديات اليومية وآمال تحسين الظروف، يبقى إنشاء مؤسسات فاعلة تعمل بصورة دائمة أحد أبرز المطالب التي يرفعها أبناء المخيم، باعتباره مدخلًا لتعزيز صمودهم وتحسين ظروفهم المعيشية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات