صوّتت الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان من منصبه، على خلفية مزاعم تتعلق بسلوك جنسي غير لائق، في خطوة أثارت ترحيب من مسؤولين "اسرائيليين" سعو لاستغلال القرار بالطعن في مذكرتي اعتقال نتنياهو وغالانت.

وبحسب مصادر دبلوماسية، أيدت 82 دولة من أصل 125 دولة عضو في المحكمة، خلال اقتراع سري جرى في اجتماع خاص مغلق بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، إنهاء ولاية خان، وذلك بعد أسابيع من توصية هيئة الرقابة المستقلة التابعة للمحكمة بفصله.

وجاءت التوصية عقب تحقيق زعم أن خان أقام علاقة جنسية غير لائقة مع محامية مبتدئة تعمل في المحكمة، وهو ما اعتبرته الهيئة انتهاكاً يستوجب إنهاء خدمته إلا أن خان، البالغ من العمر 56 عاماً، نفى جميع الاتهامات الموجهة إليه، مؤكداً أنه لم يرتكب أي مخالفة.

ووصف فريق الدفاع عن خان إجراءات عزله بأنها "غير قانونية وغير عادلة من الناحية الإجرائية ولا تستند إلى أدلة"، معلناً عزمه الطعن في القرار أمام جميع الآليات القضائية المتاحة.

وقال محامي خان، طيب علي، في منشور عبر منصة "إكس"، إن موكله سيطعن في قانونية القرار وعدالته، مؤكداً أن إجراءات العزل شابتها مخالفات قانونية وإجرائية.

ويأتي التصويت أيضاً في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية، بعدما أعلنت واشنطن عزمها إطلاق حملة دبلوماسية جديدة تستهدف تقويض المحكمة، معتبرة أنها تشكل تهديداً للسيادة الأمريكية. 

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت خلال عام 2025 عقوبات على تسعة من مسؤولي المحكمة، بينهم المدعي العام ونائباه وعدد من القضاة، على خلفية التحقيقات المتعلقة بجرائم حرب مزعومة مرتبطة بـ"إسرائيل" والولايات المتحدة.

ورحبت الحكومة "الإسرائيلية" بقرار عزل خان، زاعمة أنه يؤكد فساد المدعي العام، وسعت إلى استغلال القرار للمطالبة بإلغاء مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت.

وقال وزير الخارجية "الإسرائيلي" جدعون ساعر، عبر منصة "إكس"، إن عزل خان "كان منتظراً منذ وقت طويل"، مدعياً أن المدعي العام سارع إلى طلب إصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت في محاولة للتغطية على الاتهامات الموجهة إليه، دون أن يقدم أي أدلة تربط بين الأمرين.

ووصف ساعر المذكرتين بأنهما "مسيسّتان ومشينتان"، مطالباً بإلغائهما، ومكرراً الموقف "الإسرائيلي" القائل إن المحكمة لا تملك ولاية قضائية على "إسرائيل" لأنها ليست طرفاً في نظام روما الأساسي.

كما هاجم مندوب "إسرائيل" لدى الأمم المتحدة داني دانون كريم خان، مدعياً أن الأخير اعتقد أن "حملته السياسية ضد إسرائيل" ستصرف الأنظار عن اتهامات التحرش الجنسي.

ولم يكتف دانون بذلك، بل وجّه انتقاداً أيضاً إلى عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، قائلاً إن "استخدام إسرائيل كسلاح سياسي لن يحميه من المساءلة"، وذلك بعد أيام من دعوة ممداني الحكومة الأمريكية إلى تنفيذ مذكرة الاعتقال بحق نتنياهو إذا زار نيويورك، مع إقراره بأن سلطات المدينة لا تملك الصلاحية القانونية لتنفيذها.

ورغم المواقف "الإسرائيلية"، فإن قرار عزل كريم خان لا يؤدي تلقائياً إلى إسقاط أو إلغاء مذكرتي الاعتقال الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت.

فالمذكرتان صدرتا بقرار من الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية، وهي هيئة قضائية مستقلة، ولا يملك المدعي العام صلاحية إلغائهما أو سحبهما، كما أن عزله لا يؤثر على القرارات القضائية الصادرة عن المحكمة.

وكانت المحكمة قد أكدت في وقت سابق اختصاصها الإقليمي بالنظر في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، استناداً إلى انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي، وهو الاختصاص الذي يشمل قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.

كما رفضت الدائرة التمهيدية الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 الاعتراضات "الإسرائيلية" على اختصاص المحكمة قبل إصدار مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت.

وتأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 بموجب نظام روما الأساسي، وتختص بمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.

ومنذ إنشائها أصدرت المحكمة سبعة أحكام بالإدانة، فيما تنظر حالياً في 34 قضية، إلا أنها لا تمتلك قوة شرطية لتنفيذ أوامر القبض، وتعتمد في تنفيذ مذكراتها على تعاون الدول، ولا سيما الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، التي يبلغ عددها 125 دولة.