منذ اندلاع حرب الإبادة "الاسرائيلية" على قطاع غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يؤكد ناشطون فلسطينيون وعرب في ألمانيا، ولا سيما في العاصمة برلين، أنهم يواجهون تصاعدًا في القيود الأمنية والقانونية المرتبطة بالمشاركة في الفعاليات المؤيدة لفلسطين.

وتتنوع هذه الإجراءات القمعية بين الاعتقالات، واستخدام القوة أثناء المظاهرات، والملاحقات القضائية، والقيود على الشعارات والرموز، وصولًا إلى تهديدات بإلغاء امتيازات الإقامة والحصول على الجنسية، بالمقابل تحظى الحركات المناصرة لـ"اسرائيل" بتسهيلات خلال وقفات مضادة للمتضامنين مع فلسطين.

ويستند هذا التقرير إلى شهادات عدد من الناشطين المشاركين في الحراك المؤيد لفلسطين في ألمانيا، من بينهم الناشط أحمد خطاب، وإبراهيم إبراهيم، أحد أبرز منظمي المظاهرات الداعمة لفلسطين في برلين.

تحولت المشاركة في المظاهرات إلى سلسلة من الملاحقات

يقول الناشط الفلسطيني أحمد خطاب، المقيم في العاصمة الألمانية برلين منذ خمسة وعشرين عامًا، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن ما تعرض له الناشطون منذ بداية الحرب على غزة يمثل تحولًا كبيرًا في تعامل السلطات مع الحراك المؤيد لفلسطين.

وروى خطاب أن المشاركين في المظاهرات واجهوا مضايقات واستفزازات متواصلة من الشرطة، شملت "الضرب والسحل واستخدام الغاز"، إلى جانب منع رفع صور الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا أو يعانون من المجاعة في قطاع غزة.

Picture2.jpg

ويؤكد خطاب أن الناشطين غالبًا ما يواجهون اتهامات جنائية بعد انتهاء المظاهرات، من بينها "الاعتداء على أفراد الشرطة أو عرقلة عملهم"، رغم نفيهم ارتكاب تلك الأفعال، مشيرًا إلى أن بعض الشباب تعرضوا كذلك للتهديد بإجراءات تمس إقاماتهم أو فرص حصولهم على الجنسية الألمانية.

وينتقد الناشط الذي يتعرض للقمع والملاحقة منذ 3 سنوات الازدواجية في تعامل الشرطة، قائلاً: إن السلطات تسمح لحاملي الأعلام "الإسرائيلية" بالاقتراب من المظاهرات المؤيدة لفلسطين مع توفير الحماية لهم، بينما يتعرض المشاركون الفلسطينيون لإجراءات مشددة.

ويشير إلى أنه حاول في أكثر من مناسبة الاستفسار من عناصر الشرطة عن إمكانية رفع صور أطفال غزة، إلا أنه يقول: إن رفع تلك الصور كان يؤدي في بعض الحالات إلى توقيف المشاركين وفتح ملفات قضائية بحقهم.

ولم يتعرض خطاب وحده للقمع والملاحقة حيث أن أفرادًا من أسرته تعرضوا بدورهم لإجراءات أمنية وقضائية.

Picture3.jpg

ويقول: إن ابنته، التي تدرس القانون والمحاماة الدولية، تعرضت للسحل في أحد شوارع برلين، مؤكداً أنها لم تكن تشارك في المظاهرة التي شهدت الواقعة، لكنها وُجهت إليها لاحقًا تهمة الاعتداء على رجال الشرطة.

كما يشير إلى أن ابنه، الذي يحمل إعاقة بنسبة 100% ، وُجهت إليه تهمة التسبب بأذى جسدي لأحد الأشخاص، قبل أن تكتشف السلطات إعاقته، الأمر الذي أكد إنه أثار دهشة المحققين.

Picture4.jpg

أما آخر القضايا التي واجهها خطاب، فوقعت قبل أيام عندما تعرضت مجموعة من النساء للدفع من قبل الشرطة أثناء محاولة إبلاغهن بأن أحد الأشخاص ألقى زجاجة باتجاههن.

ويضيف: أنه اعترض على طريقة تعامل الشرطة، ليتم توقيفه، قبل أن يصدر بحقه حكم يقضي بدفع غرامة مالية قدرها 1600 يورو، أو حكم قضائي بالحبس 40 يومًا في السجن بديلًا عن دفع الغرامة.

ازدياد التحقيقات الجنائية المرتبطة بالمشاركة في الاحتجاجات

من جانبه، يقول إبراهيم إبراهيم، أحد أبرز الناشطين في اللجنة الوطنية الفلسطينية الموحدة في برلين وقيادي في لجان فلسطين الديمقراطية في ألمانيا: إن تعامل السلطات الألمانية مع الحراك المتضامن مع فلسطين شهد تغيرًا واضحًا منذ اندلاع الحرب على غزة.

ويرى إبراهيم أن السلطات فرضت قيودًا أشد على المظاهرات، شملت حظر بعض الفعاليات بالكامل، وفرض شروط أكثر صرامة على الشعارات والخطابات، مع زيادة الوجود الأمني وتوسيع عمليات التوقيف والتحقيق.

ويشير إلى أن الشرطة وسعت نطاق تدخلها خلال المظاهرات، ولجأت في بعض الحالات إلى استخدام القوة لتفريق التجمعات أو تنفيذ الاعتقالات، وهو ما أثار انتقادات منظمات حقوقية.

Picture5.jpg

كما يلفت إلى ازدياد التحقيقات الجنائية المرتبطة بالمشاركة في الاحتجاجات، بما في ذلك قضايا تتعلق بتهم "التحريض على الكراهية" أو مخالفة شروط تنظيم التجمعات.

وفي المقابل، يوضح ابراهيم لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن القضاء الألماني أصدر في عدد من القضايا أحكامًا اعتبرت بعض قرارات الحظر والإجراءات الإدارية غير قانونية، وهو ما يعكس استمرار الرقابة القضائية على قرارات السلطات.

ويؤكد أن الحكومة والشرطة تبرران هذه الإجراءات "بأنها تهدف إلى حماية الأمن العام ومكافحة ما يسمى بمعاداة السامية"، بينما يرى منتقدوها أنها تجاوزت الحدود الضرورية وقيدت حرية التعبير والتجمع، خاصة فيما يتعلق بالمظاهرات المؤيدة لفلسطين.

السلطات تستخدم ملف وقف الإقامات والتهديد بالترحيل كأسلوب للضغط

بحسب إبراهيم، فإن القيود المفروضة لا تقتصر على الاعتقالات، وإنما تشمل مجموعة واسعة من الإجراءات، أبرزها حظر عدد كبير من المظاهرات والفعاليات، خصوصًا في برلين

وإلى جانب ذلك قامت السلطات الألمانية بتوسيع الملاحقات القضائية بحق المشاركين في الاعتصامات السلمية إضافة إلى استخدام قوانين الإقامة والهجرة، بما يشمل تعليق الإقامات أو رفض طلبات التجنيس أو التهديد بالترحيل.

Picture6.jpg

وعلاوة على ذلك يؤكد ابراهيم أن تهديد بعض النشطاء الأجانب بإجراءات ترحيل بات سلاحاً تستخدمه السلطات الألمانية لردع المشاركين عن تنظيم المظاهرات المتضامنة مع فلسطين، كما فرضت أيضا قيوداً على الفعاليات الأكاديمية والثقافية المتعلقة بفلسطين داخل الجامعات.

كما يجري استخدام وسائل تفريق المتظاهرين المتضامنين مع فلسطين مثل رذاذ الفلفل والقوة الجسدية خلال بعض الاحتجاجات.

هناك توسيع باستخدام تعريفات مايسمى معاداة السامية

ويشير إبراهيم إلى أن عدداً من المشاريع القانونية أثار قلق المدافعين عن الحريات العامة، ومن أبرزها مقترح مشروع قانون يجرّم "إنكار حق إسرائيل في الوجود"، مع إمكانية فرض عقوبات تصل إلى السجن خمس سنوات.

كما أشار إلى توسيع استخدام تعريفات معاداة السامية بصورة يعتبرها منتقدون فضفاضة، بما يؤدي، إلى تقييد انتقاد السياسات "الإسرائيلية" إلى جانب منح الشرطة صلاحيات أوسع في مجالات المراقبة والتدخل الأمني.

ويؤكد إبراهيم وجود مخاوف متزايدة من استخدام تهم مثل "التحريض" أو "دعم الإرهاب" بحق ناشطين شاركوا في فعاليات سلمية أو عبروا عن مواقف سياسية داعمة لفلسطين.

ويضيف أن خبراء تابعين للأمم المتحدة سبق أن حذروا من مخاطر تجريم أنشطة تضامن سلمية، مثل الدعوة إلى وقف تصدير الأسلحة أو إنهاء الاحتلال.

ويروي إبراهيم أنه تعرض في كانون الأول/ ديسمبر 2023 لمداهمة أمنية لمنزله في برلين، حيث قامت الشرطة بتفتيش المنزل ومصادرة هواتف محمولة ومقتنيات شخصية، ووجهت إليه تهمة الانتماء إلى "منظمة إرهابية محظورة".