محكمة الاحتلال في حيفا تكتفي بمدة اعتقال أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين
أصدرت محكمة الصلح التابعة للاحتلال في حيفا، اليوم الإثنين 22 حزيران/يونيو 2026، حكمها بحق الناشطين أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين من مدينة أم الفحم في الداخل الفلسطيني المحتل، مكتفية بفترة الاعتقال التي أمضياها سابقًا، من دون فرض عقوبة سجن فعلية إضافية، مع إلزام كل منهما بدفع كفالة مالية بقيمة 5 آلاف شيكل، والحكم عليهما بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ.
وجاء الحكم في ختام مسار قضائي استمر أكثر من عامين ونصف، على خلفية مشاركتهما في مظاهرة نُظّمت في مدينة أم الفحم يوم 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023، احتجاجًا على حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وفي أعقاب قصف المستشفى المعمداني، حيث اعتقلت شرطة الاحتلال حينها 12 متظاهرًا، قبل أن تفرج عن معظمهم خلال فترة قصيرة، فيما أبقت على خليفة وجبارين قيد الاعتقال.
وشهدت جلسة النطق بالحكم حضور عشرات المتضامنين مع خليفة وجبارين من مختلف البلدات العربية في الداخل الفلسطيني المحتل، وسط تأكيدات من المشاركين أن القضية تتجاوز شخصي الناشطين، وتمس مساحة العمل السياسي وحرية التعبير للفلسطينيين في الداخل.
وكانت محكمة الاحتلال قد أدانت خليفة وجبارين في نيسان/أبريل الماضي بتهمتي "التحريض غير المباشر على الإرهاب" و"التماهي مع منظمة إرهابية"، فيما برأتهما من تهمة "التحريض المباشر على الإرهاب".
وتعود القضية إلى 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، حين قدمت النيابة العامة التابعة للاحتلال لوائح اتهام بحق الناشطين، نسبت إليهما تهم على خلفية هتافات سياسية رُددت خلال المظاهرة المناهضة للإبادة الجماعية على غزة.

وبحسب هيئة الدفاع، فإن الهتافات التي استندت إليها لائحة الاتهام لم تتضمن أي دعوة إلى "العنف"، ولم تشمل أي ذكر لتنظيم بموجب القانون "الإسرائيلي"، ورغم ذلك تحولت إلى أساس لملاحقة جنائية طويلة انتهت بفرض عقوبات على الناشطين.
وترافع عن خليفة وجبارين طاقم دفاع ضم المحامية أفنان خليفة، ومركز "عدالة" الحقوقي ممثلًا بالمحاميين هديل أبو صالح والدكتور حسن جبارين، إضافة إلى صندوق المدافعين عن حقوق الإنسان.
وخلال إدارة الملف، عرض طاقم الدفاع أمام المحكمة مجموعة واسعة من الأدلة والشهادات التي شككّت في الأسس التي اعتمدت عليها النيابة العامة التابعة للاحتلال. واستمعت المحكمة إلى شهادات معتقلين شاركوا في المظاهرة ذاتها وأُفرج عنهم لاحقًا، حيث أكدوا طبيعتها الاحتجاجية والسياق السياسي الذي رُددت فيه الهتافات.
كما قدم الدفاع تسجيلات مصورة ومواد إعلامية أظهرت استخدام الهتافات ذاتها في مظاهرات أخرى قبل وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بما في ذلك فعاليات جرت بحضور شرطة الاحتلال، دون أن تُفتح تحقيقات أو تُقدَّم لوائح اتهام على خلفيتها.
وأظهرت المعطيات، وفق طاقم الدفاع، أن الهتافات ذاتها رددها عشرات المشاركين في مظاهرة أم الفحم، إلاّ أنّ سلطات الاحتلال لم تستدعِ أيًا منهم للتحقيق أو تتخذ بحقهم إجراءات قانونية، فيما واصلت ملاحقة أحمد خليفة ومحمد طاهر جبارين وحدهما، وهو ما اعتبره الدفاع تطبيقًا انتقائيًا للقانون.
واستمعت المحكمة أيضًا إلى شهادة الباحث والخبير في اللغة والثقافة العربية، البروفيسور يونتان ماندل، الذي عرض السياقات اللغوية والسياسية والتاريخية للهتافات محل المحاكمة، مشيرًا إلى الإشكاليات الكامنة في الترجمات والتفسيرات التي اعتمدتها النيابة، ومؤكدًا أن معاني هذه الشعارات لا يمكن فصلها عن سياقها السياسي والثقافي المتراكم عبر عقود.
كما قدم طاقم الدفاع مواد أكاديمية وأبحاثًا وثقت الاستخدام التاريخي لهذه الهتافات في الخطاب السياسي الفلسطيني بالداخل المحتل، باعتبارها شعارات متداولة منذ سنوات طويلة في المظاهرات والفعاليات الجماهيرية في الداخل الفلسطيني المحتل، دون أن تشكل سابقًا أساسًا لملاحقات جنائية من هذا النوع.
واستجوب الدفاع محققي شرطة الاحتلال الذين تولوا التحقيق مع خليفة وجبارين، وطرح أسئلة حول طبيعة الهتافات وسياقات استخدامها الواسعة، وأسباب عدم اتخاذ إجراءات مماثلة بحق مشاركين آخرين رددوا الهتافات نفسها. وبحسب الدفاع، لم تقدم السلطات تفسيرًا مقنعًا للفارق في التعامل بين المتهمين وغيرهما من المشاركين أو المتظاهرين في قضايا مشابهة.

ورغم الأدلة والشهادات والخبرات المهنية والأكاديمية التي عُرضت أمام المحكمة، انتهى الملف بإدانة الناشطين وفرض العقوبات المذكورة بحقهما.
وعقب النطق بالحكم، قال عضو المكتب السياسي لحركة أبناء البلد أحمد خليفة إن هذه الملاحقات والمحاكمات لن تغير القناعات الوطنية، ولن تدفع الفلسطينيين إلى التراجع عن مواقفهم أو التنكر لروايتهم وانتمائهم لشعبهم.
وأضاف خليفة أن ما يجري "ليس محاكمة لأشخاص بقدر ما هو محاولة لمحاكمة الموقف السياسي والصوت الوطني الحر"، مؤكدًا أن التظاهر مع غزة حق طبيعي لا يمكن التنازل عنه، وأن الأحكام والقيود لن تكون نهاية الطريق، بل محطة جديدة من محطات الثبات.
وقال خليفة: "تظاهرنا مع غزة بوعي، وسنبقى نتظاهر. هذا حق غير قابل للمصادرة"، معتبرًا أن المحكمة ذات طابع سياسي، وأن الملاحقة جاءت بسبب موقف واضح ضد الحرب على غزة.
من جهته، قال القيادي في حركة أبناء البلد جميل صفوري، عقب انتهاء الجلسة، إن القضية تكشف طبيعة الملاحقات السياسية التي يتعرض لها الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني المحتل، داعيًا إلى التوجه للمؤسسات الدولية لمحاسبة الاحتلال على سياساته بحق الجماهير الفلسطينية.
وأضاف صفوري أن المطلوب هو محاكمة الاحتلال على ممارسات شرطة الاحتلال، والاعتقالات التعسفية، والاعتقالات الإدارية، ومنع الفلسطينيين من التعبير عن آرائهم، مؤكدًا أن ما يجري في الداخل الفلسطيني المحتل جزء من سياسة أوسع تستهدف الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.
وفي تعقيب على الحكم، قال مركز "عدالة" من الداخل المحتل إن العقوبة الصادرة اليوم تأتي في ختام ملف كان من المفترض ألاّ يصل أصلًا إلى مرحلة الإدانة، مؤكدًا أن الدفاع عرض أمام المحكمة أدلة وشهادات واسعة بينت الطبيعة السياسية للملاحقة، ووضعت الهتافات في سياقها التاريخي والسياسي.
وأضاف المركز أن المعطيات التي قدمت للمحكمة أثبتت التطبيق الانتقائي للقانون، سواء في التعامل مع المشاركين الآخرين في المظاهرة نفسها، أو مع عشرات الحالات المشابهة في مظاهرات أخرى، مشيرًا إلى أن المحكمة أدانت خليفة وجبارين رغم كل هذه المعطيات.
وتثير القضية منذ بدايتها مخاوف حقوقية واسعة بشأن حرية التعبير والعمل السياسي للفلسطينيين في الداخل الفلسطيني المحتل، في ظل استخدام قانون مكافحة الإرهاب لعام 2016 لتجريم الخطاب السياسي والهتافات التي استخدمت على مدار سنوات طويلة في المظاهرات الفلسطينية.
وتندرج القضية ضمن سياق أوسع من الملاحقات التي تصاعدت منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث شهد الداخل الفلسطيني المحتل تضييقًا غير مسبوق على قضايا التعبير والرأي والعمل السياسي، خاصة كل ما يتعلق برفض الحرب على قطاع غزة والتضامن مع الفلسطينيين هناك.
وكان أحمد خليفة قد أمضى قرابة أربعة أشهر في السجن قبل أن تأمر المحكمة العليا التابعة للاحتلال بالإفراج عنه في شباط/فبراير 2024 بشروط مقيدة، فيما بقي محمد طاهر جبارين رهن الاعتقال الفعلي لنحو ثمانية أشهر، إلى أن قررت محكمة الصلح في حيفا الإفراج عنه في حزيران/يونيو 2024.
ولم تقتصر القيود على فترة الاعتقال الفعلي، إذ فُرضت على الناشطين لاحقًا شروط مشددة، شملت الحبس المنزلي لفترات طويلة، والإبعاد عن مدينة أم الفحم، ومنع استخدام الإنترنت، ومنع مزاولة العمل والسفر خارج البلاد، إلى جانب كفالات مالية وإجراءات رقابية استمرت أشهرًا عديدة.
وبذلك، ينتهي الحكم الصادر اليوم إلى عقوبة مخففة نسبيًا من حيث عدم فرض سجن فعلي إضافي، لكنه يبقي القضية، وفق مؤسسات حقوقية وناشطين، مؤشرًا خطيرًا على استمرار تجريم الاحتجاج السياسي للفلسطينيين في الداخل الفلسطيني المحتل، وملاحقة الأصوات الرافضة للإبادة الجماعية على غزة.









