الفلسطينيون في بلاد الاغتراب يورّثون ذاكرة أجدادهم إلى جيل جديد يعيد رواية النكبة
يعيش الكثير من اللاجئين الفلسطينيين في الدول الأوروبية والغربية، وولد هناك أجيال من الفلسطينيين، لكن ذلك لا يعني، بحسب شهاداتهم، أن القضية الفلسطينية تغيب عن وجدانهم، ولا سيما في ذكرى النكبة التي تحضر كل عام كمساحة لإعادة إحياء الذاكرة الوطنية وربط الأبناء بجذورهم الأولى.
ورغم الدعاية الغربية حول ما توفره دول المهجر من حرية تعبير نسبية، يؤكد لاجئون فلسطينيون أن هناك قضايا تبقى حساسة أو غير قابلة للتعبير الكامل مثل التضامن مع فلسطين أو إدانة الجرائم "الإسرائيلية"، ما يدفعهم إلى نقل الهوية الفلسطينية إلى أبنائهم عبر تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل: الكوفية المعلقة على الجدران، خرائط فلسطين، الأطعمة التراثية، والرسومات، إضافة إلى المشاركة في الفعاليات والأنشطة المرتبطة بالقضية.
موقع اللاجئين الفلسطينيين تحدث مع عدد من اللاجئين في أوروبا حول الطرق التي يحافظون بها على الهوية الوطنية وحب الوطن في وعي أبنائهم، حيث تكررت فكرة واحدة: "الذاكرة لا تُترك للزمن".
الكوفية وخريطة فلسطين… ذاكرة معلقة في البيوت
اللاجئ الفلسطيني أحمد أبو سويد، المقيم في السويد، يقول: إنه منذ ولادة أطفاله يحرص على أن يكون التراث الفلسطيني حاضراً في تفاصيل المنزل اليومية، عبر الصور والكوفية وخريطة فلسطين التي تتضمن أسماء المدن الفلسطينية كافة.
ومع تقدم أطفاله في العمر، يبدأ أبو سويد بسرد روايات العائلة، متحدثاً عن قرية حطين التي هُجّر منها أجداده، مؤكداً أنها "أرض مغتصبة يجب أن تبقى حاضرة في الذاكرة".

ويضيف أنه يخشى من ضياع الذاكرة الفلسطينية لدى الأجيال القادمة، خاصة في ظل نشأة الأطفال في بيئات مختلفة وصراعات معقدة، مشيراً إلى أن ما يجري في غزة اليوم يجعل من الضروري تعزيز الوعي بتاريخ النكبة وما رافقها من تهجير.
ويؤكد أنه يحرص يومياً على تذكير أطفاله بحق العودة، وتعليمهم اللهجة الفلسطينية، وإشراكهم في الأنشطة المتعلقة بفلسطين في السويد، معتبراً أن ذلك "جزء أساسي من التربية على الانتماء".
ويختم بالقول: إنه يحمل إرثاً ورثه عن والده يقوم على أن هناك أرضاً مغتصبة ستعود يوماً ما، وأن ذكرى النكبة تبقى حاضرة بوصفها "اليوم المشؤوم الذي هُجر فيه الفلسطينيون من أرضهم".
نورث ذاكرةً ووجعاً في الوقت نفسه ولكنه جزء من بناء الهوية
في ألمانيا، تقول اللاجئة الفلسطينية دلال عبدالله: إنها تحرص على نقل تفاصيل فلسطين إلى أبنائها عبر الطعام واللباس والقصص، بدءاً من الأكلات التراثية مثل المحمر والمقلوبة، وصولاً إلى الأثواب المطرزة يدوياً، مروراً بسرد حكايات النكبة وتهجير العائلة من فلسطين.
وتوضح أنها تشرح لأطفالها كيف جرى تهجير الفلسطينيين قسراً، وكيف نشأ واقع اللجوء، مشيرة إلى سؤال طرحه أحد أبنائها: "لماذا نحن في لبنان بدل فلسطين؟"، لتجيبه بأن الاحتلال سلب الأرض وأجبر الفلسطينيين على الرحيل.
وتؤكد عبد الله، أنها ترافق أبناءها إلى الاعتصامات والفعاليات التضامنية في ألمانيا، معتبرة أن ذلك جزء من بناء الهوية، وتقول إنها تعيش شعوراً مزدوجاً بين الحنين والألم، مضيفة: "أشعر أنني أورث أبنائي ذاكرة ووجعاً في الوقت نفسه".
وتتحدث اللاجئة عن صعوبة الاغتراب والعيش في بيئة مختلفة ثقافياً، متسائلة عن سبب التشتت الفلسطيني في عدة دول، مقارنة بالشعوب المستقرة في أوطانها.
وتشير إلى أنها اصطحبت أبناءها مؤخراً لمسافة طويلة لحضور فيلم عن الطفلة الشهيدة هند رجب، رغم تحفظها على سفرهم، لكنها رأت في ذلك جزءاً من ربطهم بالقضية.
وتضيف أنها تشرح لأطفالها أنهم يعيشون في الغربة، وأن أصلهم يعود إلى فلسطين، لافتة إلى أن زيارة فلسطين تبقى حلماً مؤجلاً، وتقول: "عندما أتحدث عن فلسطين أشعر بغصة، فكيف إذا رأيتها وزرت الأقصى".
وتختم بالإشارة إلى أن أبناءها يدركون صعوبة الوصول إلى فلسطين بسبب واقع الاحتلال وعدم الاعتراف، رغم إيمانهم العميق بحقهم فيها.
الهتافات لحرية فلسطين قد تُفهم على أنها معادية لما يسمى السامية
اللاجئة سالي، من أصول فلسطينية وتقيم في الدنمارك، تقول: إنها كثيراً ما تتساءل: "لماذا لا نعيش في فلسطين؟"، مشيرة إلى أن عائلتها حرصت على تعريفها بتاريخ النكبة وتهجير الفلسطينيين عام 1948.
وتروي أنها شاركت في اعتصام في كوبنهاغن قبل عامين، حيث رددت هتافات مثل "الحرية لفلسطين وغزة وأطفالها ونسائها"، لكنها فوجئت بتوقيفها من قبل الشرطة واستدعاء مترجم، معتبرين بعض الشعارات مخالفة بحجة أنها قد تُفهم على أنها معادية لما يسمى "السامية".
وتضيف: "عندما عرفوا أنني تحت 18 عاماً سمحوا لي بالمغادرة، لكنهم قالوا لي إن الهتاف ممنوع."
بين غربتين… جيل جديد يعيد رواية النكبة
في ألمانيا أيضاً، تقول سارة عثمان: إنها سمعت لأول مرة عن النكبة من عائلتها وهي صغيرة، حين كانت تُروى القصص بحزن وحنين عن التهجير وفقدان الأرض.
وتوضح أن العائلة، خصوصاً الأجداد، لعبت الدور الأكبر في تعريفها بالتاريخ الفلسطيني، بينما ساعدها الإنترنت لاحقاً في فهم تفاصيل أوسع، وتشير إلى أن كلمة "النكبة" تستحضر لديها مشاعر الحزن والحنين، لكنها في الوقت نفسه تعكس الصمود والتمسك بالهوية.

وتؤكد سارة أن الفلسطينيين في الغربة يتمسكون أكثر بجذورهم، ويحافظون على رواية القصة للأجيال الجديدة، مضيفة أن زيارة فلسطين بالنسبة لها ليست مجرد سفر، بل "عودة إلى جزء من الروح".
الاغتراب امتداد للنكبة .. محاولة بناء حياة في بيئة لا تشبه الجذور
خالد، المقيم في السويد، يقول إنه أدرك معنى النكبة الحقيقي لأنه يعيش امتداداً مباشراً لها في المنفى، مضيفاً: "لو كنت في بلدي لما اضطررت لترك أهلي والسفر للعمل"
ويضيف أن الغربة تمثل محاولة دائمة لبناء حياة في بيئة لا تشبه الجذور، مؤكداً أنه يحرص على البقاء مرتبطاً بالأرض عبر الانتماء والقيم.
ويؤكد أنه يشعر بمسؤولية تجاه أبنائه مستقبلاً في نقل رواية اللجوء، ليس كحادثة تاريخية فقط، بل كتجربة ممتدة عبر الأجيال، موضحاً أنه سيعلمهم أن فلسطين "حق لا يموت".
الفن مقاومة… ذاكرة تُرسم ولا تُنسى
الفنان اللاجئ سليم عاصي، المقيم في الدنمارك، يقول إن نشأته في المخيم كانت الأساس في تشكيل وعيه الوطني، فيما أتاح له الاغتراب مساحة أوسع للتعبير عن القضية الفلسطينية عبر الفن.
ويشير إلى أن الرسم أصبح وسيلته لنقل الذاكرة الوطنية، من خلال تناول قضايا الأرض والهوية، وتوثيق الأحداث الفلسطينية، مؤكداً أن النكبة تشكل الأساس في الوعي الفلسطيني.
ويضيف عاصي أنه يحاول من خلال أعماله إيصال الرسالة الوطنية إلى الأجيال الجديدة، معتبراً أن الفن شكل من أشكال المقاومة، إلى جانب الإعلام والسينما والأناشيد.

ويقرّ الفنان المغترب، بأن بعض أعماله أثارت مساءلات في الدول التي يقيم فيها، رغم الحديث عن حرية التعبير، لكنه يحرص على تقديم رسالته بأسلوب مدروس.
ويختم بأن الجيل الذي لم يعش النكبة يمكن أن يفهمها عبر الرسومات، لكن إدراكها العميق يحتاج إلى رواية الأجداد وسرد الذاكرة الحية.
ورغم اختلاف البلدان وتباين التجارب، يجتمع اللاجئون الفلسطينيون في البلدان الغربية والأوروبية على هدف واحد: إبقاء فلسطين والنكبة حاضرتين في ذاكرة أبنائهم، عبر التراث والفن والقصص والحياة اليومية، باعتبار أن العودة حق لا يسقط، وأن الذاكرة، مهما ابتعدت الجغرافيا، تبقى الجسر الأخير نحو الوطن.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات