تغيرت أبنية مخيم شاتيلا وارتفعت طوابقه وضاقت شوارعه، لكن ذاكرة المجزرة التي شهدتها حاراته وأزقته قبل 44 عاماً لم تتغير أو تغادر وجدان سكانه.

 فإلى جانب الناجين الذين لا تزال مشاهد القتل والهروب عالقة في ذاكرتهم، نشأ جيل جديد لم يعش مجزرة صبرا وشاتيلا، لكنه ورث تفاصيلها ووجعها من آبائه وأجداده، وبات ينقلها بدوره إلى أبنائه.

وفي شهادات جمعتها مراسلة بوابة اللاجئين الفلسطينيين من داخل المخيم في الذكرى الرابعة والأربعين للمجزرة، استعاد أبناء أجيال مختلفة روايات القتل والحصار والجوع وإخلاء المستشفيات، مؤكدين أن تبدل شكل المخيم ومرور العقود لم ينجحا في محو الذاكرة.

وقالت إحدى شابات المخيم إن مجزرة 16 أيلول/سبتمبر تركت جرحاً عميقاً داخل العائلات، وإنها تعرف ما جرى من خلال والدتها التي كانت تعمل ممرضة في أحد المستشفيات خلال أيام المجزرة.

وروت الشابة أن والدتها شاهدت عمليات قتل المدنيين، قبل أن يصل تهديد يطالب العاملين بإخلاء المستشفى ومغادرة المخيم مع اقتراب المهاجمين منه، مشيرة إلى أنها تعرضت للخطر خلال خروجها.

ولم تكن رواية الأم عن عملها في المستشفى وحدها ما انتقل إلى ابنتها، إذ فقدت العائلة الجدة وعدداً من الأقارب والجيران والمعارف خلال المجزرة.

وقالت المتحدثة: "أخبرتني أمي أن والدتها قُتلت في المجزرة، وأن عدداً كبيراً من الأقارب من الدرجة الأولى والجيران والمعارف سقطوا فيها. هذه ذكرى أليمة جداً، وستظل موجودة وتنتقل من جيل إلى جيل، وسنبقى نتذكرها."

"سأروي لأولادي ما مرّ به أهلهم"

وتحدثت شابة أخرى عن الحزن الذي يرافق استعادة ما سمعته من أجدادها ووالديها بشأن المجزرة، وخصوصاً ما تعرض له الأطفال والمدنيون داخل المخيم.

وقالت إن من عاش تلك الأيام حمل غصتها طوال حياته، فيما ورث الأبناء والأحفاد ثقل الحكايات التي رواها الناجون عن الحصار والقتل وفقدان الأقارب.

وأضافت: "كانت المجزرة قاسية جداً على أهلنا؛ عاشوا الحصار وسقط منهم ضحايا كثيرون. مرّت 44 سنة على مجزرة صبرا وشاتيلا، وما زلنا صامدين."

وأكدت أنها ستواصل نقل ما سمعته إلى أطفالها، قائلة: "سأروي لأولادي ما حدث، حتى يعرفوا ما مرّ به أهلهم وما تعرضوا له"، في تعبير عن حرص الجيل الذي لم يشهد المجزرة على منع انقطاع الذاكرة بين الأجيال.

تغير المكان وبقيت الحكايات

ويرى أحد أبناء الجيل الجديد في شاتيلا أن الشكل العمراني للمخيم تغير بصورة كبيرة مقارنة بما تصفه روايات كبار السن، إذ ارتفعت المباني وتبدلت الشوارع، فيما حافظت بعض الحارات على ملامحها القديمة.

وقال: "لم تكن في الماضي مبانٍ بهذا الارتفاع. اليوم تغير كل شيء تقريباً، وبعض الحارات بقيت كما هي، لكن الشكل العام للمخيم تبدل كثيراً."

ورغم هذا التحول، بقيت الحكايات المرتبطة بالمكان حاضرة، فقد سمع أبناء الجيل الجديد من عائلاتهم عن الجوع الذي عاشه السكان خلال الحرب، وعن اقتحام البيوت وقتل المدنيين والتمثيل بجثث الضحايا.

كما تناقلت العائلات رواية وجود وزير حرب كيان الاحتلال " الإسرائيلي" آنذاك قرب السفارة الكويتية ومراقبته مخيم شاتيلا، وسؤاله عنه قبيل المجزرة.

وأضاف الشاب أن تغير الأبنية والشوارع لا يلغي ذاكرة المكان، موضحاً: "ستبقى ذكرى المجزرة حاضرة في المخيم. إنها ذكرى أليمة بالنسبة إلى شبابه وعائلاته، وخصوصاً الذين كانوا يعيشون هنا آنذاك، مثل أجدادنا، لأنهم شاهدوا الويلات بأعينهم".

ممرضة تستعيد لحظة إخلاء المستشفى

وبينما يعرف الجيل الجديد المجزرة من روايات عائلاتهم، لا تزال إحدى الناجيات، التي كانت تعمل ممرضة داخل أحد مستشفيات المنطقة، تتذكر لحظة وصول الأخبار عن اقتراب المهاجمين وصدور تعليمات بإخلاء المستشفى.

وقالت الناجية: "كنت ممرضة في المستشفى خلال المجزرة. أتذكر كيف هربنا عندما وصل المهاجمون إلى منطقة صبرا واقتربوا من المستشفى. وصلنا خبر يطلب منا إخلاءه بعدما أُبلغنا بأنهم باتوا قريبين منه."

وأضافت أن العاملين اضطروا إلى مغادرة المستشفى والهرب خشية وصول المسلحين إليه، في وقت كانت فيه الأخبار عن عمليات القتل تنتقل بين السكان والمرافق الطبية.

وتختصر شهادتها حالة الخوف التي عاشها العاملون في القطاع الطبي والمدنيون، بالتزامن مع اقتحام الأحياء واستهداف المستشفيات والمصابين والطواقم الطبية.

لماذا صبرا وشاتيلا؟

ويعيد أحد أبناء الجيل الذي عايش المجزرة طرح سؤال ظل حاضراً طوال العقود الماضية: لماذا اختيرت صبرا وشاتيلا مسرحاً لها، رغم أن المخيمات الفلسطينية من الرشيدية جنوباً وصولاً إلى بيروت كانت جميعها في مرمى الاحتلال خلال اجتياح لبنان؟

ويقول إن الهدف كان ضرب المقاومة وإنهاء حضورها في بيروت، التي عُرفت آنذاك بوصفها عاصمة للمقاومة، وكانت أول عاصمة عربية يحتلها جيش الكيان " الإسرائيلي" بعد القدس.

وأضاف: "لم يسأل كثيرون لماذا وقعت المجزرة في صبرا وشاتيلا تحديداً. أراد الاحتلال إنهاء المقاومة في بيروت. هذا عدونا، وما حدث لم يكن جديداً علينا، وعدونا لم يتغير."

ووقعت مجزرة صبرا وشاتيلا بين 16 و18 أيلول/سبتمبر 1982، عقب اجتياح كيان الاحتلال للبنان وخروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة وضمانات دولية بحماية المدنيين في المخيمات.

وبعد اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل في 14 أيلول/سبتمبر، احتل جيش الكيان بيروت الغربية وفرض حصاراً على صبرا ومخيم شاتيلا، قبل أن يسمح بدخول مجموعات من ميليشيا "الكتائب" و«جيش لبنان الجنوبي» بقيادة إيلي حبيقة.

وأطلقت قوات الاحتلال القنابل المضيئة فوق المنطقة لتسهيل تحرك المهاجمين ليلاً، فيما أقامت قيادة كيان الاحتلال، مركزاً للرصد والمتابعة بالقرب من المخيم.

واستمرت عمليات القتل ثلاثة أيام، وطالت النساء والأطفال وكبار السن والعاملين في المستشفيات، وشملت اقتحام المنازل والإعدامات الجماعية والاختطاف والاغتصاب والنهب والتمثيل بجثث الضحايا.

وأسفرت المجزرة، عن استشهاد نحو 3500 مدني من الفلسطينيين واللبنانيين وعرب من جنسيات أخرى، إضافة إلى مفقودين لم يُكشف عن مصيرهم حتى اليوم، فيما بقي مرتكبو الجريمة والمسؤولون عن التخطيط لها وتوفير الغطاء العسكري والسياسي لتنفيذها بعيداً عن المحاسبة.