في 29 آب/أغسطس، حلت ذكرى اغتيال الفنان الفلسطيني ناجي العلي، الذي دفع حياته ثمناً لمواقفه، بعدما جعل من الكاريكاتير مساحة لمواجهة الاحتلال والظلم والنفاق السياسي، ومن رسوماته صوتاً للفلسطيني اللاجئ والمهمش والمتمسك بحقه في العودة والحرية.

وما يميز فنّ ناجي العلي أنه ولد من رحم اللجوء، ومن سنواته الأولى في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين جنوبي لبنان، حيث الفقر والاقتلاع والتشرد والظلم، فحمل تلك التجربة معه إلى ريشته، وحول تفاصيل حياة اللاجئين وآلامهم إلى صور تجاوزت حدود المخيم والصحيفة، لتصبح جزءاً من الذاكرة الفلسطينية والعربية، وحاضرة في وجدان أحرار العالم.

xzDhH.jpg


بعد 39 عاماً على اغتياله في لندن، تغيرت الصحف والمنابر والأدوات، وتبدلت الوجوه والسياسات، لكن ناجي العلي لم يغادر المشهد، بقيت رسوماته حية، وبقي "حنظلة" ايقونته الخالدة حاضراً، وانتقلت أسئلته ومواقفه إلى أجيال جديدة من رسامي الكاريكاتير الفلسطينيين.

في هذا التقرير، يستعيد موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين إرث ناجي العلي من خلال شهادات عدد من رسامي الكاريكاتير الفلسطينيين، للحديث عن أثر تجربته في فنهم، وفي القضية الفلسطينية، وعن "حنظلة" الذي لم يكبر، وعن ريشة لم تستطع رصاصة إسكاتها.

صاحب الأرض الذي لم يهجره الوطن

يروي الفنان والدكتور علاء اللقطة كيف ترك ناجي العلي بصمته في تجربته الفنية والإنسانية، حيث قال: إن رمزية ناجي العلي تكمن في انحيازه الدائم إلى أصحاب الحق، مؤكداً أن "صوت الحق أعلى دائماً". وأضاف أن ناجي ابن قرية الشجرة المهجّرة كان صاحب الأرض الذي هجّر من وطنه قسراً وظلماً، لكن الوطن لم يهجره، بل ظل ساكناً في داخله، وكبر معه يوماً بعد يوم، "كالبركان الذي تتجمع حممه حتى فار فنا وإبداعاً، ووصل مدى لظاه إلى ربوع العالم أجمع".

وأوضح اللقطة أن لوحات ناجي كانت صادقة ونابعة من جرح حقيقي، مستشهداً بالمثل العربي: "ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة"، وقال: إن ناجي نقل إلى العالم تفاصيل البيت الفلسطيني بحرفية عالية، وتصوير بليغ، وبساطة شديدة، حتى جعل المتلقي يشعر بأن فاطمة وزوجها وأبناءهما جزء منه، وأن مظلوميتهم هي مظلوميته، وبالتالي تصبح قضيتهم قضيته.

موضوع ذو صلة: ناجي العلي والد حنظلة وفاطمة الذي لم يستطع الاحتلال قتله

وأشار إلى أن فن الكاريكاتير هو فن الصورة الرمزية التي تفيض بالمشاعر، وتختزل الحدث في خطوط بسيطة، لكنها عميقة وبليغة وقادرة على البقاء والتأثير طويلاً، وهو ما نجح ناجي العلي في تحقيقه.

حنظلة.. إرث ناجي لمن بعده

وأكد اللقطة أن ناجي قدّم للفنانين من بعده معاني الثبات على المبدأ والتضحية في سبيله، وعلمهم الجرأة والشجاعة في قول الحق مهما كانت العواقب، وأن المبادئ لا تتجزأ، وأن الفنان "فارس لا يفاوض ولا يهادن ولا يتنازل". وأضاف: "كان ناجي مدرسة في الالتزام، رسماً وفعلاً، وانتقل بفن الكاريكاتير من الترف الفكري إلى ساحة المعركة، فأصبحت الريشة والبندقية سواء".

ورأى أن فلسطين "أرض خصبة ولّادة"، وأن إبداع أبنائها لا ينقطع بالموت أو الاستشهاد، بل يتحول إلى محفز لجيل كامل من بعدهم، يحمل الراية ويكمل المسيرة حتى تحرير فلسطين كل فلسطين.

WhatsApp Image 2026-08-29 at 7.06.13 AM.jpeg
كاريكاتير للفنان الفلسطيني علاء اللقطة

وشدد اللقطة على أن "السياسة تتغير، وموازين القوى تتغير، والأحزاب تتغير، لكن الثابت الوحيد الذي زرعه ناجي العلي فينا هو فلسطين من بحرها إلى نهرها".

وأضاف أن "حنظلة" بات مسؤولية مشتركة لدى الفنانين، قائلاً: "نشعر كأن حنظلة بات مسؤوليتنا جميعاً كفنانين، ولن نخذله أبداً. ومهما اشتدت وطأة الحرب وتوالت الضغوط، ستبقى فلسطين بوصلتنا الوحيدة التي لا نحيد عنها ولا نفرط فيها، حتى النصر والتحرير، أو نلقاه شهداء على الطريق نفسه".

رسم فلسطين قبل أن نصل إلى الورقة

بدوره، قال فنان الكاريكاتير الفلسطيني هاني عباس: إن ناجي العلي "بالنسبة إلينا، لم يكن مجرد اسم كبير في تاريخ الكاريكاتير، ولم يكن مجرد صاحب شخصية اسمها حنظلة. كان حاضراً قبل أن نعرف تماماً ماذا يعني أن نكون رسامي كاريكاتير، كان هناك في الصحف، وفي الكتب، وعلى جدران المخيمات، وفي الذاكرة الفلسطينية، وكانت خطوطه قد وصلت إلينا قبل أن نعرف كيف يمكن لخط أسود بسيط أن يحمل كل هذا الوزن".

وأضاف عباس: "أنا من جيل جاء بعد ناجي، جيل وجد فلسطين موزعة بين الذاكرة والمنفى والمخيم والحدود، ووجد ناجي قد رسم جزءاً كبيراً من الحكاية قبل أن نصل نحن إلى الورقة، لذلك، عندما أنظر اليوم إلى أعماله، لا أراها فقط باعتبارها رسوماً سياسية تنتمي إلى أحداث مضت، بل أراها وثائق إنسانية لمرحلة كاملة".

WhatsApp Image 2026-08-30 at 3.51.14 PM.jpeg
الفنان الفلسطيني هاني عباس 

وتابع: "ناجي رسم زمنه، رسم الفلسطيني الذي خرج من بيته ولم يعد، ورسم المخيم الذي كان يفترض أن يكون مؤقتاً فتحول إلى حياة كاملة، رسم الفقير، واللاجئ، والأم، والطفل، والمقاوم، والسجين، والشهيد، ورسم أيضاً الخذلان"، لم تكن فلسطين في أعماله صورة مثالية معلقة على الجدار، بل كانت قضية حية ومؤلمة ومليئة بالتناقضات، ولهذا لم يوفر أحدًا من نقده عندما شعر أن الحقيقة تستدعي ذلك، واجه الاحتلال، لكنه واجه أيضاً العجز العربي، والنفاق السياسي، والانقسام، والمصالح، والقيادات الفلسطينية عندما رأى أنها تبتعد عن الناس".

حنظلة.. الطفل الذي لم يكبر

وقال عباس: "حنظلة" هو ناجي، الطفل الذي غادر فلسطين في العاشرة، لكنه في الوقت نفسه أكبر من سيرة ناجي الشخصية،هو الطفل الفلسطيني الذي توقف عمره لحظة الاقتلاع. لا يكبر، لا يساوم، ولا يدير ظهره لفلسطين، بل يدير ظهره لنا نحن، إنه شاهد، شاهد صغير وصامت وعنيد".

كاريكاتير-ناجي-العلي-البيت-الفلسطيني-1646049638847.jpeg

وأكد أن "العقود مرت، تغيرت خلالها السياسة والصحافة ووسائل الإعلام والأجيال، لكن حنظلة بقي في مكانه، وربما كانت هذه واحدة من أقسى المفارقات التي تركها ناجي لنا: أن الطفل لم يكبر لأن السبب الذي جعله طفلًا لم ينتهِ".

لكن ما هي الوصية التي تركها ناجي لمن بعده؟ يقول عباس: إنه "ربما مهمتنا نحن، الذين جئنا بعد ناجي، ليست أن نرسم وجهاً، بل أن نعمل من أجل عالم يستطيع فيه حنظلة، أخيراً، أن يلتفت".

ناجي صنع من الكاريكاتير مسؤولية

وأوضح عباس أن تأثير ناجي العلي على من جاء بعده "لا يمكن اختصاره في طريقة الرسم"، مضيفاً: "أعتقد أن تقليد أسلوب ناجي هو أقل أشكال التأثر به أهمية. الأهم هو السؤال الذي تركه وراءه: ما وظيفة رسام الكاريكاتير؟ هل نحن نرسم كي نصنع صورة جميلة؟ هل نرسم كي نضحك الناس؟ هل نرسم لكي ننشر في صحيفة أو نحصل على إعجاب الجمهور؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟ ويعبرّ: "ناجي جعل الكاريكاتير مسؤولية، وجعل الخط موقفاً، وجعل الفنان شاهداً على زمنه، وهذا إرث ثقيل".

اقرأ/ي أيضاً: ناجي العلي.. ضمير فلسطين

وأوضح أن علاقته بالمخيم والذاكرة الفلسطينية جعلته أكثر قرباً من تجربة ناجي، قائلًا: "أنا أيضا عرفت المخيم، وعرفت منذ طفولتي أن فلسطين يمكن أن تكون مكاناً نعرفه من الحكايات قبل أن نعرفه من الجغرافيا، بالنسبة إلى أجيال فلسطينية كثيرة، ولدت بعيداً عن مدنها وقراها الأصلية، لم تكن الذاكرة ترفاً، كانت وطناً محمولاً، أسماء القرى، مفاتيح البيوت، صور العائلة، لهجة الجدات، القصص التي تتكرر حتى نحفظها، والأماكن التي لم نرها لكنها تصبح جزءاً منا".

وبيّن أن "ناجي كان واحداً من الذين حولوا هذه الذاكرة إلى صورة، لكنه لم يرسم الذاكرة بحنين رومانسي، كان فيها غضب، وكان فيها سؤال، وكان فيها إصرار على أن القضية ليست حكاية عن الماضي، بل مسألة عدالة في الحاضر، ربما لهذا بقيت أعماله قادرة على الوصول إلى أجيال لم تعش الأحداث التي رسمها، لأن العمل الفني الحقيقي يستطيع أن يولد من لحظة محددة ثم يتجاوزها".

بساطة الرسم وقوة المعنى الذي لم تقتله رصاصة

ولفت عباس إلى أن من أبرز ما يمكن تعلمه من تجربة ناجي العلي "أن الرسم البسيط ليس رسماً سهلاً"، موضحاً: "أحياناً نحتاج سنوات طويلة حتى نستطيع حذف الخطوط الزائدة،ناجي استطاع أن يبني عالماً كاملاً من مفردات بصرية واضحة جداً: اللاجئ النحيل، المرأة الفلسطينية الصلبة، الطفل، المخيم، الأسلاك، البندقية، الخبز، المفتاح، وحنظلة. لم يكن يحتاج في كثير من الأحيان إلى شرح طويل، الصورة كانت تصل، وهنا تكمن قوة الكاريكاتير كما أفهمه أنا أيضًا: أن تقول الكثير بالقليل، وأن تختصر فكرة كبيرة في صورة، وأن تجعل المتلقي شريكاً في اكتشاف معناها بدل أن تشرح له كل شيء".

45a552f3-46a2-491c-b163-52f12d416b11.jpg


وعن اغتيال ناجي العلي، يقول عباس: " كان يمكن لرصاصة أن تنهي حياة الرجل، وفعلت، لكنها فشلت في إنهاء الصورة، وهذه ربما المفارقة الأجمل والأكثر ألماً في قصته. الفنان الذي قضى حياته يرسم ضد محاولات إسكات الإنسان، حاول أحدهم في النهاية أن يسكته، لكن صوته أصبح بعد موته أعلى".

وأضاف: اليوم، كثيرون ممن يرسمون حنظلة على جدار، أو يحملونه على قلادة، أو يضعونه على ملابسهم، لم يكونوا قد ولدوا عندما كان ناجي حيًا، وربما لا يعرف بعضهم تفاصيل حياته، لكنهم يعرفون الطفل، وهذا أحد أكبر الانتصارات التي يمكن أن يحققها فنان: أن تخرج شخصية من الورقة وتصبح ملكًا للذاكرة الجماعية.

ورأى أن أفضل طريقة للحفاظ على إرث ناجي، ليست أن نقدسه، بل أن نحافظ على السؤال الذي كان يحمله: أين يقف الفنان عندما يصبح الكلام مكلفًا؟ إلى جانب من يقف؟ وماذا يبقى من حريته عندما تقترب السلطة منه، أيًا كانت هذه السلطة؟ هذه الأسئلة لم تمت مع ناجي، وهي ليست أسئلة تخص الفلسطيني وحده، إنها أسئلة تخص كل فنان يعتقد أن الفن أكثر من مهنة".

ناجي ما زال قريباً

وتحدث عباس عن الفارق بين جيل ناجي والأجيال الجديدة من الفنانين الفلسطينيين، قائلًا: "مرت سنوات طويلة منذ رحيل ناجي العلي، وجاءت أجيال جديدة من الفنانين الفلسطينيين، تغيرت أدواتنا، نرسم اليوم على الورق وعلى الأجهزة اللوحية، وننشر في الصحف وعلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ويمكن لرسم أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ثوان، لكن التكنولوجيا لم تغير السؤال الأساسي: ماذا نريد أن نقول؟ ربما لهذا أشعر أن المسافة بيننا وبين ناجي ليست بعدد السنوات، المسافة الحقيقية هي بين خط صادق وخط لا يعني شيئًا، وبهذا المعنى، ناجي ما زال قريباً جداً".

WhatsApp Image 2026-08-30 at 3.51.14 PM (1).jpeg
كاريكاتير للفنان الفلسطيني هاني عباس 

مدرسة ناجي

من جانبه، رأى فنان الكاريكاتير، سليم عاصي، أن الحديث عن ناجي العلي هو حديث عن أيقونة فلسطينية، تجسّدت في شخصية "حنظلة" التي ترسخت في أذهان أجيال وأجيال من أبناء الشعب الفلسطيني، ومن شعوب وأحرار العالم.

وأضاف عاصي، أن ناجي استطاع أن يخرج من حدود المخيم إلى العالمية، من خلال رسوماته التي ترجمت معاناة اللاجئين والمظلومين، تلك الطبقة التي انحاز إليها في مواجهة الظلم والطغيان. وبصدقها وجرأتها وقوة معانيها، وما حملته من آلام وآمال، استطاعت رسوماته أن تلامس قلوب الملايين في المحيط الفلسطيني والعربي والعالمي.

WhatsApp Image 2026-08-29 at 7.01.02 AM.jpeg
الفنانان الفلسطينيان علاء اللقطة (يمين) وسليم عاصي (يسار)

وأوضح أن ناجي، اللاجئ المعروف ببساطة حاله، لم تكن لديه سلطة ولا منصب ولا مال، لكنه امتلك ذكاءً استثنائياً ووجداناً صادقاً، وحمل هموم شعبه المنكوب، فكان قلمه صوت شعبه التواق إلى العودة إلى وطنه، ونيل حقوقه وحريته والعيش بكرامة.

وأشار إلى أن ناجي استطاع أن يكون ملهماً للكثير من فناني الكاريكاتير حول العالم، حتى بات فن الكاريكاتير السياسي مرتبطاً باسمه، معتبراً أنه أسس، من خلال أفكاره واستشرافاته، مدرسة وطنية قوامها الفكر الثوري وجرأة الطرح.

وقال: "ناجي لم يعرف التملق، لم يحاب، لم يهادن ولم يساوم. كان مباشراً وشجاعاً وغاية في الجرأة، وبحسب المثل الشعبي: "ما كان عنده لحية ممشطة"، وهذا كان سبباً في استهدافه واغتياله".

_97584448_28f3bb9f-fad8-4732-91ab-fcf66ac4d4cd.jpg


وبعد مرور 39 عاماً على اغتياله، يؤكد عاصي أن ما قاله فنان الكاريكاتير الدكتور علاء اللقطة عن ناجي: "رحل الجسد وبقيت الفكرة"، يختصر إرثه الذي ما زال حاضراً في أبناء شعبه، ولا سيما فناني الكاريكاتير، رغم اختلاف أساليبهم وتقنياتهم الفنية.

وختم عاصي بالقول: "مات ناجي، لكن أقلامه لم تمت ولم تجف... ما زالت أقلامه في أيدي تلامذته، تسير على دربه، حية وشامخة وعصية على الانكسار. وحنظلة ما زال معنا وبيننا وباقياً فينا، فكل منا حنظلة، وكل إنسان حر هو حنظلة".

لم يعد ناجي العلي مجرد فنان رحل في ريعان عطائه، بل أصبح جزءاً من الذاكرة الفلسطينية، وصار "حنظلة" شاهداً على نكبة لم تنته، ولجوء لم يتحول إلى ماض، وحق في العودة ما زال حاضراً في وجدان أجيال لم تعرف ناجي إلا من خلال خطوطه ورسوماته