داخل خيمة بسيطة لا تقي حر الصيف ولا أمطار الشتاء، تجلس اللاجئة الفلسطينية المسنة ليلى أبو عيدة في منطقة المواصي غربي خان يونس جنوبي قطاع غزة، محاطة ببناتها وأحفادها، فيما تحمل معها آثار رحلة نزوح طويلة بدأت من مخيم جباليا شمالي القطاع، فقدت خلالها منزلها وزوجها وابنها، قبل أن يضاف المرض إلى قائمة ما أثقل حياتها.

أبو عيدة، التي تعاني أمراضاً مزمنة ومشكلات خطيرة في القلب، تقول إنها تنتظر منذ نحو عامين فرصة للسفر إلى خارج قطاع غزة لإجراء عملية جراحية يؤكد الأطباء، ، عدم توفر الإمكانات والأجهزة اللازمة لإجرائها داخل القطاع.

لكن الوصول إلى هذه الخيمة في المواصي لم يكن انتقالاً واحداً من منزل إلى مكان نزوح، بل رحلة متكررة تقول أبو عيدة إنها اضطرت خلالها وعائلتها إلى الرحيل نحو عشر مرات من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان.

وتقول: "نحن من مخيم جباليا للاجئين في الشمال، وجئنا إلى مواصي خان يونس. نزحنا يمكن عشر مرات، وكنا ننتقل من مكان إلى مكان"، مضيفة أن كل رحلة نزوح كانت تعني أعباء جديدة على عائلة فقدت معظم مقومات حياتها.

حرارة الخيمة خلال ساعات النهار تجبر أفراد العائلة، وفق المسنة الفلسطينية، على البقاء خارجها فترات طويلة، بينما تنتشر الحشرات والقوارض في المنطقة المحيطة بها.

وتصف واقعها بكلمات مختصرة: "رمل وخيمة مثل النار طوال اليوم.. نجلس في الخارج، والحشرات كثيرة.. هذه ليست حياة بشر".

ولا تشعر أبو عيدة أن الخيمة التي تؤويها قادرة على حمايتها مع اقتراب فصل الشتاء، فهي، كما تقول، مصنوعة إلى حد كبير من القماش ولا تمتلك العائلة أغطية بلاستيكية كافية لعزلها عن المطر.

وتضيف: "أي نقطة ماء تنزل علينا، والشتاء لم يبدأ بعد. نحتاج إلى شوادر.. لا توجد إمكانية للحياة في الخيام، الحياة صعبة جداً".

فخلال حرب الإبادة الجماعية، فقدت زوجها وابنها، فيما دُمر الاحتلال منزل العائلة في مخيم جباليا، لتجد نفسها في مرحلة متقدمة من العمر بلا منزل وبلا الشخصين اللذين تقول إنهما كانا يشكلان سنداً رئيسياً لها.

وبصوت يختلط فيه المرض بالفقد، تقول: "راح الزوج وراح الولد الشاطر الذي كان يقوم معي"، في إشارة إلى ابنها الذي كان يساعدها في شؤون حياتها وعلاجها.

وتقول أبو عيدة إن حالتها الصحية تدهورت بعد فقدان ابنها وزوجها، وإنها تعرضت لأزمتين في القلب، فيما بات أي حزن أو توتر ينعكس سريعاً على وضعها الصحي.

وتضيف: "أي زعل يضايقني، والحزن لا يذهب"، مستذكرة تعرضها لتعب شديد في القلب في اليوم السابق لحديثها.

تقول أبو عيدة إن الأطباء أبلغوها بحاجتها إلى عملية ضرورية في القلب، إلا أن إجراءها غير متاح في قطاع غزة بسبب عدم توفر الأجهزة والإمكانات الطبية المطلوبة.

وتقول: "الدكاترة قالوا لي لا توجد أجهزة، ولازم أطلع إلى الخارج.. أنا مقدمة للعملية منذ سنتين"، مضيفة أنها تلقت اتصالات سابقة بشأن إمكانية سفرها، لكن ذلك لم يفض حتى الآن إلى مغادرتها القطاع.

ومع استمرار تدهور وضعها الصحي، تحول انتظار السفر بالنسبة إليها من مسألة علاجية إلى سباق مع الوقت.

وتناشد المسنة الفلسطينية الجهات المعنية المساعدة في استكمال إجراءات خروجها لتلقي العلاج، قائلة إنها تخشى من تعرضها لأزمة صحية جديدة في ظل عدم توفر العلاج المطلوب لها داخل غزة.

إلى جانب مرض القلب، تعاني أبو عيدة مرض السكري، ما يجعل انتظام الطعام جزءاً أساسياً من استقرار حالتها الصحية، لكن واقع النزوح والفقر لا يسمح لها، وفق قولها، بالحصول على الوجبات التي تحتاج إليها.

وتوضح أن عائلتها تعتمد في جانب من غذائها على المساعدات ووجبات "التكايا" الخيرية، وحين تتوقف تلك الوجبات يصبح العثور على الطعام أكثر صعوبة.

وتقول: "أنا مريضة سكر ولازم آكل يومياً أكثر من وجبة، لكننا نعيش على وجبة واحدة".

وتضيف أنها فقدت الوعي عدة مرات في ظل نقص الغذاء وتدهور حالتها الصحية، ليتم نقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج قبل أن تعود مجدداً إلى الخيمة والظروف ذاتها.

ويواجه آلاف المرضى في قطاع غزة صعوبات متزايدة في الوصول إلى العلاج التخصصي غير المتوفر داخل القطاع، في ظل تدميرالمنظومة الصحية ونقص الأدوية والمعدات والكوادر الطبية، ما يجعل التحويل للعلاج في الخارج خياراً ضرورياً خصوصاً لمرضى القلب والأورام والحالات التي تحتاج إلى تدخلات معقدة.

ورغم استمرار عمليات الإجلاء الطبي إلى خارج غزة، تبقى أعداد المغادرين محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، فيما ينتظر مرضى لفترات طويلة استكمال إجراءات التحويل والتنسيق والموافقة على السفر، وهو ما يضاعف مخاطر تدهور أوضاعهم الصحية مع استمرار التأخير.