أهالٍ ومعلمون ينتقدون ترتيبات "أونروا" للعام الدراسي في غزة: فصول مكتظة وطلاب بلا مقاعد
لم ينجح أحد الآباء في إقناع طفله بالبقاء في المكان الذي يُفترض أن يقضي فيه يومه الدراسي. يقول الأب إن ابنه دخل ليبدأ التعلم، لكنه لم يحتمل البيئة المحيطة به وغادر، في مشهد يلخص جانبًا من التحدي الذي يواجه آلاف الأطفال العائدين إلى التعليم في قطاع غزة: الدراسة استؤنفت، لكن المدرسة التي عرفوها لم تعد موجودة بالشكل الذي كانت عليه.

وبعد سنوات من الحرب والنزوح وتعطل العملية التعليمية، تمثل عودة الأطفال إلى الدراسة بالنسبة إلى كثير من الأسر بارقة أمل في استعادة جزء من الحياة الطبيعية. غير أن شهادات متقاطعة لأهالٍ ومعلمين، رصدتها "بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، تشير إلى أن العودة تجري في ظروف بعيدة عن الحد الأدنى المعتاد للبيئة المدرسية، وسط اكتظاظ ونقص في المقاعد والكتب والقرطاسية، فيما لا تزال بعض المدارس تُستخدم لأغراض مرتبطة بالنزوح وتقديم الخدمات الإنسانية.
وبين الرغبة في عدم خسارة مزيد من سنوات التعليم وواقع البنية التحتية المنهكة، يجد الأطفال والمعلمون أنفسهم أمام نموذج تعليمي فرضته الضرورة أكثر مما صنعته الخيارات.
وقال أحد أولياء الأمور لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، بعد تجربة عودة أطفاله إلى إحدى مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، إن البيئة التي شاهدها "لا تصلح للتعليم"، فيما قال أب آخر إن طفله رفض البقاء وغادر المكان.
وتتقاطع هذه الشهادات مع إفادات أخرى لأهالٍ تحدثوا عن طلاب يجلسون على الأرض داخل صفوف مكتظة، وعن نقص كبير في المقاعد والمساحات المخصصة للتعليم.
وقالت إحدى الأمهات لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إن الواقع يختلف من مدرسة إلى أخرى، لكنها وصفت البيئة الصفية عمومًا بأنها شديدة الصعوبة، مشيرة إلى أن ابنتها تجد مشقة في الجلوس والكتابة على الأرض، رغم تمسك الأسرة بتعليم "أونروا".
وتحدثت شهادات أخرى عن صفوف تضم ما بين 50 و60 طالبًا، يجلس بعضهم على الأرض، فيما قال أبو خالد، والد أحد الطلاب، إن العدد في بعض المواقع يصل إلى نحو 70 طالبًا، متسائلًا عن قدرة الطالب أو المعلم على التركيز في ظل هذا الاكتظاظ وصعوبة ضبط الصفوف.

المدرسة والمأوى في المكان نفسه
ولا تتوقف المشكلة عند نقص المقاعد.
ورصدت "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" مدارس تداخلت فيها عودة التعليم مع استمرار استخدام أجزاء من مرافقها لإيواء النازحين أو تقديم خدمات أخرى، ما يضع العملية التعليمية أمام معادلة معقدة: كيف يمكن إعادة المدرسة إلى وظيفتها الأصلية في وقت لا تزال فيه عائلات بحاجة إلى المكان نفسه؟
وقال النازح أبو كريم، في مخيم بدير البلح، إن بعض الغرف الدراسية يتقاسمها الطلاب مع نازحين، الأمر الذي ينعكس، بحسب قوله، على العملية التعليمية في ظل الاكتظاظ والضوضاء ونقص المساحات المناسبة للدراسة.
وتضع هذه الظروف الأسر أمام خيار صعب. فبعد نحو ثلاث سنوات من الانقطاع والاضطراب في العملية التعليمية، يخشى كثير من الأهالي استمرار ابتعاد أبنائهم عن الدراسة، لكنهم يتساءلون في الوقت نفسه عن قدرة الطفل على التعلم داخل مكان شديد الاكتظاظ، أو من دون مقعد وكتاب ومساحة كافية للجلوس والكتابة.

المعلمون في الخط الأمامي
وسط هذه الصورة، يظهر المعلم باعتباره أحد أكثر الأطراف تحمّلًا لكلفة استمرار العملية التعليمية.
وتقول المعلمة أم إبراهيم إن المدرسين يواصلون عملهم في ظل نقص شديد في التجهيزات، إلى جانب ضغوط مالية وخصومات على الرواتب، وفي بيئة قد لا يتوفر فيها حتى المقعد الذي يحتاج إليه المعلم أو الطالب.
وأضافت أن استمرار "التعليم البديل" يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة المعلمين على التكيف مع واقع يفتقر إلى كثير من مقومات المدرسة التقليدية، بدءًا من الكهرباء والإنترنت، وصولًا إلى الكتب والقرطاسية والمقاعد، فضلًا عن مشكلات المياه والصرف الصحي والازدحام.
ويحاول المعلم، في مثل هذه الظروف، القيام بدور يتجاوز شرح الدرس. فعليه ضبط عشرات الطلاب داخل مساحة محدودة، والتعامل مع أطفال انقطعوا عن التعليم لفترات طويلة، ومواجهة ظروف نفسية واجتماعية غير اعتيادية، بينما تبقى الأدوات التي تساعده على أداء عمله محدودة.
ويقول أبو رائد، وهو مدرس في مدارس "أونروا"، إن الحديث عن تعافي التعليم لا ينبغي أن يقتصر على فتح نقاط تعليمية أو إعلان استئناف الدراسة، بل يجب أن يشمل حقوق المعلمين وتحسين ظروف عملهم، إلى جانب توفير تمويل يسمح للعملية التعليمية بالاستمرار بصورة مستقرة.

دفاع عن العودة رغم كل شيء
لكن الصورة ليست أحادية.
ففي مقابل الانتقادات، يدافع أهالٍ ومعلمون عن قرار إعادة التعليم، ويقولون إن البديل يعني إبقاء جيل كامل بعيدًا عن الدراسة لفترة أطول.
وقالت اللاجئة أم محمود إن تعليم "أونروا" ما زال، من وجهة نظرها، أفضل من بدائل أخرى جربها أبناؤها، وإن الأطفال عادوا من يومهم الدراسي الأول بعدما كتبوا ودرسوا في دفاترهم، رغم ضعف البيئة المحيطة بهم.
ويضيف المدرس إبراهيم أن وكالة "أونروا" استعدت وفق ما تملكه من إمكانات، وأن بعض المدارس أُفرغت بالكامل للعملية التعليمية، بينما أُخليت أجزاء من مدارس أخرى.
وأضاف أن الطواقم التعليمية والإدارية موجودة، وأن بعض المواد الأساسية وصلت، فيما يستمر توزيع القرطاسية، معتبرًا أن إعادة التعليم في الظروف الحالية تمثل محاولة للحفاظ على حق الأطفال في التعلم رغم الدمار.
وتعكس آراء أهالي الطلاب والمعلمين جانبًا آخر من الأزمة؛ إذ لا يبدو أن هناك خلافًا جوهريًا حول ضرورة عودة الأطفال إلى التعليم، بقدر ما يدور النقاش حول مدى قدرة الظروف الحالية على توفير تعليم منتظم وآمن وفاعل.
فالاستعداد للعام الدراسي لا يعني أن الظروف أصبحت مثالية، فيما تقابل التحديات الكبيرة جهود يومية لإبقاء الأطفال على صلة بالتعلم ومنع اتساع الفجوة التعليمية.

الخوف من تحول المؤقت إلى دائم
لكن مصدر القلق الأكبر لدى الأهالي والمعلمين لا يتعلق بالأسابيع الأولى من العودة وحدها.
فالخشية المتكررة هي أن تتحول الحلول التي فرضتها الحرب إلى نموذج دائم للتعليم: خيام بدل الفصول، والأرض بدل المقاعد، ونظام دراسي محدود الإمكانات بدل مدرسة متكاملة.
ويرى تربويون ومعلمون التقتهم "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أن التعافي لا يمكن أن يقوم على حلول مؤقتة تمتد إلى أجل غير محدد، وأن استعادة العملية التعليمية بصورة حقيقية تتطلب تمويلًا مستدامًا لإعادة بناء البيئة المدرسية وتوفير الكتب والمقاعد والمرافق الصحية والمياه والتجهيزات الضرورية.
كما يشيرون إلى أن التعليم عن بُعد، الذي يمثل أحد البدائل المتاحة، يصطدم هو الآخر بعجز بعض الأسر عن تحمل تكاليف الإنترنت، فضلًا عن نقص الكهرباء والأجهزة المناسبة.
وكانت قد أعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، مطلع الاسبوع الجاري افتتاح العام الدراسي 2026/2027 في قطاع غزة، عبر عشرات مساحات التعلم المؤقتة، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالقطاع التعليمي خلال الحرب وما ترتب عليه من انقطاع طويل لآلاف الأطفال عن التعليم.
وجرى الافتتاح الرسمي في مدرسة ذكور النصيرات الإعدادية "أ" بمخيم النصيرات وسط القطاع، بحضور رئيس برنامج التعليم في وكالة "أونروا" بغزة توفيق الحوراني، وعدد من الكوادر التعليمية والتربوية وممثلي المجتمع المحلي.
وقال الحوراني إن استئناف العملية التعليمية بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من الظروف الاستثنائية يمثل خطوة نحو استعادة حق الأطفال في التعلم، مؤكدًا أن التعليم يشكل أداة أساسية للحماية والتعافي وإعادة بناء الشعور بالأمل والاستقرار لدى الطلبة.
ويأتي بدء العام الدراسي الجديد في غزة بينما يواجه قطاع التعليم تحديات واسعة فرضها الدمار والنزوح وخروج أعداد كبيرة من المدارس عن الخدمة، ما دفع المؤسسات التعليمية إلى الاعتماد على مساحات ونقاط تعلم مؤقتة والتعليم الرقمي كبدائل لاستمرار العملية التعليمية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات