داخل خيمة.. طلاب في مخيم البريج يستعيدون مقاعد الدراسة بعد سنوات الحرب
داخل خيمة بسيطة أقيمت في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة، جلس عشرات الطلاب الفلسطينيين يتلقون درسًا في اللغة العربية، في مشهد يلخص واقع العودة إلى التعليم بعد قرابة ثلاث سنوات من الانقطاع والدمار الواسع الذي لحق بالمدارس والمنشآت التعليمية خلال حرب الإبادة الجماعية على القطاع.

مع انطلاق العام الدراسي الجديد، السبت 26 أيلول/سبتمبر 2026، عاد طلاب في المخيم إلى تلقي الدروس الحضورية، لكن بعيدًا عن الصفوف التقليدية والمقاعد المدرسية، وفي ظل نقص حاد في المساحات التعليمية واضطرار الجهات القائمة على التعليم إلى استخدام الخيام والمرافق المؤقتة بديلًا عن مدارس دمرت أو تضررت.
داخل الخيمة، تحاول المعلمة استعادة أجواء الصف قدر الإمكان. تحمل بطاقات كتب عليها أسماء وكلمات، وتطرح أسئلة حول أقسام الكلام والأسماء والأفعال، فيما يرفع الأطفال أيديهم تباعًا للإجابة والمشاركة.
وبين أصوات الطلاب وشرح المعلمة، يبدو الدرس اعتياديًا للوهلة الأولى، لكن مكان انعقاده والسنوات التي سبقت هذه اللحظة يكشفان حجم التحول الذي أصاب العملية التعليمية في قطاع غزة.

ورغم الظروف الصعبة، بدا الحماس واضحًا على الأطفال الذين تسابقوا للمشاركة، في محاولة لاستعادة روتين دراسي غاب عن حياتهم لفترة طويلة.
وقالت إحدى الطالبات، وهي تصف يومها الأول في الدراسة: "إلنا ثلاث سنوات ما تعلمنا، واليوم جئنا إلى المدرسة عشان نتعلم، وانبسطنا كثير كثير".
وأضافت أن اليوم الدراسي جمع بين القراءة والكتابة والأنشطة التعليمية والترفيهية، قائلة: "صرنا ندرس ونعرف نقرأ، ونتعلم ونلعب، وكتبنا إملاء وجمل كمان".
وبالنسبة إلى الطفلة، لم تكن العودة مرتبطة فقط بتلقي درس جديد، بل باستعادة جزء من الحياة التي افتقدتها مع استمرار الحرب وتعطل الدراسة النظامية.
أما الطالبة رغد، فاختصرت سنوات الانقطاع في كلمات قليلة، قائلة: "صار لنا ثلاث سنوات عايشين بالحرب، ولا عمرنا رحنا على مدارس".
أضافت وهي تتحدث عن عودتها إلى الصف: "اليوم أول يوم نروح على المدرسة عشان نتعلم".
وتعكس شهادات الطالبات حجم الاشتياق للعودة إلى حياة طبيعية بعيداً عن الحرب إضافة إلى الفجوة التعليمية التي عاشها أطفال غزة، حيث لم تعد العودة إلى الدراسة تعني بالضرورة العودة إلى مدرسة مكتملة المرافق، بل قد تكون خيمة أو مساحة مؤقتة أو غرفة داخل مبنى متضرر.
ومع ذلك، يمثل مجرد الجلوس أمام معلم، وحمل القلم، وقراءة الكلمات واللعب مع الزملاء، بالنسبة إلى كثير من الأطفال، خطوة نحو استعادة جانب من حياتهم الطبيعية بعد سنوات اتسمت بالنزوح والخوف والانقطاع عن التعليم.
وعاد مئات الآلاف من الأطفال في قطاع غزة إلى التعليم الحضوري مع انطلاق العام الدراسي الجديد، للمرة الأولى بصورة أوسع منذ قرابة ثلاث سنوات، لكن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم أمام واقع تعليمي مختلف؛ مدارس متضررة، وصفوف مؤقتة، وخيام تستخدم للتدريس، إلى جانب نقص في المقاعد والكتب والقرطاسية.
وتتزامن العودة مع أوضاع اقتصادية قاسية تواجهها الأسر الفلسطينية، إذ بات الدفاتر والأقلام والاحتياجات الأساسية عبئًا إضافيًا على عائلات فقد كثير منها مصادر دخلها ومنازلها خلال الحرب.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، تعرض نحو 98 بالمئة من مدارس قطاع غزة للدمار أو الضرر خلال الحرب، ما أدى إلى تقلص حاد في المساحات الصالحة للتعليم.
ويقول مسؤولو التعليم في غزة إن نحو 660 ألف طالب حرموا خلال السنوات الماضية من التعليم الحضوري والانتظام في العملية التعليمية.
وتشير "يونيسف" كذلك إلى أن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسابعة عشرة فقدوا الوصول إلى التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام متتالية، فيما لم يتمكن نحو 420 ألف طفل، أي ما يعادل ثلاثة من كل خمسة أطفال، من الوصول إلى أي شكل من أشكال التعليم الوجاهي حتى نيسان/أبريل 2026.
وفي خيمة مخيم البريج، تبدو هذه الأرقام أكثر وضوحًا في وجوه الأطفال الذين يحاولون استعادة ما فاتهم من سنوات الدراسة، وسط واقع لا تزال فيه العودة إلى التعليم محكومة بما توفر من خيام ومساحات بديلة وإمكانات محدودة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات