لم تعد الطفلة الفلسطينية سيلا أبو كريم، ذات الأعوام الستة، تسأل والدتها عن موعد اللعب مع صديقاتها أو الذهاب إلى المدرسة فحسب، بل بات سؤالها اليومي أكثر قسوة: "ماما، متى سأمشي؟ ومتى سيصلحونني؟".

منذ إصابتها بشظايا قصف لقوات الاحتلال أمام منزل عائلتها في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة، تغيرت حياة سيلا بالكامل، بعدما أصابت إحدى الشظايا عمودها الفقري وتسببت، بحسب والدتها، في تهتك ثلاث فقرات وإصابة في النخاع الشوكي.

وتقول والدتها نور أبو كريم إن سيلا كانت تلعب في الشارع أمام المنزل في 29 يناير/كانون الثاني 2026 عندما تعرض المكان للقصف.

وأضافت أن طفلتها كان يفترض أن تخضع منذ الأيام الأولى لإصابتها لعملية جراحية لتثبيت الفقرات وتنظيف الشظايا، إلا أن عدم تمكنها من مغادرة قطاع غزة حال دون إجراء العملية حتى اليوم.

ومع مرور الأشهر، تقول الأم إن الحالة الصحية لابنتها أخذت في التدهور، إذ أصيبت بليونة وانزلاق في الفقرات، بينما ما تزال تعاني آلامًا شديدة ومستمرة في الظهر.

وتضطر سيلا، وفق والدتها، إلى تناول مسكنات قوية بصورة متواصلة، إلا أن تأثيرها تراجع مع طول فترة الاستخدام.

وتضيف نور أن ابنتها تستيقظ ليلًا وهي تصرخ من شدة الألم، فيما تراجعت قدرتها على تناول الطعام بصورة طبيعية، وانخفض وزنها من نحو 25 كيلوغرامًا قبل الإصابة إلى 13 كيلوغرامًا.

ولم تتوقف آثار الإصابة عند الألم الجسدي، إذ تقول الأم إن طفلتها أصبحت أكثر عزلة، ولم تعد ترغب في رؤية الآخرين أو الحديث معهم كما كانت في السابق.

وتابعت: "منذ يوم الإصابة تغيرت حياتها 180 درجة، وفقدت طفولتها بالكامل".

وبحسب إفادة الأم، فقدت سيلا الإحساس والحركة في ساقيها، كما فقدت القدرة على التحكم بالتبول والإخراج، وأصبحت بحاجة إلى رعاية صحية يومية وقسطرة متكررة وأدوية للأعصاب ومسكنات للآلام.

وتقول إن شظايا عظمية وأخرى من بقايا القذيفة ما تزال موجودة في جسد طفلتها، ما يزيد معاناتها ويجعل التدخل الطبي المتخصص ضرورة ملحة.

وبينما تعيش سيلا هذه المعاناة، كان يفترض أن تكون بداية عامها الدراسي مختلفة تمامًا.

ففي يوم إصابتها، كانت تستعد لتكريمها ضمن المتفوقين في روضتها، بحسب والدتها، قبل أن تحرمها الإصابة من متابعة تعليمها وبدء الصف الأول برفقة أقرانها.

وتقول الأم إن ابنتها كانت من الأطفال المتفوقين، وكان من المفترض أن تواصل دراستها وتلعب مع صديقاتها، لكنها باتت اليوم تراقبهن من مكانها وتسأل متى ستتمكن من المشي والعودة إليهن.

ومن بين أكثر العبارات التي تؤلم والدتها، قول سيلا لها: "يا ماما، نفسي ألعب مع صحباتي، نفسي أكون أميرة وألعب مع صحباتي".

وتضيف الأم أن طفلتها تسألها باستمرار عن موعد السماح لهما بالسفر لتلقي العلاج، بينما لا تملك إجابة تقدمها لها.

وتنتظر الأسرة الحصول على فرصة لإجلاء سيلا طبيًا من قطاع غزة لإجراء العملية الجراحية اللازمة، وسط القيود المفروضة على حركة المرضى والجرحى وخروجهم للعلاج في الخارج.

وتناشد نور الجهات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية والمؤسسات المعنية بإجلاء المرضى، التدخل العاجل لإنقاذ ابنتها قبل أن تتفاقم حالتها.

وتقول: "طفلة عمرها ست سنوات تحمل كل هذا الألم، بينما العالم يشاهدها. هي لم تعد قادرة على الانتظار".

وبين الألم وانتظار السفر، تواصل سيلا أيامها في مخيم المغازي، معلقة بين ذكريات طفولة توقفت فجأة وحلم بسيط لا يزال يراودها: أن تقف مجددًا على قدميها وتعود للعب مع صديقاتها.

وتعاني منظومة التحويلات الطبية من قطاع غزة قيودًا حادة منذ بدء حرب الإبادة الجماعة على قطاع غزة، في ظل تدمير واسع للقطاع الصحي ونقص الخدمات التخصصية والأدوية والمعدات، ما جعل آلاف المرضى والجرحى بحاجة إلى العلاج خارج القطاع.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، كان أكثر من 18 ألفًا و500 مريض وجريح في غزة بحاجة عاجلة إلى تحويلات طبية لتلقي علاجات غير متوفرة داخل القطاع، بينهم آلاف الأطفال، في وقت لا تتم فيه عمليات الإجلاء الطبي إلا بأعداد محدودة وعبر ترتيبات معقدة تشمل موافقة دولة مستقبلة والحصول على التصاريح اللازمة للخروج.

ورغم استئناف عمليات إجلاء محدودة خلال 2026، ظلت أعداد المغادرين للعلاج متواضعة مقارنة بحجم الاحتياج؛ إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بإجلاء 81 مريضًا فقط خلال أسبوع واحد في يوليو/تموز، بينما بقي آلاف المرضى في انتظار فرصة للعلاج خارج غزة.