بين جدران متصدعة وأجهزة رياضية متهالكة نجا جزء منها من القصف ، يحاول شبان فلسطينيون في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة استعادة جزء من حياتهم الطبيعية، من خلال ممارسة الرياضة داخل نادٍ تضررت منشآته خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة، لكنه عاد لفتح أبوابه رغم الدمار وصعوبة الظروف المحيطة به.

يقع النادي الرياضي شرقي مخيم جباليا للاجئين، على مسافة تقل عن 200 متر، من المنطقة التي يطلق عليها الاحتلال اسم "الخط الأصفر"، ما يجعل الوصول إليه والتدرب داخله محفوفًا بالمخاطر، إلا أن عشرات الشبان يواصلون ارتياده باعتباره المتنفس الرياضي الوحيد المتبقي في المنطقة.

ويمارس شبان ألعاب القوى وتمارين اللياقة البدنية داخل النادي، وسط آثار الدمار التي لا تزال واضحة في المكان. بعض الأجهزة أعيد إصلاحها بصورة بدائية، وأجزاء من المنشأة ما تزال تحمل آثار القصف، لكن أصوات المتدربين وحركتهم أعادت إلى المكان جزءًا من الحياة.

"الرياضة هي الحياة"

بالنسبة إلى أحمد عطا الله، فإن الحضور اليومي إلى النادي يتجاوز فكرة ممارسة الرياضة أو بناء العضلات. فهو يجد فيه مساحة للهروب، ولو لساعات قليلة، من الضغوط النفسية والمعيشية التي فرضتها حرب الإبادة الجماعية.

يقول أحمد إنه يأتي إلى النادي يوميًا للتخفيف من المعاناة التي يعيشها، مضيفًا أن الرياضة باتت بالنسبة إليه وسيلة للاستمرار ومواجهة الظروف القاسية.

ويتذكر الشاب اللحظة التي عاد فيها إلى المنطقة بعد انساب آليات الجيش بعد توقيع اتفاق وقف اطلاق النار وشاهد حجم الدمار الذي لحق بالنادي، قائلاً إن المكان كان مليئًا بالركام، وإنه اعتقد في البداية أن إعادة افتتاحه ستكون مستحيلة.

لكن أصحاب النادي والشبان عملوا على تنظيفه وإصلاح ما أمكن إصلاحه من الأجهزة والمرافق، قبل أن تعود التدريبات تدريجيًا.

ويضيف أحمد: "الرياضة تعني لنا كل شيء، الرياضة هي الحياة"، مؤكدًا أن عودة النادي للعمل أعادت إليهم مساحة افتقدوها طوال فترة حرب الإبادة والنزوح والدمار.

ملاذ من الوحدة والحرب

أما محمد عطا الله، البالغ من العمر 18 عامًا، فيحمل قصة مختلفة تختلط فيها آثار حرب الإبادة بمستقبل دراسي لا يزال معلقًا.

أنهى محمد دراسته الثانوية وحصل على منحة دراسية في مصر، لكن إغلاق المعبر وعدم قدرته على السفر حالا دون التحاقه بالدراسة. وفي الوقت نفسه، يعيش وحيدًا في قطاع غزة بعد أن غادر أفراد عائلته إلى الخارج.

هذه الظروف، كما يقول، أدخلته في حالة نفسية صعبة، وجعلت النادي الرياضي المكان الذي يلجأ إليه عندما تشتد عليه مشاعر الوحدة والضغط.

ويقول محمد إن الذهاب إلى النادي وممارسة الرياضة يساعدانه على تحسين حالته النفسية والجسدية، موضحًا أنه لا يأتي إلى المكان من أجل بناء العضلات بقدر ما يبحث عن وسيلة للخروج من العزلة والتوتر.

ويضيف أن النادي هو الوحيد المتاح حاليًا لسكان المنطقة في مخيم جباليا، وأن البحث عن بديل يعني التوجه لمسافات بعيدة باتجاه مدينة غزة، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل الأوضاع القائمة.

وبالنسبة إلى محمد، أصبحت الرياضة جزءًا أساسيًا من حياته، يقول عنها: "هي جهدي ونفسيتي وكل شيء"، في تعبير يعكس الدور الذي باتت تلعبه الأنشطة الرياضية في مساعدة شبان غزة على التعامل مع الآثار النفسية للحرب.

عشرون عامًا تنجو من الدمار

ويقول عبد الله حميد، أحد القائمين على النادي، إن المكان افتُتح قبل نحو عشرين عامًا، وظل طوال هذه الفترة مصدرًا رياضيًا رئيسيًا لشبان مخيم جباليا، فضلًا عن كونه مصدر دخل لعائلته.

وخلال حرب الإبادة، تعرض النادي للقصف وأصيب بأضرار كبيرة، وتحطمت أجزاء من معداته وتجهيزاته.

ويضيف أن العودة إلى المكان بعد انسحاب الجيش كانت صعبة، إذ وجد القائمون عليه النادي مدمّر والأجهزة متهالكة ومتضررة، لكنهم قرروا تنظيفها ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه.

وبإمكانات محدودة، أعيد ترتيب المكان وتأهيل بعض الأجهزة، إلى أن أصبح النادي قادرًا على استقبال الشبان مجددًا.

ولا يخفي عبد الله صعوبة العمل في مكان قريب من ما يسمى "الخط الأصفر"، مشيرًا إلى أن الوصول إلى النادي يصاحبه الخوف والحذر، لكن ارتباط الشبان بالرياضة وإصرارهم على العودة شجعا القائمين عليه على مواصلة العمل.

وسط ركام مخيم جباليا، لا يبدو النادي مجرد مكان لممارسة التمارين. بالنسبة إلى مرتاديه، أصبح شاهدًا على محاولة استعادة الحياة من تحت الدمار ، يبحث شبان غزة عن مساحة صغيرة تمنحهم القدرة على مواصلة يومهم، والتخفيف من أثقال المعاناة التي ما تزال حاضرة في تفاصيل حياتهم.