بعد نحو ثلاثة أعوام من بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، فقد اللاجئون الفلسطينيون جزءاً كبيراً من شبكة الخدمات التي اعتادوا الحصول عليها من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وسط قيود تفرضها سلطات الاحتلال على عمل الوكالة وضغوط مالية وسياسية أمريكية متواصلة.

وتمثل "أونروا"، منذ عقود بالنسبة لمئات آلاف العائلات اللاجئة في غزة أكثر من مجرد جهة لتوزيع المساعدات، إذ وفرت التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والتشغيل المؤقت وتحسين المساكن، إلى جانب تدخلاتها في أوقات الطوارئ.

لكن الحرب والقيود المفروضة على الوكالة قلصتا قدرتها على تقديم جزء كبير من تلك الخدمات بالمستوى الذي عرفه اللاجئون قبل أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وتقول "أونروا" إن سلطات الاحتلال تمنعها منذ مارس/ آذار 2025 من إدخال موظفيها الدوليين ومساعداتها الإنسانية مباشرة إلى قطاع غزة، رغم وجود مواد غذائية وطحين ومستلزمات إيواء مخزنة خارج القطاع تكفي مئات آلاف الأشخاص. كما لم يحصل موظفوها الدوليون على تأشيرات أو تصاريح لدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها غزة، منذ نهاية يناير/ كانون الثاني 2025.

"أونروا كانت معنا طوال العمر"

في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، تعيش فيروز صلاح، وهي في مطلع السبعينيات، مع عدد من أبنائها المتزوجين في منزل صغير متهالك، وسط صعوبات كبيرة في ترميمه أو تحسين دخل الأسرة.

وتستعيد فيروز خمسة عقود من علاقتها بخدمات "أونروا"، وتقول إنها اعتادت منذ زواجها على الاستفادة من أشكال مختلفة من الدعم، تراوحت بين المساعدات الغذائية والنقدية، وفرص العمل المؤقت، وبرامج تحسين المسكن.

وخلال حرب الإبادة الجماعية، لم تقتصر خسارتها على المساعدات الإغاثية، إذ افتقدت أيضا الرعاية الصحية التي كانت تحصل عليها بصورة منتظمة في عيادة "أونروا" بمخيم الشاطئ، والتي تحولت خلال الحرب إلى مأوى للنازحين.

وتقول فيروز إن المؤسسات الإنسانية الأخرى لا تستطيع، من وجهة نظرها، أن تحل محل الوكالة، بسبب تعدد الخدمات التي كانت تقدمها وانتظامها واتساع قاعدة المستفيدين منها.

وتضيف: "لا يمكن لأي مؤسسة أن تقوم بدور "أونروا" في القطاع، لأنها لم تكن تقدم المساعدات فقط، بل التعليم والصحة والإغاثة وخدمات أخرى يحتاجها اللاجئون".

وتدعم بيانات الوكالة أهمية دورها الصحي؛ إذ قالت في يوليو/ تموز الماضي إنها ظلت خلال 2025 أكبر مقدم للرعاية الصحية الأولية في غزة، ونفذت نحو 40 بالمئة من إجمالي الاستشارات الصحية الأولية في القطاع، وقدمت نحو 4.5 ملايين استشارة طبية لنحو 1.7 مليون نازح خلال العام.

العلاج أصبح عبئا

ولا تختلف معاناة اللاجئ أيمن اسعيد، وهو في الخمسينيات ويعيش في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة.

ويقول اسعيد إن أسرته المكونة من سبعة أفراد كانت تعتمد قبل الحرب على مجموعة من الخدمات التي توفرها "أونروا"، بينها المساعدات الغذائية والإيوائية، والتعليم المجاني للأطفال، والرعاية الصحية وفرص التشغيل المؤقت.

أما اليوم، فيقول إنه بات مضطرا إلى دفع مبالغ كبيرة لتوفير العلاج والأدوية التي كان يحصل على جزء مهم منها عبر مرافق الوكالة.

ويضيف أن اللاجئين في غزة فقدوا خلال الحرب كثيرا من خصوصية منظومة الخدمات التي أنشئت أساسا لخدمتهم، مع تراجع قدرة "أونروا" على الوصول إليهم وتنفيذ برامجها المعتادة.

وبالنسبة لأدهم عبده، وهو لاجئ فلسطيني آخر في القطاع، فإن ما تقدمه المؤسسات الإنسانية الأخرى، رغم أهميته، لا يعوض نطاق الخدمات التي كانت توفرها "أونروا".

ويقول عبده إن الوكالة كانت تشكل ركناً أساسياً في حياة اللاجئين، ولا سيما في مجالات الإغاثة والتعليم والرعاية الصحية، معربا عن خشيته من أن تؤدي الضغوط الحالية إلى مزيد من تجفيف خدماتها وصولا إلى إقصائها عن القطاع.

قوانين تقيد عمل الوكالة

وتزامن التراجع في قدرة "أونروا" على العمل مع إجراءات اتخذتها سلطات الاحتلال ضدها.

ففي 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أقر كنيست الاحتلال قانونين يستهدفان عمل الوكالة؛ يحظر أحدهما نشاطها في المناطق التي تعدها سلطات الاحتلال خاضعة لسيادتها، بينما يمنع الآخر المسؤولين من التواصل مع الوكالة.

ودخل القانونان حيز التنفيذ في 30 يناير/ كانون الثاني 2025، وأجبرا "أونروا" على إخلاء مقرها في القدس الشرقية المحتلة، فيما اعتبرت الأمم المتحدة أن الإجراءات تقوض قدرة الوكالة على أداء ولايتها التي منحتها لها الجمعية العامة.

وسبق لمجلس الأمن الدولي أن أكد أن "أونروا" تمثل العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في غزة، وأنه لا توجد جهة تستطيع استبدال قدرتها وولايتها في تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين والمدنيين المحتاجين للمساعدات.

وتعتمد "أونروا" بصورة أساسية على المساهمات الطوعية للدول، ما يجعل فقدان كبار المانحين عاملا مباشرا في قدرتها على الحفاظ على مستوى خدماتها.

وفي يونيو/ حزيران 2026، قالت الوكالة إنها تواجه عجزاً في السيولة بقيمة 100 مليون دولار في ميزانيتها الأساسية، وإنها اضطرت منذ مطلع العام إلى خفض ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20 بالمئة، بالتوازي مع خفض مماثل في رواتب غالبية موظفيها الفلسطينيين.

محاولة لإبعادها عن مستقبل غزة

ولا تقتصر المخاوف على تقليص الخدمات الحالية، بل تمتد إلى مستقبل وجود الوكالة في غزة.

ففي الأول من يوليو/ تموز الماضي، أعلن ما يسمى "مجلس السلام" الذي يرأسه ترامب والمكلف بالإشراف على ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع، أنه لا يرى مكانا لـ"أونروا" فيما سماه "غزة الجديدة"، في موقف أثار رفضاً فلسطينياً وعربياً وتحذيرات من محاولة إنهاء دور الوكالة.