على بعد أمتار من منزله في مخيم العروب شمالي مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، يعرف الفلسطيني عبد الحميد البدوي أنّ موعد خروجه إلى العمل لم يعد تحدده المسافة التي تفصله عن وجهته، بل البوابات الحديدية والحواجز "الإسرائيلية" المحيطة بالمخيم.

فالطريق التي كان يقطعها خلال نحو 15 دقيقة، باتت تجبره على مغادرة منزله قبل ساعة على الأقل، بعدما أغلقت قوات الاحتلال مداخل رئيسية للمخيم، ما دفع السكان إلى سلوك طرق التفافية طويلة للوصول إلى أعمالهم ومستشفياتهم والبلدات المحيطة.

ويقول سكان المخيم إنّ نحو أربع بوابات "إسرائيلية" تُحاصر مداخله ومحيطه، وإن بعضها ظل مغلقاً بصورة شبه دائمة منذ أكثر من عام، الأمر الذي أدى إلى تغيير مسارات الحركة اليومية ورفع كلفة التنقل واستنزاف وقت المواطنين.

وقال البدوي، وهو من سكان المخيم، إن الإغلاقات غيرت بصورة كاملة تفاصيل تنقله اليومي.

وأضاف: "كنت أخرج إلى عملي قبل الموعد بربع ساعة، أما اليوم فأضطر إلى الخروج قبل ساعة حتى أصل في الوقت المحدد".

وأوضح أن الطريق المباشرة التي اعتاد السكان استخدامها لم تعد متاحة في كثير من الأحيان، ما يضطرهم إلى الالتفاف عبر طرق وبلدات بعيدة لتجاوز البوابات والحواجز.

طرق أطول

ولا تقتصر المعاناة، بحسب سكان المخيم، على الوصول إلى أماكن العمل، إذ تشمل المرضى وطلبة الجامعات والأسر التي تحتاج إلى الوصول إلى مدينة الخليل أو البلدات المجاورة.

ويشير البدوي إلى أن رحلة كانت تستغرق نحو ربع ساعة باتت، في بعض الحالات، تتطلب المرور عبر عدة مناطق قبل الوصول إلى مدينة الخليل.

وقال إن السكان قد يضطرون، وفقا للطريق المتاحة، إلى الالتفاف باتجاه بيت أمر ووادي الشيخ ثم صوريف وخراس قبل الوصول إلى وجهتهم.

وتابع: "اليوم لا يوجد مشوار بسيط، أي مكان تريد الوصول إليه عليك أولا أن تعرف أي الطرق مفتوحة وأين توجد الحواجز".

وبحسب البدوي، فإن وجود بوابة مفتوحة لا يعني بالضرورة سهولة المرور، إذ تنصب القوات "الإسرائيلية" أحياناً حاجزاً عسكرياً عند البوابة نفسها، ما يؤدي إلى انتظار المركبات وإخضاع ركابها للتفتيش.

"خمس دقائق أصبحت ساعة"

بالنسبة إلى الشاب حمزة جوابر (23 عاما)، فإن أثر الإغلاق يظهر بوضوح في الوقت الذي يحتاجه للخروج من المخيم أو العودة إليه.

وقال جوابر إن طريقاً كان يقطعه خلال خمس دقائق فقط أصبحت تستغرق منه أحيانا نحو ساعة.

وأضاف: "الطريق لم تعد كما كانت، هناك بوابات وحواجز وتفتيش، وقد تضطر إلى الالتفاف لمسافة طويلة حتى تصل إلى المكان الذي تريده".

وأوضح أن سكان المخيم يواجهون صعوبة أكبر عندما يتعلق الأمر بحالة طارئة أو موعد طبي لا يحتمل التأخير.

وقال إن المواطن قد يغادر منزله متوقعا المرور من أحد المداخل، قبل أن يفاجأ بوجود بوابة مغلقة أو حاجز عسكري، ما يجبره على العودة والبحث عن طريق بديلة.

وأضاف: "حتى عندما تفتح البوابة، يمكن أن يقيموا حاجزا عليها، فتعود المشكلة من جديد".

السير على الأقدام

ويقول أحد سكان المخيم إن الإغلاق المستمر للبوابات أجبر بعض المواطنين على مغادرة المخيم سيرا على الأقدام، وتجاوز المداخل المغلقة قبل البحث عن وسيلة نقل في الجهة الأخرى.

وأضاف أن الوضع يزداد صعوبة بالنسبة إلى الشبان والفتيات الذين قد يخضعون للتفتيش أثناء خروجهم أو عودتهم، فضلا عن مرور مستوطنين على الطرق القريبة من المخيم.

ووصف الإغلاقات بأنها "عقاب جماعي"، متسائلا عن سبب استمرار إغلاق مداخل العروب لفترات طويلة مقارنة ببعض المناطق الأخرى التي تفتح بواباتها في أوقات محددة.

وقال: "في بعض البلدات تفتح البوابات ساعات ثم تغلق، أما في العروب فنحن نتحدث عن إغلاق مستمر منذ فترة طويلة، والسكان هم الذين يدفعون الثمن يوميا".

المستشفى ليس قريبا كما كان

وتبرز صعوبة أكبر عندما يحتاج أحد السكان إلى الوصول إلى مستشفى أو مركز طبي في مدينة الخليل.

فالمسافة الجغرافية لم تتغير، لكن الطريق الفعلية إليها باتت أطول نتيجة الإغلاقات.

ويقول الأهالي إن أي موعد طبي بات يتطلب الخروج قبل وقت طويل، تحسبا لإغلاق طريق أو نصب حاجز مفاجئ.

ولا يتعلق الأمر بالوقت وحده، إذ تؤدي الطرق الالتفافية إلى زيادة تكاليف الوقود والمواصلات، خصوصا بالنسبة إلى من يضطر إلى التنقل يوميا للعمل أو الدراسة.

كما أن التأخير عند الحواجز يجعل الوصول إلى الوجهة في وقت محدد أمرا غير مضمون، وهو ما يدفع العمال والموظفين إلى مغادرة منازلهم قبل مواعيدهم بوقت طويل.

الزيارات العائلية تتراجع

ولم تتوقف آثار الإغلاق عند سكان العروب، بل طالت أقاربهم القادمين من مناطق أخرى في محافظة الخليل.

وقال البدوي إن أقارب لعائلته يسكنون في الخليل وترقوميا باتوا يضطرون إلى الوصول قبل موعد الزيارة بوقت طويل وترك سياراتهم في مناطق قريبة من الطريق الرئيسي، ثم إكمال طريقهم إلى المخيم سيرا.

وأضاف أن ترك المركبات قرب الشارع الرئيسي يثير مخاوف أصحابها، خصوصا مع مرور المستوطنين وانتشار قوات الاحتلال في المنطقة.

وتسببت تلك الظروف، وفق السكان، في الحد من الزيارات الاجتماعية غير الضرورية، إذ أصبح البعض يتجنب القدوم إلى المخيم أو مغادرته إلا عند الحاجة.

حياة مرتبطة بالبوابة

ويقع مخيم العروب بمحاذاة طريق رئيسي يصل شمال الخليل بمناطق أخرى في الضفة الغربية، ما يجعل مداخله ذات أهمية كبيرة لحركة السكان.

غير أن البوابات والإغلاقات "الإسرائيلية" حولت تلك المداخل، بحسب الأهالي، إلى نقاط تتحكم في إيقاع الحياة اليومية.

فالعامل يحدد موعد خروجه وفقا للطريق المفتوحة، والمريض يحسب الوقت الإضافي قبل موعد المستشفى، والطالب يضع احتمال التأخير عند الحاجز، فيما يفكر الزائر في المكان الذي سيترك فيه سيارته قبل دخول المخيم.

ويقول السكان إن أكثر ما يثقل عليهم هو غياب اليقين بشأن حركة الطرق، إذ يمكن أن تتغير ظروف التنقل خلال ساعات، مع إغلاق مدخل أو نصب حاجز جديد.

وبينما كانت المسافة في السابق تحدد الزمن اللازم للوصول، أصبحت البوابات والحواجز هي العامل الحاسم.

وبالنسبة إلى حمزة جوابر وعبد الحميد البدوي وغيرهما من سكان العروب، لم تعد المسألة مجرد تأخير عابر، بل واقع يومي أعاد تنظيم حياتهم بالكامل.

فالخروج للعمل يحتاج إلى ساعة إضافية، والوصول إلى الخليل يتطلب طرقا أطول، والزيارة العائلية تحتاج إلى ترتيبات مسبقة، بينما تظل الحالات الطارئة أكبر مصادر القلق.

وفي ظل استمرار إغلاق المداخل، يقول سكان العروب إن مطلبهم الأساسي لا يتجاوز إعادة فتح الطرق التي اعتادوا استخدامها، وإنهاء واقع يجعل رحلة لا تستغرق سوى دقائق تمتد في بعض الأيام إلى ساعة أو أكثر.