دير القديس هلاريون في مخيم النصيرات.. معلم أثري عالمي يواجه الإبادة والاندثار
في قلب مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة، يقف دير القديس هلاريون شاهداً أثرياً نادراً على عمق التاريخ الفلسطيني، وسط واقع إنساني وميداني كارثي فرضته حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل التي يتعرض لها القطاع.
تحديات ميدانية تهدد الموقع
ويُعد الدير، واحداً من أقدم وأهم المواقع الأثرية في الشرق الأوسط، إذ يعود تأسيسه إلى القرن الرابع الميلادي، ويُصنّف من أوائل المراكز الرهبانية في المنطقة، بما يحمله من قيمة دينية وحضارية وتاريخية كبيرة.
وتزداد أهمية الموقع كونه قائمًا داخل مخيم النصيرات للاجئين، حيث تختلط الذاكرة التاريخية العميقة بالمأساة الفلسطينية الممتدة، من اللجوء والنكبة إلى الإبادة الراهنة التي طالت الإنسان والحجر والمعالم الثقافية والأثرية في غزة.
وشكّل دير القديس هلاريون عبر التاريخ نقطة التقاء للحياة الدينية والتبادل الثقافي بين قارتي آسيا وأفريقيا، كما يعكس مرحلة مبكرة من تطور الحياة الرهبانية المسيحية في فلسطين والمنطقة.
وفي عام 2024، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" الدير على قائمة التراث العالمي، وكذلك على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، في خطوة تعكس حجم التهديد الذي يواجهه الموقع في ظل القصف "الإسرائيلي" المتواصل وتداعيات حرب الإبادة على قطاع غزة.
ويواجه الدير اليوم أخطاراً متزايدة، لا تقتصر على آثار الابادة والتدمير المحيط بالمخيم، بل تمتد إلى غياب أعمال الصيانة الدورية، وانتشار الحشائش والنباتات داخل الموقع، ما يهدد بنيته الأثرية بالتآكل والتفكك.
جهود محلية محدودة ومطالب بدعم دولي
وأوضح مشرف الموقع الأثري، كريم حسين عبد الجواد، أن ترك الدير دون رعاية مستمرة أدى إلى نمو النباتات بين الحجارة الأثرية، خاصة الحجارة السوداء الهشة، الأمر الذي يشكل خطراً مباشراً على تماسكها.
وأضاف أن جذور النباتات تمتد تحت الأحجار وتؤثر على بنيتها من الجهتين اليمنى واليسرى، ما يزيد احتمالات انهيار أجزاء من الموقع تدريجياً، مؤكداً أن الأضرار التي تبدو غير مباشرة تمثل تهديداً حقيقًاً لبقاء هذا المعلم التاريخي.
ورغم محدودية الإمكانيات في ظل حرب الإبادة والحصار ونقص الأدوات والخبرات، تواصل الطواقم المحلية محاولاتها للحفاظ على الموقع، باعتباره جزءاً من الذاكرة الوطنية والحضارية للشعب الفلسطيني.
وقال عبد الجواد: "نحاول قدر المستطاع أن نحافظ على هذا المكان، وأن نظهر للعالم أنه أرض أجدادنا وآبائنا، فمن ليس له ماضٍ، ليس له حاضر".
وأكد أن إدراج الدير على قائمة التراث العالمي من قبل اليونسكو خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لحماية الموقع، ما لم تترافق مع تدخل عملي ودعم مباشر يحول دون اندثاره.
وأشار إلى أن الموقع شهد في عام 2023 أعمال تنظيف وصيانة بمشاركة خبير أجنبي فرنسي، إلا أن توقف هذه الجهود أدى إلى تدهور الوضع مجدداً، في ظل الحاجة الملحة إلى خبرات فنية متخصصة.
حاجة ملحة لخبرات فنية متخصصة
وطالب عبد الجواد بعودة الخبراء الدوليين والطواقم الفنية للعمل داخل الموقع بصورة مستدامة، مؤكداً أن حماية دير القديس هلاريون تتطلب خطة ترميم وصيانة مستمرة، لا تدخلات مؤقتة أو موسمية.
ويجسد دير القديس هلاريون في مخيم النصيرات صورة مكثفة لما يواجهه قطاع غزة اليوم، فإلى جانب استهداف البشر ومقومات الحياة، يتهدد الخطر الذاكرة التاريخية والمعالم الأثرية التي تؤكد عمق الوجود الفلسطيني في هذه الأرض.









غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات