مرّ عيد الأضحى هذا العام على الفلسطينيين في قطاع غزة ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين جنوبي لبنان، وهم يفتشون عن المعنى نفسه في مكانين متباعدين، وعن نجاة واحدة تحت سماء لا تنهمر منها إلا قذائف الاحتلال.

ففي قطاع غزة، جاء عيد الأضحى على خيام أرهقها الحصار والجوع والانتظار، وعلى بيوت لم تعد بيوتًا، وأسواق ارتفعت أسعارها إلى مستويات أثقلت كاهل العائلات. وفي جنوبي لبنان، وصل العيد إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين مثقلًا بإنذارات الإخلاء وأصوات الطائرات، وخوف العائلات من أن تتحول المناسبة إلى موجة نزوح جديدة.

في غزة، لم يبدأ صباح العيد كما كان يبدأ قبل حرب الإبادة؛ لا ملابس جديدة لكثير من الأطفال، ولا موائد تتسع للعائلة، ولا حركة طبيعية في الأسواق. هناك، تصحو العائلات على أسئلة الحياة الأساسية: هل بقيت الخيمة قائمة؟ وهل وصل الماء؟ وهل دخل الغاز؟ وهل الطريق إلى المستشفى آمن؟

تحول العيد، الذي كان مناسبة للفرح الجماعي، إلى مناسبة لعدّ الغائبين، وتفقد الجرحى، والبحث عن أقرب نقطة لتوزيع الطعام أو أقرب عيادة، في ظل أوضاع إنسانية قاسية فرضتها حرب الإبادة والحصار المتواصل.

وخلال الأيام الماضية، تصاعدت اعتداءات قوات الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة، إذ استهدفت الطائرات والمسيّرات منازل وخيام نازحين ومركبات وتجمعات للمواطنين وأسواقًا، ما أسفر، وفق حصيلة أولية، عن ارتقاء 35 شهيدًا وإصابة أكثر من 140 آخرين، منذ فجر الأربعاء وحتى ساعة متأخرة من الليلة الماضية.

أما في جنوبي لبنان، حيث تعيش مخيمات فلسطينية على امتداد ذاكرة اللجوء الأولى، فقد جاء العيد مصحوبًا بإحساس قديم يتجدد: أن البيت المؤقت قد لا يكون آمنًا، وأن المخيم الذي حمل ذاكرة فلسطين لعقود يمكن أن يتحول، في لحظة، إلى مساحة للخوف والنزوح.

في مخيمات البص والرشيدية وبرج الشمالي في منطقة صور، لم يعد السؤال مرتبطًا بزيارة الأقارب أو ذبح الأضاحي وحدهما، بل بالطريق الأقل خطرًا باتجاه الشمال، وبمركز الإيواء القادر على استقبال عائلة جديدة.

وجعل التصعيد في الجنوب اللبناني العيد معلقًا بين البقاء والرحيل، بعدما أعلنت قوات الاحتلال مناطق واسعة جنوبي نهر الزهراني "منطقة قتال"، ودعت السكان إلى النزوح شمالًا. كما شملت إنذارات الإخلاء مدينة صور ومحيطها، بما في ذلك مخيما البص والرشيدية، ما ضاعف شعور اللاجئين الفلسطينيين بأن الخطر لا يلاحق الجغرافيا اللبنانية وحدها، بل يطاردهم بوصفهم فلسطينيين أيضًا.

وفي مخيم البص، تحول الخوف إلى نزوح جماعي بعد غارة وقعت مساء الأربعاء 27 أيار/مايو 2026، وأسفرت عن استشهاد ثلاثة أشخاص وإصابة أكثر من ثلاثين آخرين، ودفعت نحو 300 عائلة إلى مغادرة المخيم، توجه معظمها إلى مركز الإيواء في سبلين.

كما تضررت عشرات المنازل وشبكات المياه والخزانات وأنظمة الطاقة الشمسية، فيما أُغلقت مدارس "أونروا" في منطقة صور بعد تصنيفها ضمن مناطق الحرب.

وما يربط غزة بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان في هذا العيد ليس الخبر السياسي وحده، بل تفاصيل الحياة الصغيرة. طفل في غزة يسأل عن حذاء العيد تحت خيمة، وطفل في مخيم الرشيدية يسأل لماذا يجب أن ينام الليلة في مركز إيواء. وامرأة في مخيم البريج تجمع أوراقًا ثبوتية وصورًا عائلية قبل أن تنزح مجددًا، وأخرى في مخيم البص تفعل الشيء نفسه، كأن النكبة تعلم أبناءها الوصية ذاتها: احمل ما يثبت أنك كنت هنا.

ومع ذلك، يصر الناس في قطاع غزة على قول "كل عام وأنتم بخير"، ولو خرجت العبارة من بين الدموع. وفي مخيمات الجنوب، يحاول من بقي أن يتفقد من نزح، وأن يفتح بيتًا لمن وصل، وأن يحافظ على خيط التضامن بين العائلات.

فالفرح هنا لا يأتي كاملًا، لكنه يظهر في أبسط صوره: يد تسند مسنًا، وشاب يوزع الماء، وأم تخبئ قطعة حلوى لطفلها كي لا يشعر أن العيد مرّ بلا أثر.

هكذا عاش الفلسطينيون عيد الأضحى في أكثر من ساحة للاستهداف: في غزة تحت حرب الإبادة والحصار، وفي مخيمات لبنان تحت التصعيد والغارات وإنذارات الإخلاء والنزوح.

عيد واحد، لكن الألم متعدد، والخوف يتكلم بلهجات المخيمات كلها. وبين البحر في غزة والبحر في صور، يقف الفلسطيني مرة أخرى أمام السؤال نفسه: متى يصبح العيد وعدًا بالحياة، لا استراحة قصيرة بين قصفين؟