تكشف شهادات نادرة أدلى بها جنود احتياط في جيش الاحتلال عن ممارسات ميدانية صادمة في قطاع غزة، تعكس استمرار القتل الممنهج رغم إعلان وقف إطلاق النار. ووفق إحدى الشهادات، تحوّل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" إلى منطقة قتل مفتوحة، بعدما صدرت تعليمات بإطلاق النار على أي فلسطيني يقترب منه، في مشهد وصفه أحد الجنود بأنه “ضرب من المزاح” باسم الهدنة.

وتروي شهادة أخرى لجندي في العشرينيات من عمره واقعة مروعة، قال فيها إن جنوداً احتفلوا بعد استهداف مركبة تقل فلسطينيين قرب منطقة سيطرة جيش الاحتلال، ما أدى إلى مقتل جميع ركابها. وبحسب الجندي، لم تكن الحادثة استثناءً، بل باتت جزءاً من واقع ميداني تحكمه الفوضى والإفلات من المحاسبة منذ بدء التهدئة الهشة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ووردت الشهادات في تقرير لوكالة "أسوشييتد برس" الأميركية، استند إلى إفادات ثلاثة جنود احتياط شاركوا في عمليات عسكرية داخل قطاع غزة بين تشرين الأول/ أكتوبر 2025 وكانون الثاني/ يناير 2026، وطلبوا عدم الكشف عن أسمائهم، مؤكدين أن دافعهم للحديث هو شعورهم بالغضب والحزن إزاء ما شاهدوه من ممارسات ميدانية.

وبحسب الجنود، فإن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025 لم ينعكس فعلياً على الأرض، إذ استمرت قوات الاحتلال في التعامل مع المناطق القريبة من "الخط الأصفر" باعتبارها ساحات مفتوحة للقتل، وسط غياب واضح لقواعد اشتباك دقيقة أو علامات ميدانية يمكن للمدنيين تمييزها.

ووصف أحد الجنود ما يجري بأنه "أشبه بالغابة"، قائلاً إن التعليمات بعد إعلان وقف إطلاق النار كانت واضحة: "إذا عبر أي شخص هذا الخط، أطلقوا النار عليه مباشرة". وأضاف أن تسمية ما يحدث بوقف لإطلاق النار "ليست سوى مزحة"، في إشارة إلى حجم الخروقات الميدانية المتواصلة.

وتسلط الشهادات الضوء على حالة تخبط داخل صفوف قوات الاحتلال بشأن طبيعة "الخط الأصفر"، وهو شريط افتراضي انسحبت إليه قوات الاحتلال بموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ويفصل بين مناطق سيطرة الجيش والمناطق التي يفترض السماح للفلسطينيين بالوجود فيها.

ورغم أن الاتفاق نص على انسحابات لاحقة، أكد الجنود أن السلوك الميداني لقوات الاحتلال يشير إلى نية البقاء طويل الأمد داخل قطاع غزة، لا إلى التمهيد لانسحاب فعلي. وتحدثوا عن شعور عام داخل الوحدات العسكرية بأن كيان الاحتلال يسعى إلى تثبيت واقع ميداني جديد في القطاع.

وأفاد الجنود بأن القادة العسكريين كانوا يظهرون التزاماً علنياً باتفاق وقف إطلاق النار، بينما يعبرون في الجلسات المغلقة عن رغبتهم في استمرار الحرب على غزة، الأمر الذي انعكس على طبيعة التعليمات الميدانية واتساع هامش استخدام القوة القاتلة.

وتكشف الإفادات أن عمليات الاستهداف كانت تتم أحياناً بناءً على التخمين والحدس، لا على معلومات مؤكدة. وذكر أحد الجنود أن تحديد الإحداثيات لتنفيذ ضربات عبر الطائرات المسيّرة كان يستند في بعض الحالات إلى آخر مكان شوهد فيه الشخص المستهدف، دون التحقق من هويته أو معرفة ما إذا كان يشكل خطراً فعلياً.

من جهتها، أكدت منظمة "كسر الصمت" الحقوقية، التي توثق شهادات جنود من جيش الاحتلال، أن قواعد الاشتباك في غزة أصبحت فضفاضة للغاية، وتسمح بإطلاق النار بشكل مفرط، لا سيما ضد من يقتربون من "الخط الأصفر". ووثقت المنظمة تعليمات ميدانية تقضي بـ"تصفية" كل من يقترب من الخط "مهما كلف الثمن".

وتحدث أحد الجنود عن الأثر النفسي لما شاهده في غزة، قائلاً إن الرسالة التي تلقاها من قادته كانت أن "حياة الإنسان ليست لها أي قيمة". وأوضح أن قوات الاحتلال ألقت مسؤولية معرفة حدود "الخط الأصفر" على الفلسطينيين، رغم أن معالم الأرض تغيّرت بفعل الدمار الواسع، ووسط غياب علامات واضحة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة.

وبينما زعم جيش الاحتلال، في رده على الوكالة الأميركية، أن المنطقة المتاخمة للخط تضم لافتات تحذر من الاقتراب، وأن قواته لا تستهدف المدنيين لمجرد اقترابهم، تناقض شهادات الجنود هذه الرواية، إذ تؤكد أن القناصة والوحدات الميدانية تلقوا تعليمات أكثر تشدداً تحولت عملياً إلى ضوء أخضر لاستخدام الرصاص القاتل.

وتأتي هذه الشهادات في ظل ارتفاع حصيلة ضحايا خروقات قوات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار إلى 929 شهيداً و2811 مصاباً، وفق وزارة الصحة في غزة، فيما لا تزال حرب الإبادة الجماعية التي يشنها كيان الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تلقي بآثارها الكارثية على القطاع، بعد ارتقاء أكثر من 72 ألف شهيد وإصابة ما يزيد على 172 ألف فلسطيني، إلى جانب دمار واسع طال معظم البنية التحتية المدنية.

كما أظهرت بيانات صادرة عن "مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها" أن شهر نيسان/ أبريل الماضي كان الأكثر دموية في غزة هذا العام، مع ارتفاع عدد الشهداء قرب "الخط الأصفر" أو ممن عبروه بنسبة تجاوزت 25%، من 58 شهيداً في كانون الثاني/ يناير إلى 73 شهيداً في نيسان/ أبريل 2026.

وتضع هذه الشهادات المجتمع الدولي أمام اختبار جديد إزاء استمرار خروقات قوات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، وتحويل المناطق القريبة من "الخط الأصفر" إلى ساحات قتل مفتوحة، في وقت تؤكد فيه الوقائع الميدانية أن آلة الإبادة في غزة لم تتوقف، بل أعادت إنتاج نفسها تحت غطاء التهدئة.

ويأتي هذا التصعيد الميداني بالتزامن مع تصريحات رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، هذا الأسبوع، والتي أكد فيها أن "إسرائيل" تسيطر حاليًا على 60% من أراضي قطاع غزة، وأن الخطوة التالية تستهدف الانتقال للسيطرة على 70%، مما يعزز قناعة الجنود المستجوبين بأن القوات تتأهب لبقاء طويل الأمد في القطاع، وسط تعثر المساعي الدبلوماسية الأمريكية لإتمام الانسحاب وإعادة الإعمار؛ بسبب اشتراط نزع سلاح المقاومة الفلسطينة كعقدة رئيسية للحل.