شهد الأسبوع الماضي تصعيداً جديداً في عرض البحر، بعد أن اعترضت قوات الاحتلال البحرية نحو خمسين سفينة ضمن "أسطول الصمود" الدولي، الذي كان متجهاً لكسر الحصار عن قطاع غزة، وعلى متنه نحو 430 ناشطاً من أربعين دولة، قبل وصوله إلى وجهته الإنسانية المحمّلة بالمساعدات.

غير أن الحدث لم يتوقف عند حدود الاعتراض العسكري، بل تحوّل إلى فضيحة سياسية وإعلامية واسعة، عقب نشر وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال، إيتمار بن غفير، مقطعاً مصوراً من ميناء أشدود، ظهر فيه ناشطون معصوبو الأعين ومكبّلو الأيدي في مشاهد وُصفت بالمهينة، ما أثار موجة غضب واستنكار دولية.

وكشف المقطع، إلى جانب مشاهد أخرى متداولة، حجم السلوك الاستعراضي والمتطرف الذي يمارسه بن غفير، إذ ظهر وهو يرفع علم الاحتلال ويوجه حديثاً استفزازياً إلى جنود الاحتلال، في وقت كان فيه النشطاء يتعرضون للإذلال بعد مشاركتهم في مهمة إنسانية لكسر الحصار عن غزة.

كما وثقت مقاطع مصورة اعتداءات عنيفة على عدد من النشطاء والناشطات الأجنبيات، بينها دفع إحدى الناشطات لمجرد هتافها بالحرية لفلسطين، فيما تحدثت مصادر عبرية عن اتهامات بانتهاكات خطيرة رافقت احتجاز بعض المشاركين في الأسطول، الأمر الذي زاد من حدة الانتقادات الحقوقية والدبلوماسية لكيان الاحتلال.

وتكشف هذه الواقعة حماقة سياسية كبيرة ارتكبها بن غفير؛ فبدلاً من احتواء تداعيات اعتراض الأسطول، اختار تحويل الاعتقال إلى مشهد إذلال علني، ظناً منه أنه يحقق مكسباً داخلياً أمام جمهور اليمين المتطرف، لكنه في الواقع قدّم للعالم دليلاً جديداً على طبيعة العقلية التي تحكم سلوك كيان الاحتلال تجاه الفلسطينيين والمتضامنين معهم.

وكشفت تصرفات بن غفير حكومة الاحتلال أمام المجتمع الدولي، ودفعت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى محاولة التنصل من بعض المشاهد، والقول إنها لا تعكس سياسة الدولة، في محاولة لاحتواء الغضب الدبلوماسي الذي تصاعد في عدد من العواصم الأوروبية.

كما وُجهت انتقادات داخلية لبن غفير، من بينها انتقادات صدرت عن جهات في حكومة الاحتلال، اعتبرت أن تصرفاته ألحقت ضرراً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً بمصالح كيان الاحتلال الخارجية، خاصة بعد استدعاء عدد من الدول الأوروبية سفراء الاحتلال للاحتجاج على المعاملة المهينة التي تعرض لها مواطنوها من النشطاء.

وتجلت الخسارة السياسية سريعاً في مواقف أوروبية غاضبة، إذ طالبت كل من إسبانيا وإيطاليا الاتحاد الأوروبي ببحث فرض عقوبات على بن غفير، في خطوة تعكس حجم الاستياء من سلوكه وتطرفه، فيما امتدت الإدانات إلى أوساط سياسية وحقوقية كانت أكثر تحفظاً في السابق تجاه انتقاد كيان الاحتلال.

ويرى مراقبون أن بن غفير، بمنشور واحد، قوّض جهوداً دعائية ضخمة خصصها كيان الاحتلال لتحسين صورته الخارجية، وتقدر بنحو 730 مليون دولار، بعدما أعاد تسليط الضوء على ممارسات الاحتلال بصورة مباشرة لا تحتاج إلى كثير من الشرح أو التأويل.

فالمشهد الذي أراده بن غفير استعراضاً للقوة، تحول إلى شهادة إدانة سياسية وأخلاقية، كشفت أن خطاب اليمين المتطرف داخل كيان الاحتلال لم يعد يكتفي بممارسة القمع، بل يسعى إلى التفاخر به وتصديره على أنه إنجاز.

ورغم أن "أسطول الصمود" لم يتمكن من الوصول فعلياً إلى شواطئ غزة، فإنه حقق مكسباً سياسياً ومعنوياً واسعاً، بعدما أعاد قضية الإبادة الجماعية والحصار إلى واجهة النقاش الدولي، وفرض ملف معاناة الفلسطينيين في غزة على الصحف ووسائل الإعلام ومنصات القرار في أوروبا والعالم.

وتشير تداعيات الحادثة إلى أن تطرف بن غفير لم يعد عبئاً فلسطينياً فقط، بل بات عبئاً على صورة كيان الاحتلال نفسه، إذ تكشف حماقاته المتكررة طبيعة السياسات القائمة على الإذلال والقمع، وتمنح الرواية الفلسطينية زخماً إضافياً أمام الرأي العام العالمي.

وبذلك، تحولت محاولة بن غفير استعراض القوة إلى انتكاسة دعائية وسياسية، فضحت عنصرية خطابه، وعمّقت عزلة كيان الاحتلال، وأثبتت أن أكثر ما يضر صورته ليس خصومه، بل وزراؤه المتطرفون الذين يكشفون بأفعالهم ما تحاول حملات الدعاية إخفاءه.