يعيش الفلسطينيون المهجرون من سوريا إلى لبنان، وبعضهم مضى على تهجيره 14 عاماً، واقعاً بالغ التعقيد، تتداخل فيه آثار نكبتين متتاليتين، الأولى تهجير أجدادهم من فلسطين عام 1948، والثانية اضطرارهم لمغادرة سوريا خلال الحرب، ليجدوا أنفسهم اليوم عالقين بين بلد نزوح لا يمنحهم الحماية القانونية، وبلد لجوئهم الأول الذي باتت العودة إليه شبه مستحيلة بسبب الدمار مخيماتهم وفقدان كل مقومات حياتهم الاقتصادية هناك.

معاناة فلسطيني سوريا في لبنان امتداد لنكبة تاريخية متواصلة

ففي ظل غياب الإقامات القانونية في لبنان وافتقارهم لأي مرجعية حمائية واضحة، تتفاقم معاناة هذه الفئة التي تعيش حالة من انعدام الاستقرار القانوني والمعيشي، وسط مخاوف يومية من التوقيف أو الترحيل، وقيود مشددة على الحركة والعمل والحياة الطبيعية، وخصوصاً أنّه تسجّل في لبنان حالات ترحيل قسري ومفاجئ.

موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين، استطلع اوضاع هؤلاء اللاجئين على لسان عدد منهم يقيمون في مخيم الجليل في البقاع اللبناني، ويقول اللاجئ الفلسطيني السوري ماهر عسقول لموقعنا: إن معاناة الفلسطينيين في لبنان اليوم امتداد لنكبة تاريخية متواصلة، موضحاً: "لجأ أجدادنا من فلسطين إلى سوريا، ونحن اليوم نعيش النكبة الثانية وهي لجوؤنا من سوريا إلى لبنان".

ويضيف أن وضعه القانوني منتهي الإقامة، ولا يملك أي حماية قانونية، ما يجعله يعيش "خوفاً دائماً من الخروج إلى الشارع أو المرور عبر الحواجز الأمنية، خشية التوقيف أو الترحيل"، خاصة في ظل عجزه عن العودة إلى سوريا بسبب تدمّر منزله.

معظم فلسطينيي سوريا في لبنان بلا إقامات وفي حالة خوف دائم أثناء التنقل

أما اللاجئ محمد عبد الغني فيصف الحالة لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، بأنها "نكبة متواصلة عبر الأجيال"، مشيراً إلى أن العائلات الفلسطينية تنقلت من التهجير في فلسطين إلى اللجوء في سوريا، ثم إلى النزوح مجدداً نحو لبنان. ويؤكد أن جميع أفراد الجيل الحالي باتوا بلا إقامات قانونية، ويعيشون في حالة خوف دائم أثناء التنقل والعمل. ويشير إلى تراجع دور وكالة "أونروا" التي بات دعمها يقتصر على الطبابة والتعليم، في مقابل غياب شبه كامل للمساعدات الإغاثية، وضعف دور الجمعيات الإغاثية.

ومن زاوية قانونية، يوضح اللاجئ يوسف ضاهر لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن الفلسطيني السوري الذي أمّه ليست لبنانية ولا يمتلك رابطاً عائلي في لبنان، أو ليس لديه كفيلاً، يواجه صعوبات كبيرة في الحصول على إقامة، إلى جانب تعقيدات واسعة في المعاملات لدى الأمن العام اللبناني، ما يزيد من هشاشة وضعه القانوني.

وفي السياق ذاته، يسلّط الطالب مصطفى عبد الغني الضوء على الانعكاسات المباشرة لغياب الإقامة على التعليم والحياة اليومية، قائلاً: إنه اضطر لدفع رسوم لاستخراج "إخراج قيد" رغم الظروف الصعبة، وسط تهديدات بإمكانية فصل الطلاب الذين لا يملكون إقامة قانونية، ويشير إلى أن الظروف المادية القاسية لعائلته، المؤلفة من خمسة أفراد، تحول دون القدرة على تحمّل تكاليف الإقامات.

أما أبو حسام عبد الغني، فيروي لموقعنا، تجربته الممتدة منذ دخوله لبنان بشكل نظامي عام 2013، ثم عودته المؤقتة إلى سوريا خلال الحرب، قبل أن يعود مجدداً إلى لبنان حيث وجد نفسه بلا إقامة.

ويقول: إن الإقامات متوقفة عملياً، وإنه غير قادر على دفع المخالفات أو الغرامات، في ظل غياب أي مصدر دخل، مضيفاً أن المساعدات التي كانت تقدمها "أونروا" تراجعت من 200 دولار شهرياً إلى دفعات متباعدة لا تكفي لتغطية إيجار منزل واحد.

تقليص مساعدات أونروا يزيد من هشاشة الأوضاع المعيشية لفلسطينيي سوريا في لبنان

ويختصر اللاجئ أبو جودي واقع الحياة اليومية بقوله إن غياب الإقامة يعني غياب الحرية: "لا خروج ولا دخول، ولا قدرة على التنقل أو العمل، نعيش حالة انتظار دائم دون أي أفق واضح."

من جهته، يقدّم المختص بشؤون اللاجئين الفلسطينيين السوريين رأفت مقداد قراءة أشمل للوضع، مشيراً إلى أن عدد الفلسطينيين السوريين في لبنان كان يُقدّر بنحو 27 ألف لاجئ وفق إحصاءات "أونروا"، إلا أن هذا الرقم تراجع نتيجة عودة جزء منهم إلى سوريا. ويؤكد أن الفئة المتبقية تواجه عائقين أساسيين: غياب الإقامات وتراجع المساعدات الإغاثية، التي باتت تُصرف كل عدة أشهر وبقيمة لا تغطي الاحتياجات الأساسية.

ويضيف أن العديد من اللاجئين حاولوا العودة إلى سوريا، لكنهم اصطدموا بدمار منازلهم وعدم القدرة على إعادة إعمارها، فيما لم تقدم "أونروا" خطة واضحة لدعم العودة، على عكس بعض المؤسسات التي دعمت اللاجئين السوريين، كما يشير إلى أن محاولات متكررة لمعالجة ملف الإقامات مع الجهات المعنية، بينها "أونروا" ولجنة الحوار الفلسطيني اللبناني، لم تحقق تقدماً، بسبب عوائق مالية وقانونية.

شاهد/ي التقرير