نشرت منصة "سيريا شيفت" تقريراً من اعداد "صانع المحتوى" سليمان عبد المولى، واجه انتقادات حادة من صحفيين وناشطين وهيئات مدنية سورية وفلسطينية، لما يتضمنه من خطاب كراهية وتحريض وتمييز ضد الفلسطينيين في سوريا، وإعداده بطريقة لا تشبه سوى طرق صنّاع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين لا يأبهون لقواعد مهنية ولا سلوكيّة، حتّى هذا الأخير الذي يعرّف نفسه " صحفياً" مرّغ مدونة السلوك التي أقرتها وزارة الإعلام السورية بالوحل، علماً أن منصته ممولة من الوزارة اصلاً، ما أثار المزيد من الانتقادات والشكوك حول "مهنية صناعة الإعلام في سوريا الجديدة، والمسؤولين عنه".

التقرير الذي أعدّه عبد المولى جاء في سياق انتقاده للصحفي الفلسطيني السوري قصي عمامة، إلا أن الانتقادات سرعان ما تجاوزت الإطار المهني إلى تعميمات بالعنصرية، حيث استخدم توصيف "الفلسطيني" بنبرة انتقاصية، وأرفق خطابه بإيحاءات تنمرية ودعوات إقصائية، وصلت حد المطالبة بإخراج الفلسطينيين من سوريا بدعوى "عدم أحقيتهم في الحديث بالشأن السوري".

واستهلّ "صانع المحتوى" تقريره بإحالات تنمريّة وعنصرية، عبر استدعاء مشهد لشخص "قزم" جسدياً، يتبع لميلشيا "قسد"، ليوصل من خلال الإشارة لشكله، بعض الترميزات والإحالات اللغوية التنمرية ضد الصحفي الذي يهاجمه، في سلوك لا يمت للمهنية الصحفية بصلة، ولا حتّى للأخلاق التي يتعلمها المرء طفلاً من أمّه وأبيه، فضلاً عن تكراره كلمة " فلسطيني" في سياق "شتيمة" إن كان بنبرة الصوت التي قرأت التقرير، أو باللغة الواضحة حيناً والمتوارية حيناً آخر، للتعبير عن مستوى العنصرية وانعدام المهنية الصحفية.

هذا التحول من نقد مهني إلى خطاب جماعي إقصائي اعتبره متابعون خرقاً جوهرياً لأبجديات العمل الصحفي، وتوظيفاً للهوية كأداة للتحريض، وهو ما يتعارض مع المعايير الأخلاقية والقانونية الناظمة للإعلام.

انتهاك صريح لمدونة السلوك الإعلامي

وبالرجوع إلى مدونة السلوك التي أقرتها وزارة الإعلام السورية (التي تموّل المنصة المذكورة)، يظهر أن التقرير خالف عدة مواد أساسية، أبرزها: المادة الثالثة التي تنص على أن الالتزام بمعايير حقوق الإنسان في العمل الصحفي هو واجب أخلاقي ووطني، وليس مجرد التزام قانوني.

المادة الرابعة التي تحذر من خطاب الكراهية باعتباره أحد أخطر أشكال إساءة استخدام حرية التعبير، والمادة الأولى التي تؤكد على مسؤولية الإعلام في حماية السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، والمادة الثانية المتعلقة بالمسؤولية التحريرية عن المحتوى المنشور.

كما يتقاطع محتوى التقرير مع خروقات واضحة لما ورد في المادة 19 و20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة ما يتعلق بحظر التحريض على التمييز أو الكراهية أو العنف.

وتعرّف المدونة خطاب الكراهية بأشكال متعددة، من بينها التمييز، التحقير، الوسم الجماعي، نزع الإنسانية، والدعوة إلى الإقصاء، وهي جميعهاحاضرة بشكل مباشر أو ضمني في محتوى تقرير المنصة المذكورة وصانع المحتوى عبد المولى.

ردود فعل غاضبة: "إسفاف إعلامي" وتمويل من المال العام

الناشط السوري خالد أبو صلاح تساءل عن طبيعة الخط التحريري لمنصة "ترعاها وتمولها الحكومة"، وقال: "ما هذا الإسفاف من منصة تدفع رواتبها من جيوب السوريين؟ هل هذا هو الإعلام الحكومي أم اجتهاد من فريقها؟"

من جهتها، وصفت الإعلامية السورية رولا حيدر التقرير بأنه "معيب" و"يوحي بأنه من صنع ذباب إلكتروني"، مشددة على أن لغته "عنصرية ولا تليق بإعلام يوجه الرأي العام".

أما الكاتب إبراهيم الجبين فرفض الإساءة لأي شخص على أساس هويته، مؤكداً أن الفلسطينيين "سوريون أكثر صدقاً من بعض من يدّعون الوطنية"، في إشارة إلى خطورة استخدام الانتماء كأداة للتشهير.

ابراهيم الجبين --.png

الفلسطينيون في سوريا: شراكة في الدم والمصير

الردود لم تقتصر على الإدانة المهنية، بل شددت على البعد التاريخي والإنساني، حيث أكد ناشطون وهيئات أن الفلسطينيين في سوريا كانوا جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، وقدموا آلاف الضحايا خلال سنوات الثورة، بينهم أكثر من 6 آلاف شهيد ومفقود.

وأشاروا إلى أن مخيم اليرموك، الذي كان يُعرف بـ"عاصمة الشتات"، تعرض لدمار واسع بعد أن تحول إلى أحد أبرز معاقل الثورة، وأن دماء الفلسطينيين والسوريين اختلطت في مجازر مثل مجزرة التضامن، في مشهد يعكس وحدة المصير والدم.

وفي هذا السياق، اعتبر ناشطون أن محاولة "إخراج الدم الفلسطيني من السردية السورية" تمثل تشويهاً للتاريخ وخدمة لخطابات التفريق.

وأكدت تنسيقية مخيم اليرموك للثورة السورية في بيان لها أن اختزال تجربة مئات آلاف الفلسطينيين في نماذج فردية "طرح مجحف يفتقر إلى المهنية"، مشددة على ضرورة التمييز بين الأفراد والجماعات لتجنب تغذية الانقسام.

بدورها، أدانت شبكة فلسطينيو سوريا ما وصفته بـ"الانحدار في المعايير الإعلامية"، معتبرة أن ما نشر "لا يمت للعمل الصحفي بصلة"، ويقوض الثقة بالإعلام الوطني، داعية إلى تحرك عاجل لتصحيح المسار ومحاسبة المسؤولين.

فلسطينيو سورية  ---.jpeg


شكوى رسمية: مطالبة بالتحقيق والمحاسبة

في خطوة عملية، تقدم صحفيون فلسطينيون منهم سعد سليمان ومحمد صفية وسواهم، بشكوى رسمية إلى وزارة الإعلام السورية، اتهموا فيها المنصة بانتهاك مدونات السلوك، مشيرين إلى: استهداف فئة هشة (اللاجئون الفلسطينيون) بخطاب تمييزي، الإخلال بالسلم الأهلي، واستخدام الهوية في سياق تحريضي

وطالبت الشكوى بفتح تحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تكرار هذه المخالفات، علماً انها شكوى مفتوحة يمكن أن يتبناها أي مواطن فلسطييني سوري، وجاء فيها:

" أنا مواطن فلسطيني سوري.

أتقدم إليكم بهذه الشكوى الرسمية بحق منصة Syria Shift، على خلفية التقرير المنشور لديها والمتعلق بالصحفي قصي عمامة، والذي تضمّن—بحسب تقديري—مضمونًا وخطابًا ينطوي على تعميم وتمييز تجاه الفلسطينيين في سوريا، واستخدام الهوية الفلسطينية ضمن سياق يحمل دلالات انتقاصية أو تحريضية، بما يتعارض مع المبادئ الأساسية للعمل الإعلامي المهني.

وإذ أُثمن أي تقدم يُحرز في مجال حرية الصحافة والتعبير، فإن هذا التقدم لا يمكن أن يكون بمعزل عن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية التي تضمن عدم تحول المنصات الإعلامية إلى مساحة لإنتاج خطاب الكراهية أو التمييز أو التحريض ضد أي مكوّن اجتماعي.

وبالرجوع إلى مدونات السلوك الإعلامي واهمها المدونة الصادرة عن وزارتكم أرى أن المادة المنشورة تتضمن عددًا من المخالفات، من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

1. الإخلال بالمسؤولية المجتمعية للإعلام، وعدم مراعاة حماية السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، بما يتعارض مع المادة الأولى من مدونة السلوك الإعلامي.

2. استهداف فئة تُعد من الفئات الهشة حسب الامم التحدة، وهم اللاجئون الفلسطينيون في سوريا، من خلال خطاب يحمل طابعًا تعميميًا أو تمييزيًا، رغم أن حماية الفئات الهشة من الوصم أو التحريض تُعد من الالتزامات الأساسية للعمل الإعلامي المسؤول حسب المادة الثالثة من المدونة.

3. المسؤولية التحريرية عن المحتوى المنشور، إذ تقع على عاتق المنصة مسؤولية مراجعة وضبط المحتوى المنشور بما ينسجم مع القواعد المهنية والقانونية الناظمة للعمل الإعلامي، حسب المادة الثانية من ذات المدونة.

إن الفلسطيني السوري يعد جزءاً من النسيج الوطني السوري، وشارك السوريين مختلف محطاتهم السياسية والاجتماعية والإنسانية ومنه آلاف الشهداؤ والمفقودين، ولا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد أو استخدام الانتماء الوطني أو القومي كأداة للانتقاص أو التشهير.

وعليه، أرجو منكم النظر الجدي في هذه الشكوى، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق الأطر القانونية والمهنية المعتمدة، بما يضمن احترام المعايير الإعلامية ومنع تكرار مثل هذه المخالفات".

تاريخ "تكويعي" لصانع المحتوى المذكور

ناشطون فلسطينيون وسوريون رؤوا أن التقرير يتجاوز كونه "خطأ مهنياً" إلى محاولة خلق شرخ بين الشعبين، مؤكدين أن الخلاف مع صحفي أو موقف سياسي لا يبرر التعميم أو التحريض.

وأشار الناشط حمادة حميد، إلى تناقضات في مواقف عبد المولى، وكأنه من "المكوعين" الذين ظهروا مع تحرير سوريا وسقوط النظام السابق، وبدلوا مواقفهم، وقال حميد بعد أن نشر تقريراً قديماً لمولى قبل تحرير سوريا، يصف به كوادر هيئة تحرير الشام بـ " الشبيحة" و "جماعة الجولاني" قبل أن يبدل موقفه ويصير مؤيداً لهم، في موقف غير مبدأي وانتهازي.

وقال حميد : (سليمان عبد المولى، يبدو أنك ما بتفرق كتير عن "المكوعين" الفرق الوحيد إنك بتكوع بلكنة ثورية.بدك تعادي شخص مثل قصي عمامة لأنه "موجعك" بمواقفه أو كلامه؟ هذا شأنك الخاص. وبدك تدافع عن الحكومة الجديدة أو تهاجم اللي بينتقدها؟ كمان هذا حقك بالرأي. لكن أنك تعمم على "كل الفلسطينيين" وتستخدم كلمة "فلسطيني" وكأنها تهمة أو "فلتر" لإسكات الناس ما بتتذكر التركي اللبناني كيف كانوا يقولونا يا سوريه للتقليل من قيمة البني أدم الي واقف قبالهن؟ ولا هاي الاجواء ماعشتها ما بتتذكر صديقك قصي وقت كان الناشط الوحيد الي كان يغطي مشاكل السوريين بتركيا عامة ويسافر عليهم من محافظه لمحافظه ويعمل تقرير للاورينت كرمال شخص سوري قتل داخل الاراضي التركيه وكانت حياته معرضة لخطر الترحيل او السجن بأي وقت ما كنت تقول عنه يا فلسطيني ما شانك صح؟!)

هذا التقرير وهذه القضية التي أثارت الكثير من ردود الفعل السورية والفلسطينية، تكشف عن اختبار حقيقي لمدى التزام الإعلام السوري الجديد بالمعايير التي أعلنها، خاصة في ظل تمويل بعض المنصات من المال العام.

وبينما تبقى حرية التعبير حقاً أساسياً، فإن استخدامها كغطاء لخطاب الكراهية والتمييز يضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية، وفي انتظار رد رسمي من وزارة الإعلام، وسط دعوات لمحاسبة المنصة وإعادة ضبط الخطاب الإعلامي بما يحفظ كرامة جميع المكونات، ويعزز وحدة المجتمع بدلاً من تمزيقه.