بعد استشهادها… استعادة مسيرة المناضلة مها أبو خليل من أثينا إلى صور
شيّعت بلدة القليلة جنوب لبنان، يوم الأحد 20 نيسان/أبريل، جثمان المناضلة اللبنانية مها أبو خليل، بمشاركة واسعة من الأهالي والفعاليات الشعبية والسياسية، حيث أُلقيت كلمات استذكرت مسيرتها الطويلة، بوصفها واحدة من أوائل الفدائيات اللواتي انخرطن في العمل المقاوم، واستمر عطاؤهن حتى سنوات العمر المتقدمة.
وعرفت أبو خليل بمواظبتها على إرسال رسالة يومية إلى أصدقائها تبدأ بعبارة "صباح الصمود". ونقل موقع "العربي الجديد" عن مقربين منها أنها بعثت صباح يوم استشهادها مقولة لتشي غيفارا: "كل الأشياء تُباع وتُشترى بالعملة نفسها، إلا الوطن؛ يُباع بالخيانة ويُشترى بالدم"، في كلمات اعتُبرت خلاصة لموقفها ومسيرتها.

وفي السياق ذاته، روى أحد أقاربها للمصدر نفسه أنها أوصته قبل استشهادها قائلة: "إذا استشهدت، فوصيتي إليك أن تقوم بواجبي"، مضيفًا أنها، عندما طمأنها بأن الحرب انتهت، قالت: "الاحتلال غدّار".

وكانت الشهيدة قد ارتقت في غارة شنّها الاحتلال "الإسرائيلي" يوم الجمعة 17 نيسان/أبريل الجاري، قبيل وقف إطلاق النار، حيث انتشل جثمانها من تحت أنقاض المبنى الذي كانت تقطنه في مدينة صور جنوب لبنان، والذي دمر في استهداف وقع قبل دقائق من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ ليل الخميس–الجمعة، وأسفر عن تسوية أربعة مبانٍ سكنية بالأرض.
والراحلة، البالغة من العمر 80 عامًا، تنحدر من بلدة القليلة في قضاء صور، وعرفت بتاريخها النضالي المبكر ونشاطها الإنساني والاجتماعي، ما جعل رحيلها يشكّل خسارة كبيرة للجنوب اللبناني.
من العمل الفدائي إلى المسار الإنساني
ارتبطت مها أبو خليل مبكرًا بالعمل النضالي الداعم للقضية الفلسطينية، وانخرطت في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبرز اسمها عقب مشاركتها في محاولة خطف طائرة تابعة لشركة "العال" في مطار أثينا الدولي في كانون الأول/ديسمبر 1969، إلى جانب رفيقيها سامي عبود وعصام ضومط، بهدف الضغط لتحرير أسرى فلسطينيين وعرب من سجون الاحتلال.
لكن المحاولة لم تنجح، إذ اعتقل الثلاثة بعد اكتشاف الأسلحة بحوزتهم أثناء محاولتهم الصعود إلى الطائرة المتجهة إلى روما، ووجهت إليهم تهم بينها حيازة متفجرات، وخضعوا لمحاكمة في اليونان، ظهرت خلالها أبو خليل بثبات، وهي ترفع شارة النصر.
وأفرج عنهم عام 1970 ضمن صفقة تبادل أسرى بين الاحتلال "الإسرائيلي" والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وارتبطت خلال مسيرتها بعلاقة وثيقة مع قادة بارزين في الجبهة، من بينهم جورج حبش ووديع حداد، واستلهمت من تجربتهم روح الالتزام الثوري.

بين البندقية والقلم
لم تقتصر مسيرة أبو خليل على العمل المسلح، بل اتجهت لاحقًا إلى العمل الفكري والثقافي، إذ تابعت تحصيلها الأكاديمي بإصرار، ونالت درجة الدكتوراه في الإعلام من جامعات في براغ، وجمعت بين الفكر والمقاومة، وبين القلم والبندقية.
كما انخرطت في العمل الثقافي والاجتماعي والإعلامي، وبرز دورها في مؤسسات الإمام موسى الصدر، حيث تولّت مهام في العلاقات العامة والإعلام، وأسهمت في تطوير العمل المؤسسي، إلى جانب نشاطها في رابطة أصدقاء المؤسسات.
وعرفت بحضورها الدائم في الجنوب اللبناني، حيث بقيت صامدة خلال الحروب المتكررة، وشاركت أيضًا في حرب المخيمات خلال ثمانينيات القرن الماضي، مركّزة على العمل الإنساني وخدمة الناس.
"خاطفة الطائرات"
وتداولت منصات فلسطينية ولبنانية مقطع فيديو يظهر أبو خليل خلال محاكمتها في اليونان عام 1969، وهي تدخل قاعة المحكمة بثبات، وترفع شارة النصر، في مشهد تحوّل إلى رمز في الذاكرة النضالية.
كما ظهرت لاحقًا في مؤتمر صحفي بعد الإفراج عنها في الأردن عام 1970، حيث تحدثت بثقة عن أهداف العملية، مؤكدة أن الكفاح سيستمر حتى تحقيق الحقوق.
نعي واسع… ومسيرة مستمرة
نعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو خليل، ووصفتها بأنها "نموذج للمرأة المناضلة التي جمعت بين الفكر والالتزام الوطني والعمل الاجتماعي والتربوي"، مؤكدة أن استشهادها يشكّل خسارة كبيرة للمسيرة الوطنية.
كما نعتها مؤسسات الإمام موسى الصدر، مشيرة إلى أنها أفنت عمرها في خدمة العمل الإنساني والاجتماعي، وتركت بصمة عميقة في مختلف الميادين.
وأكدت كلمات التأبين أن استشهادها ليس حدثًا عابرًا، بل لحظة تختصر مسيرة جيل كامل من النضال، مشددين على أن إرثها سيبقى حاضرًا في الذاكرة الوطنية.
من أثينا إلى صور… شهادة في ختام المسيرة
بعد مسيرة طويلة في العمل النضالي والإنساني، ارتقت مها أبو خليل شهيدة في مدينتها صور، بعدما رفضت مغادرة منزلها رغم القصف، قبل أن يُنتشل جثمانها من تحت الأنقاض بعد يومين من استهداف المبنى الذي كانت تقطنه.
وبرحيلها، تُطوى صفحة من جيل الفدائيين الأوائل الذين ارتبطت مسيرتهم بأسماء بارزة مثل جورج حبش ووديع حداد وماهر اليماني، فيما تبقى تجربتها امتدادًا لمسار نضالي جمع بين الكفاح المسلح والعمل الفكري والإنساني، وانتهى بالشهادة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات