أحيا حشد من اللاجئين الفلسيطينيين في لبنان، الذكرى 44 لمجزرة صبرا وشاتيلا، التي ارتكبها اليمين اللبناني بدعم من جيش كيان الاحتلال " الإسرائيلي" عام 1982، بدعوة وتنظيم  مؤسسة العودة الفلسطينية ومنظمة "ثابت" لحق العودة، وذلك بوقفة شعبية عند النصب التذكاري لشهداء المجزرة في المقبرة الجماعية بالعاصمة اللبنانية بيروت، تحت عنوان "صبرا وشاتيلا.. جرح لا يندمل."

وجاءت الوقفة وفاءً لآلاف المدنيين الذين ارتقوا في واحدة من أبشع المجازر التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني، وتجديداً للتأكيد أن جرائم كيان الاحتلال، والمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين لا تسقط بالتقادم، وأن مرور الزمن لا يمحو آثارها أو يلغي حق الضحايا وعائلاتهم في العدالة ومحاسبة المسؤولين عنها.

وتخللت الفعالية كلمات باسم بلدية الغبيري، ألقاها الإعلامي الفلسطيني حمزة بشتاوي، ومدير مؤسسة العودة الفلسطينية ياسر علي، ومدير منظمة "ثابت" لحق العودة سامي حمود.

نتاث.jpeg

وشدد المتحدثون على ضرورة إبقاء مجزرة صبرا وشاتيلا حاضرة في الوعي والذاكرة الفلسطينية والعربية، وعدم التعامل معها بوصفها حدثاً من الماضي، وربطها بسلسلة الجرائم والمجازر "الإسرائيلية" المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.

وأكدت الكلمات أن استمرار إفلات مرتكبي المجزرة والمسؤولين عنها من المحاسبة أسهم في تكرار الجرائم بحق الفلسطينيين، مطالبة بمحاسبة قادة الاحتلال وجنوده وكل من شارك أو أسهم في تنفيذ المجزرة والتغطية عليها.

وتوقف المشاركون أمام أوجه التشابه بين ما جرى في صبرا وشاتيلا عام 1982 وما يتعرض له الفلسطينيون اليوم، مؤكدين أن تبدل المكان والزمان لا يغير طبيعة الجريمة، وأن دماء شهداء صبرا وشاتيلا وقطاع غزة وسائر فلسطين تجسد مأساة شعب واحد ومطلباً واحداً بالعدالة.

وشدد المتحدثون على أن الذاكرة الفلسطينية لن تُمحى، وأن صفحة المجازر لن تُطوى قبل تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبيها، معتبرين أن الوفاء للشهداء لا يقتصر على إحياء ذكراهم، بل يتطلب مواصلة الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في الحرية والعودة.

وفي ختام الوقفة، قرأ المشاركون سورة الفاتحة على أرواح الشهداء، ووضعوا إكليلاً من الورد على ضريحهم في المقبرة الجماعية.

ثث.jpeg

ثلاثة أيام من القتل و44 عاماً من غياب العدالة

وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا بين 16 و18 أيلول/سبتمبر 1982، في أعقاب الاجتياح  كيان الاحتلال للبنان وحصار بيروت، وبعد خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة اللبنانية بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة وضمانات دولية بعدم التعرض للمدنيين في المخيمات.

وبعد اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل في 14 أيلول/سبتمبر، سيطر جيش الاحتلال على بيروت الغربية وشدد حصاره على صبرا ومخيم شاتيلا، قبل أن يسمح بدخول مجموعات مسلحة من ميليشيا "الكتائب" و"جيش لبنان الجنوبي" بقيادة إيلي حبيقة إلى المنطقة.

وبدأت المجزرة مساء 16 أيلول/سبتمبر، فيما أطلقت قوات الاحتلال القنابل المضيئة فوق المنطقة لتسهيل تحرك القوات المقتحمة خلال الليل، وأقامت قيادة الاحتلال، وعلى رأسها وزير الحرب آنذاك أريئيل شارون، مركزاً للرصد والمتابعة على مسافة قريبة من المخيم.

واقتحم المسلحون المنازل وقتلوا المدنيين من دون تمييز، وطالت عمليات القتل النساء والأطفال وكبار السن، إلى جانب عمليات إعدام جماعي واغتصاب ونهب واختطاف، فيما كان معظم المقاتلين الفلسطينيين قد غادروا بيروت والمخيمات قبل وقوع المجزرة.

وفي صباح 17 أيلول/سبتمبر، اقتحم المسلحون مستشفى عكا، وقتلوا أطباء وممرضين ومرضى ومسنين، بينما اقتيد عدد من الرجال إلى جهات مجهولة أو إلى المدينة الرياضية، حيث عُثر لاحقاً على جثث 28 أسيراً كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم.

واستمرت عمليات القتل حتى 18 أيلول/سبتمبر، وأسفرت، وفق تقديرات، عن استشهاد نحو 3500 مدني من الفلسطينيين واللبنانيين وعرب من جنسيات أخرى، إلى جانب أعداد غير معروفة من المفقودين الذين لم يُكشف عن مصيرهم حتى اليوم.

وكشفت وثائق وشهادات نُشرت لاحقاً أن التنسيق بين قادة الاحتلال وميليشيا "الكتائب" سبق المجزرة، وأن دخول المسلحين إلى صبرا وشاتيلا جرى بقرار وتغطية "إسرائيليين"، خلافاً للمحاولات التي سعت إلى تصوير الجريمة باعتبارها اقتتالاً لبنانياً داخلياً.

وفي عام 2001، حاولت عائلات عدد من الضحايا ملاحقة شارون أمام القضاء البلجيكي استناداً إلى قانون محاكمة مجرمي الحرب، إلا أن القضية تعطلت بعد تعديل القانون البلجيكي عام 2003 تحت ضغوط أميركية و"إسرائيلية"، ليبقى مرتكبو المجزرة والمسؤولون عنها بعيداً عن المحاسبة.

وبعد 44 عاماً، لا تزال مقبرة الشهداء في بيروت، شاهدة على واحدة من أكثر صفحات التاريخ الفلسطيني واللبناني دموية، فيما يواصل الناجون وعائلات الضحايا مطالبتهم بكشف مصير المفقودين، وفتح ملفات الجريمة، ومحاسبة كل من خطط لها ونفذها ووفّر الغطاء السياسي والعسكري لمرتكبيها.