تواصل عائلتا عبد الكريم السعدي وبشير لوباني، في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمالي لبنان،  انتظار خبر يحسم مصير نجليهما، بعد فقدان أثرهما قبل نحو عامين في الجنوب، خلال مشاركتهما في القتال إلى جانب قوى المقاومة في مواجهة العدوان "الإسرائيلي" على لبنان.

ومنذ ذلك الحين، بقي مصير الشابين معلقاً بين احتمالين: أن يكونا قد ارتقيا شهيدين، أو أنهما ما زالا على قيد الحياة في الأسر. وبين الاحتمالين، تعيش العائلتان انتظاراً ثقيلاً، لا تطلبان في نهايته سوى معرفة الحقيقة.

داخل منزليهما، لا تزال التفاصيل الصغيرة تقاوم الغياب، أمّ تستعيد كلمات الوداع الأخيرة، وأخرى تحتفظ بصورة نجلها وتنام في سريره، فيما يكبر أبناء عبد الكريم وهم يحملون ملامح والدهم، وتبقى غرفته وصورته حاضرتين في يوميات العائلة.

أم وائل السعدي: شعرت بأن خروجه سيكون الأخير

وتستعيد أم وائل السعدي، والدة عبد الكريم، اللحظات الأخيرة التي سبقت مغادرة نجلها، وتتحدث عن شعور لازمها في ذلك اليوم بأن الوداع قد يكون الأخير.

العائلة 5.jpeg

وتقول السعدي في حديث لبوابة اللاجئين الفلسطينيين إن عبد الكريم أخبرها بأنه يريد الخروج، فردّت عليه: "يما، الله يسهّل عليك ويرضى عليك، بس أنا عرفت إنك ما رايح ترجع."

كان عبد الكريم، وفق والدته، مدركاً لما قد يواجهه، وأخبرها بأنه اختار طريقه، فيما حاولت أن تودّعه بالدعاء والرضا، قائلة له: "روح، الله يرضى عليك. إنت اخترتها، والله يسهّل عليك يما."

وبعد نحو عامين، لا تزال تلك الكلمات حاضرة في ذاكرة الأم، في انتظار خبر يضع حداً لحالة الغموض التي تحاصر العائلة. وتضيف: "مسلّمين أمرنا لله ولرب العالمين، والحمد لله. الله يتقبله إن كان شهيداً، ويفك أسره إن كان أسيراً."

عبد الكريم حمل فلسطين منذ طفولته

بالنسبة إلى هشام السعدي، لم يكن ارتباط شقيقه عبد الكريم بفلسطين وليد السنوات الأخيرة، بل رافقه منذ طفولته، إذ نشأ وهو يحمل وعياً عميقاً تجاه القضية، ويرى أن عليه السير في طريق يرتبط بالدفاع عنها.

ويقول هشام إن شقيقه ظل يحمل أمنية منذ صغره، مضيفاً: "إذا كان شهيداً، فالله يكون قد أعطاه ما تمناه وحقق له أمنيته التي حملها منذ طفولته."

لكن الاعتزاز بالطريق الذي اختاره عبد الكريم لا يبدد وجع الانتظار؛ فالعائلة لا تزال تجهل إن كان قد ارتقى شهيداً أو بقي على قيد الحياة في الأسر.

ويلخّص هشام مطلب العائلة بالقول: "إذا كان شهيداً نرفع رأسنا به، وإذا كان أسيراً فسيأتي يوم ونرفع رأسنا به أيضاً."

فغياب عبد الكريم، ترك أثراً عميقاً في والديه وإخوته وأبنائه، الذين يكبرون من دون معرفة مصير والدهم. ويقول هشام لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، إن الكلمات لا تستطيع اختصار وقع هذا الغياب، مشيراً إلى أن ابن عبد الكريم وابنته باتا يمثلان للعائلة امتداداً لحضوره؛ فعندما ينظرون إليهما يشعرون وكأن شقيقه ما زال أمامهم.

وفي ملامح الطفلين وتفاصيلهما، تستعيد العائلة صورة الأب الغائب، ويعود عبد الكريم إلى المنزل كل يوم، وإن ظل مصيره مجهولاً.

صورة بشير تختصر سنوات الانتظار

على الجانب الآخر من الحكاية، تعيش رشا شعبان، والدة بشير لوباني، غياب نجلها داخل منزل ما زالت أشياؤه وتفاصيله حاضرة فيه، حيث تحتفظ رشا بصورة لبشير التُقطت خلال الفترة الأخيرة التي سبقت مغادرته، وأصبحت الأقرب إلى قلبها، إذ تشعر كلما نظرت إليها بأنه ما زال جالساً إلى جانبها.

العائلتين1.jpeg

وتروي أن الصورة التُقطت له وهو يرتدي بدلة عسكرية كان شبان في المكتب يتناوبون على التقاط صور وهم يرتدونها. وقال لها حينها: "يما، اتصورت بالبدلة"، وعندما أخبرته بأنها تتمنى أن تراه مرتدياً إياها، أجابها: "لا يما، بس استشهد بتشوفيها."

وصلت الصورة إلى والدته خلال شهر رمضان، ومنذ ذلك الحين تحولت إلى واحدة من أكثر ذكرياته حضوراً في المنزل، وارتبطت في ذاكرتها بكلمات قالها قبل أن يغادر.

"هذا سريره".. وقبر رفيقه مساحة لاستحضاره

لم يقتصر حضور بشير على صورته؛ فغرفته وسريره ما زالا جزءاً من الحياة اليومية لوالدته، وتقول رشا: "هذا سريره، ومن وقت ما راح أنا بنام مكانه"، وأوضحت أنها وضعت صورته بالقرب من الغرفة لتكون أمام عينيها حين تستيقظ وقبل أن تنام.

وفي المنزل، لا يبدو غيابه مجرد مساحة فارغة، بل يتحول إلى تفاصيل تستعيد الأم من خلالها نجلها: صورته وسريره وغرفته، والأحاديث التي سرعان ما تعود إلى سيرته ومصيره، سواء مع أبنائها أو زائريها.

ولأن رشا والدة بشير، لا تملك قبراً لنجلها تستطيع زيارته، وجدت في قبر رفيقه الشهيد شوكت عبد العال مكاناً تستحضر فيه حضوره.

وكان شوكت قريباً من بشير ويرافقه في تنقلاته وخروجه، لذلك تشعر الأم، حين تجلس عند قبره، بأن روح نجلها قريبة منها، وتخاطبه قائلة: "سلّم على بشير، وقل له إن أمك جاءت عندي."

غير أن ما تريده رشا يتجاوز استعادة الذكريات؛ فهي تتمنى معرفة مكان نجلها، وأن يكون لها قبر تزوره وتجلس عنده وتقرأ له القرآن، كما تفعل أمهات الشهداء، إن كان قد ارتقى.

أما أقسى ما تواجهه، فهو بقاء السؤال الذي يلاحقها منذ نحو عامين من دون جواب: أين بشير؟ وهل استشهد أم لا يزال مفقوداً؟

وتؤكد رشا أن غياب نجلها ترك فراغاً لا يمكن تعويضه، وأنها لا تريد أن تمضي سنوات أخرى من دون معرفة ما حلّ به.

ورغم الألم، تقول إنها لا تريد أن يتحول مصير بشير إلى سبب يدفع الشباب إلى الابتعاد عن الطريق الذي آمن به. وتستعيد حديثه المتكرر عن فلسطين وتحريرها، وقناعته بأن الوصول إلى الحرية يحتاج إلى تضحيات. وتشير إلى أن بشير حمل هذا الحلم منذ صغره، وأن ما آمن به لا يزال جزءاً من إرثه وذكراه، رغم احتراق قلبها عليه.

وتقول إن أبناءها والشباب جميعاً يجب أن يواصلوا الطريق، مؤكدة أن حلم تحرير فلسطين الذي عاش من أجله بشير لا يزال حاضراً في وجدانها، حتى في ظل الغياب والغموض.

مطلب واحد: معرفة الحقيقة

بعيداً جغرافياً عن فلسطين، وقريباً منها بالذاكرة والانتماء، يواصل مخيم نهر البارد احتضان انتظار العائلتين، فيما لم تحمل الأشهر الطويلة إليهما أي جواب واضح.

لا تطلب عائلتا عبد الكريم السعدي وبشير لوباني أكثر من معرفة مصير نجليهما ووضع حد لغياب تركهما معلقتين بين الحزن والأمل؛ فإن كانا قد ارتقيا شهيدين، تريدان وداعهما ومعرفة مكانهما، وإن كانا أسيرين، تتمسكان بأمل عودتهما يوماً إلى أهلهما.

وحتى تصل الإجابة، ستبقى صورة بشير معلقة في منزل والدته، وسيظل سريره شاهداً على غيابه، فيما تستعيد أم وائل كلمات عبد الكريم الأخيرة، وتبحث العائلتان عن جواب واحد: أين عبد الكريم وبشير؟.