تستعد بريطانيا للإعلان عن قيود اقتصادية واسعة تستهدف المستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تشمل حظراً على تجارة السلع المنتجة داخل المستوطنات، وقد تمتد إلى فرض عقوبات على شركات تساعد في بنائها، وفق ما أفادت به صحيفة "نيويورك تايمز" اليوم الثلاثاء 8 أيلول/ سبتمبر، نقلاً عن سبعة مسؤولين أُطلعوا على الإجراءات.

ومن المقرر أن يعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند تفاصيل الإجراءات في خطوة اعتبرها محللون إدانة مهمة للسياسة "الإسرائيلية" تجاه الفلسطينيين، وقد تمهد لإجراءات مماثلة من دول أوروبية أخرى.

وقال ثلاثة من المسؤولين إن الإجراءات قد تشمل أيضاً فرض عقوبات على شركات تساعد في بناء المستوطنات، فيما تحدث المسؤولون السبعة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، لعدم حصولهم على تصريح بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

وتأتي الخطوة البريطانية في ظل تزايد عزلة "إسرائيل" على الساحة الدولية، بعد الحرب المدمرة على قطاع غزة، وتصاعد الاهتمام الدولي بالسيطرة "الإسرائيلية" على الضفة الغربية، بالتزامن مع تكرار اعتداءات المستوطنين "الإسرائيليين" على الفلسطينيين، بما في ذلك مهاجمة منازل، في حالات لم تتدخل فيها القوات "الإسرائيلية" إلا بشكل محدود.

ويرى محللون أن الإجراء البريطاني قد يشكل مقدمة لتحركات أوروبية أخرى نحو فرض عقوبات أشد وأوسع على "إسرائيل"، ولا سيما على خلفية استمرار التوسع الاستيطاني والعنف الذي يمارسه المستوطنون.

تأثير اقتصادي محدود ودلالة سياسية

ورغم أن التفاصيل النهائية للإجراءات لم تكن واضحة في وقت إعداد التقرير، فإن حظر المنتجات المصنوعة في المستوطنات يُتوقع أن يكون تأثيره محدوداً على حجم التجارة السنوية بين بريطانيا و"إسرائيل"، والبالغة نحو 8 مليارات دولار، باعتبار أن منتجات المستوطنات تمثل جزءاً صغيراً من هذه التجارة.

لكن الخطوة تتجاوز العقوبات البريطانية السابقة المتعلقة بالضفة الغربية، والتي استهدفت عدداً من المستوطنين "الإسرائيليين" المتطرفين ووزيرين من اليمين "الإسرائيلي" المتطرف، بحسب الصحيفة.

وقال اللورد طارق أحمد، الوزير البريطاني السابق لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 2024، إن الحكومة البريطانية "توسّع نطاق العقوبات من الأفراد إلى النظر في العمليات والنظام ككل."

وكان وزير الخارجية "الإسرائيلي" جدعون ساعر قد قال الأسبوع الماضي إن "إسرائيل ستتحرك" ضد أي عقوبات بريطانية جديدة، من دون أن يوضح طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها. ولم ترد وزارة الخارجية "الإسرائيلية" على طلب للتعليق، فيما رفضت وزارة الخارجية البريطانية التعليق في حينه.

اعتراضات داخل بريطانيا

وعارضت مجموعات يهودية بريطانية الخطوة، وضغطت على الحكومة خلال اجتماعات مع مسؤولين، معتبرة أن الإجراءات مدفوعة بالسياسة الداخلية، وقد تؤجج معاداة السامية في بريطانيا، كما شككت في قدرتها على دفع إسرائيل إلى تغيير سياساتها.

وبدأت بريطانيا في السنوات الأخيرة، وهي من اشد حلفاء كيان الاحتلال " الاسرائيلي" تصعيد ادناتها للمستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية، التي تعتبر على نطاق واسع غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتؤكد أنها تقوّض إمكانية إقامة دولة فلسطينية في المستقبل.

في المقابل، تجاهل رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو الانتقادات الدولية، ودفع باتجاه تسريع بناء المزيد من المستوطنات.

وفي آب/أغسطس الماضي، أدانت بريطانيا قرار الحكومة "الإسرائيلية" المضي في خطط لبناء وحدات استيطانية جديدة في منطقة E1  قرب القدس، وهي منطقة يحذر منتقدون من أن البناء الاستيطاني فيها قد يحول دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

ووصف ميليباند القرار "الإسرائيلي" بأنه "عمل غير مقبول ومدمر"، وتعهد بالرد بسياسات جديدة، بينها فرض عقوبات تستهدف المشاركين في توسيع المستوطنات.

وقال أمام البرلمان البريطاني الأسبوع الماضي إن بلاده بحاجة إلى النظر في "علاقتها الاقتصادية الأوسع مع الأراضي المحتلة" وفي الأدوات المتاحة لها، مؤكداً أن بريطانيا لا تريد لشركاتها "تمويل أو بناء أو الترويج لمستوطنات جديدة."

نحو نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية

وتحتل "إسرائيل" الضفة الغربية منذ عام 1967، ويعيش فيها نحو ثلاثة ملايين فلسطيني، و نحو 500 ألف مستوطن يقيمون في مستوطنات منتشرة في أنحاء المنطقة.

وتشمل المنتجات التي تصدرها المستوطنات النبيذ الحلال، والمنتجات الزراعية، والبلاستيك وسلعاً أخرى.

وتولى رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام منصبه في تموز/يوليو الماضي، متعهداً باتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه "إسرائيل" على خلفية الحرب في غزة، التي بدأت عقب هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي قادتها حركة حماس ضد إسرائيل.

ووصف بيرنهام غزة بأنها "وصمة على ضميرنا الجماعي"، وانتقد تعامل الحكومة السابقة مع الحرب.

وكان سلفه كير ستارمر قد تحرك للاعتراف بدولة فلسطينية، وعلّق بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى "إسرائيل"، وفرض عقوبات على الوزيرين "الإسرائيليين" من اليمين المتطرف، لكنه لم يفرض إجراءات اقتصادية أوسع.

كما سبق لإدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن أن فرضت عقوبات على مستوطنين متورطين في هجمات ضد الفلسطينيين، قبل أن يلغي الرئيس دونالد ترامب هذه الإجراءات بعد عودته إلى البيت الأبيض.

وكانت إسبانيا وهولندا قد فرضتا بالفعل حظراً على منتجات المستوطنات، فيما يرى محللون أن تحرك بريطانيا يحمل وزناً سياسياً واقتصادياً إضافياً.

وقال هيو لوفات، المحلل في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الثقل السياسي والاقتصادي لبريطانيا يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تحفيز إجراءات أوسع ضد المشروع الاستيطاني "الإسرائيلي"، وفي حشد شركاء غربيين حول تحرك مشترك للحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية ضمن حل الدولتين.

"إسرائيل" تحذر وبريطانيا تواجه معارضة داخلية

وفي تعليقه على العقوبات البريطانية المحتملة، اتهم ساعر حكومة بيرنهام بأنها "تتحرك بشكل ممنهج ضد إسرائيل"، معتبراً أن ذلك يرتبط، جزئياً، بمحاولة تعزيز دعمها الداخلي قبل مؤتمر حزب العمال المقرر عقده في وقت لاحق من أيلول/سبتمبر.

كما حذر الحاخام الأكبر لبريطانيا، إفرايم ميرفيس، من أن حظر التجارة مع المستوطنات قد يتحول بسهولة إلى "مقاطعة فعلية للتجارة مع إسرائيل على نطاق أوسع"، مضيفاً أن تصاعد الخطاب تجاه "إسرائيل" قد يتبعه تصاعد في العداء لليهود.

وطلب قادة يهود آخرون من بيرنهام، على الأقل، تأجيل الإعلان عن الإجراءات، مشيرين إلى أن "إسرائيل" تستعد الشهر المقبل لإجراء أول انتخابات وطنية منذ هجمات عام 2023، فيما يخوض نتنياهو منافسة متقاربة مع خصوم يُنظر إليهم عموماً على أنهم أكثر استعداداً لتبني سياسات أكثر اعتدالاً تجاه الفلسطينيين.

كما عارض بعض نواب المعارضة في بريطانيا الخطط، محذرين من أن العقوبات قد تهدد الأمن القومي البريطاني، بحجة أن "إسرائيل" تتبادل معلومات استخباراتية مع بريطانيا ساهمت في إحباط هجمات داخل الأراضي البريطانية.

ويأتي التحرك البريطاني في سياق تصاعد الضغوط الدولية على "إسرائيل" بسبب الاستيطان في الضفة الغربية، وسط تحذيرات متزايدة من أن التوسع الاستيطاني، ولا سيما في منطقة E1، يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، ويقوّض عملياً فرص تطبيق حل الدولتين.