من مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان، حيث نشأ وترعرع، إلى سحماتا في قضاء عكا، حيث جذور عائلته، يستعيد الشاعر الفلسطيني عبد المجيد قدورة في ديوانه الجديد "المارتيني" صورة الفلسطيني المقاوم عبر أجيال متعاقبة، محاولاً تحويل الأحداث والشخصيات التي صنعت الذاكرة الفلسطينية إلى قصائد تحفظها من الغياب.

الديوان، الذي وقّعه قدورة مؤخراً خلال حفل أقامه "النادي الثقافي الفلسطيني"، يقدمه الشاعر بوصفه نوعاً من "الحداء الفلسطيني المقاوم"، يستعيد فيه حضور البندقية في التاريخ الفلسطيني، منذ ما قبل النكبة، مروراً بالثورات والمواجهات التي شهدتها فلسطين، وصولاً إلى الزمن الراهن.

IMG-20260907-WA0066.jpg

وفي حديثه لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، يوضح قدورة أن "المارتيني" ليست مجرد اسم لبندقية، وإنما صورة للمقاوم الفلسطيني التي بقيت حاضرة رغم تبدل الأزمنة والوجوه والأسماء، معتبراً أن البندقية في الديوان تمثل "صورة الثبات التي لا تتغير"، مهما اختلف الأشخاص والأجيال الذين حملوها.

من الشعر السياسي الساخر إلى الرثاء

لم تبدأ تجربة قدورة الشعرية مع "المارتيني"، إذ مرّت خلال السنوات الماضية بتحولات ارتبطت بالأحداث الفلسطينية التي عاشها أو تأثر بها.

وفي بدايات تجربته، ولا سيما بين عامي 2011 و2012، اتجه إلى كتابة الشعر السياسي الساخر، ونشر عدداً من نصوصه عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومن بين المحطات التي يستعيدها في تلك المرحلة، زيارة الشهيد باسل الأعرج إلى لبنان، والتي جمعته به إلى جانب صديقهما عمار اليوزباشي، ويشير إلى أنها كانت من البدايات المهمة في تجربته الشعرية السياسية الساخرة.

لكن استشهاد باسل الأعرج شكّل نقطة تحول في كتابة قدورة، إذ انتقل للمرة الأولى إلى الرثاء، بعدما دفعه وقع الحدث إلى تحويل مشاعره إلى قصيدة، لتصبح الكتابة بالنسبة إليه وسيلة لتفريغ أثر الفقد وتوثيق ما تركه الشهيد في الذاكرة.

ولا يضم "المارتيني" جميع ما كتبه الشاعر خلال تلك السنوات، إذ فقد جزءاً كبيراً من قصائده بسبب عدم أرشفتها، بعدما كان ينشرها أساساً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تضيع تلك النصوص مع مرور الوقت.

فلسطين.. معيار الكتابة

وبين الشعر السياسي الساخر والرثاء والقصيدة المغناة، يرى قدورة أن خيطاً واحداً ظل ثابتاً في تجربته: فلسطين. ويقول إن فلسطين بالنسبة إليه تمثل معياراً للحق والباطل، والصواب والخطأ، وإن كتاباته انحازت إلى الأشخاص والمواقف التي يراها منحازة إلى فلسطين، بعيداً عن الاعتبارات السياسية الأخرى.

ومن هذا المنطلق، يميز الشاعر بين الانتماء القائم على الهوية والانتماء الذي يسميه "فلسطينيو الهوى"، في إشارة إلى أشخاص لا يحملون الهوية الفلسطينية، لكنهم حملوا فلسطين وقضيتها وانحازوا إليها.

ويختصر قدورة علاقته بفلسطين بكلمتي "الحب" و"الانتماء اللامحدود"، مؤكداً أن كل ما يكتبه يرتبط بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لا يحضر المخيم واللجوء في شعر قدورة باعتبارهما موضوعاً أدبياً فحسب، بل بوصفهما جزءاً من تجربته الشخصية. فقد نشأ في مخيم البداوي، حاملاً معه تجربة اللجوء التي شكلت جزءاً أساسياً من نظرته إلى فلسطين والكتابة عنها.

ويستعيد في حديثه قصيدة كتبها خلال مسيرات العودة، حين كان حاضراً بالقرب من الحدود، أمام مشهد اللاجئين الواقفين في مواجهة السلك الفاصل، في لحظة تختلط فيها صورة الوطن القريب والبعيد في آن واحد.

ويشير إلى أن اللجوء كان حاضراً في كثير من نصوصه، بما يستحضره من شوق وحنين إلى فلسطين، معتبراً أن تجربة اللاجئ تمنح القصيدة بعداً إضافياً، لأن الوطن يصبح حاضراً من خلال غيابه.

الشعر كذاكرة فلسطينية

بالنسبة إلى قدورة، لا تقتصر وظيفة الشعر على التعبير، بل تمتد إلى حفظ الذاكرة الفلسطينية نفسها. ويستحضر في هذا السياق دور الأغنية والقصيدة في نقل التاريخ الفلسطيني من جيل إلى آخر، مستشهداً بالأغاني الشعبية التي حفظت أسماء وشخصيات وأحداثاً من الذاكرة، من "جفرا" و"ظريف الطول"، إلى القصائد والأهازيج التي ارتبطت بالثورات والمقاومة.

ويرى أن القصيدة المغناة قادرة على حمل تفاصيل مرحلة كاملة، وتحويل حدث قد يبدو عابراً إلى جزء من الذاكرة الجماعية، بحيث يبقى حاضراً لدى الأجيال حتى بعد مرور سنوات على وقوعه.

من الحدث الفلسطيني إلى القصيدة

يؤكد قدورة أن معظم نصوصه ولدت من الأحداث التي عاشها الفلسطينيون أو تأثر بها، وأن الأحداث الكبرى كانت تترك أثراً مباشراً في تجربته وتدفعه إلى الكتابة.

فاستشهاد باسل الأعرج نقله، كما يقول، إلى مساحة الرثاء، فيما تركت أحداث فلسطينية أخرى بصمتها على نصوصه، وصولاً إلى أحداث السابع من أكتوبر، التي يصف تأثيرها بأنها قدمت له "صورة جديدة" في الكتابة.

كما ارتبطت بعض أعماله بشخصيات وأحداث فلسطينية معاصرة، قبل أن تنتقل قصائده من الصفحة إلى الأغنية عبر تعاون مع عدد من المنشدين والفرق الفنية، من بينهم "العاشقين"، إلى جانب فنانين وفرق في لبنان.

ويرى أن انتقال القصيدة إلى الغناء منحها قدرة على الوصول إلى جمهور أوسع، إذ تتحول الكلمات، حين تغنى، إلى صوت يجد فيه الناس أنفسهم وتفاصيل واقعهم.

"جمع الصورة بطريقة مغناة"

يرفض قدورة تقديم نفسه باعتباره شاعراً يخترع أبطال قصائده من الخيال، ويقول إن المشهد الفلسطيني موجود أمامه، وإن مهمته تتمثل في إعادة صياغته شعرياً.

المقاوم، الشهيد، اللاجئ، الأم والمخيم، كلها بالنسبة إليه صور حاضرة في الواقع، يحاول أن "يجمع الصورة بطريقة مغناة للناس"، حتى لا تبقى مجرد مشاهد تمر عبر وسائل الإعلام ثم تختفي تحت وطأة الأحداث الجديدة.

ومن هنا، تتحول القصيدة إلى شكل من أشكال التوثيق، وإن كان توثيقاً وجدانياً لا يشبه التوثيق التقليدي؛ فهي تحفظ صورة الأشخاص والأحداث في الذاكرة عبر الكلمة واللحن، وتمنحها فرصة للبقاء بعد أن ينتهي حضورها في الخبر اليومي.

الشعر.. "المجال والأسلوب والسلاح"

في نهاية حديثه، يضع قدورة تجربته الشعرية في إطار شخصي، مؤكداً أنه لا يمتلك منبراً سياسياً، وأن صوته يتمثل في الكلمة التي يكتبها.

ويشير إلى أن بعض نصوصه بدأت منشورات على "فيسبوك"، قبل أن تجد طريقها إلى الغناء، وتتحول من كلمات كتبها بصورة شخصية إلى أعمال يتداولها الناس ويرددونها.

وبالنسبة إليه، فإن الشعر هو "المجال والأسلوب والسلاح" الذي يمتلكه للتعبير عن كل ما يخصه، وعن الأحاسيس التي تبقى عالقة في داخله، سواء وجدت كلماته قبولاً لدى الناس أم لا.

في "المارتيني"، لا يقدم عبد المجيد قدورة ديواناً منفصلاً عن سيرته أو عن التحولات التي عاشها الفلسطيني خلال السنوات الماضية؛ بل يجمع في قصائده أجزاء من ذاكرة شخصية وجماعية: مخيم يحمل أثر اللجوء، ووطن حاضر في الغياب، وأحداث تعيد تشكيل الكتابة، وشخصيات تتحول من أخبار عابرة إلى صور تحفظها القصيدة.

وبين الشعر السياسي الساخر والرثاء والحداء، تبقى فلسطين محور التجربة، فيما تتحول القصيدة المغناة إلى محاولة للإمساك باللحظة قبل أن تغيب، وحفظ ما يراه الشاعر أمامه في ذاكرة الناس.

وفي هذا المعنى، تبدو "المارتيني" في عنوان الديوان أكثر من مجرد اسم لبندقية؛ إنها استعارة لصورة تاريخية متواصلة، تتبدل الوجوه من حولها، فيما تبقى الذاكرة الفلسطينية متمسكة بصورتها، وبالحكاية التي لم تنتهِ.