أزمة التمويل والضغوط السياسية تهدد استمرار تعليم 540 ألف طالب في مدارس "أونروا"
قالت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" إن نحو 540 ألف طفل يتلقون التعليم ضمن برامجها في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، محذرة من أن أزمة التمويل المتفاقمة والظروف السياسية والأمنية في المنطقة تهدد قدرتها على مواصلة تقديم التعليم للاجئي فلسطين بالمستوى المطلوب.
وأوضحت جوليا ديكوم، المسؤولة في برنامج التعليم بوكالة "أونروا"، في مقابلة مع "أخبار الأمم المتحدة"، أن الوكالة تدير نظاماً تعليمياً متكاملاً يوازي أنظمة التعليم الحكومية في مناطق عملها، ويعتمد المناهج الرسمية المعمول بها في الدول المضيفة.
وأضافت أن مدارس "أونروا" تقدم التعليم بصورة عامة حتى الصف التاسع، فيما يمتد التعليم في الأردن حتى نهاية الصف العاشر، وفي لبنان حتى الصف الثاني عشر.
وتدير الوكالة كذلك برنامجاً للتعليم والتدريب التقني والمهني يستفيد منه حالياً نحو 6 آلاف طالب، مقارنة بنحو 8 آلاف طالب قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، نتيجة تراجع قدرة مركزين تابعين للوكالة في قطاع غزة على العمل بالمستوى السابق.
ويستهدف برنامج التعليم والتدريب المهني الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاماً، بهدف تزويدهم بمهارات تساعدهم على دخول سوق العمل ومواصلة مساراتهم المهنية.
تعليم رسمي للاجئي فلسطين
وأكدت ديكوم أن أحد أبرز ما يميز برنامج "أونروا" التعليمي هو تقديم تعليم رسمي مرتبط بصورة مباشرة بأنظمة التعليم في البلدان المضيفة، بما يسمح للطلاب بالانتقال لاحقاً إلى التعليم الثانوي أو الجامعي دون انقطاع.
وأوضحت أن الوكالة تعمل على تحقيق التوازن بين استخدام المناهج المعتمدة في الدول المضيفة والالتزام بقيم الأمم المتحدة ومعايير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، بما يضمن ما تصفه الوكالة بحيادية العملية التعليمية.
وتقوم "أونروا" بمراجعة الكتب المدرسية المستخدمة في مدارسها، إلى جانب تزويد المعلمين بإرشادات للتعامل مع القضايا الحساسة الواردة في المناهج بما يتوافق مع المعايير التي تعتمدها الأمم المتحدة واليونسكو.
ومنذ عام 2024، ركزت الوكالة جهودها على تنفيذ التوصيات التعليمية الواردة في تقرير كولونا بشأن مراجعة عمل "أونروا"، وقالت ديكوم إن الوكالة أنجزت حتى نيسان/أبريل 2026 نحو 62% من التوصيات المرتبطة بالتعليم، مع استمرار العمل بالتنسيق مع اليونسكو ووزارات التربية والتعليم في الدول المضيفة.
2.5 مليون خريج من مدارس "أونروا"
وقالت ديكوم إن التعليم الذي تقدمه "أونروا" لعب دوراً محورياً في حياة أجيال من اللاجئين الفلسطينيين، مشيرة إلى أن نحو 2.5 مليون لاجئ فلسطيني تخرجوا على مدى العقود الماضية في مدارس الوكالة، قبل انتقالهم إلى التعليم العالي أو التدريب المهني ودخولهم سوق العمل.
وأضافت أن عدداً كبيراً من العاملين في قطاعات التعليم والصحة وغيرها من المجالات هم من خريجي مدارس "أونروا"، بمن فيهم معلمون وأطباء وممرضون ومحامون ومحاسبون ورواد أعمال وسياسيون.
وأشارت إلى أن قدرة طلاب "أونروا" على الانتقال بين النظام التعليمي الذي تقدمه الوكالة وأنظمة التعليم في الدول المضيفة شكلت عاملاً مهماً في تمكينهم من مواصلة دراستهم والوصول إلى فرص العمل.
وترى الوكالة أن نموذج التعليم الرسمي المدمج مع النظام التعليمي للدولة المضيفة يمكن أن يشكل نموذجاً أوسع للتعامل مع تعليم اللاجئين في مناطق أخرى من العالم، خاصة في الدول التي تواجه صعوبات في استيعاب أعداد كبيرة من الأطفال اللاجئين في مدارسها الرسمية.
فجوة تمويلية بـ100 مليون دولار
وحذرت "أونروا" من أن الأزمة المالية تمثل حالياً أحد أكبر الأخطار التي تهدد برنامجها التعليمي، مؤكدة أن فجوة التمويل في ميزانية البرنامج تبلغ نحو 100 مليون دولار حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2026.
وقالت ديكوم إن الوكالة تواجه سنوياً تحديات كبيرة لضمان افتتاح المدارس واستمرارها ودفع رواتب المعلمين ومديري المدارس وصيانة المباني التعليمية.
وأوضحت أن نقص التمويل دفع "أونروا" خلال العام الحالي إلى تقليص عدد أيام عمل المدارس، وعدم القدرة على تشغيلها خمسة أيام كاملة في الأسبوع.
وبحسب المسؤولة الأممية، يتلقى المعلمون وعدد كبير من الموظفين أجوراً مقابل 30 ساعة عمل أسبوعياً بدلاً من 37 ساعة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على حجم التعليم الذي يحصل عليه الطلاب، وعلى الوقت المتاح للمعلمين لإعداد الدروس والتواصل مع أولياء الأمور والتعامل مع المشكلات التي يواجهها الأطفال.
غزة.. التعليم عن بعد بديلاً للمدارس
ويواجه برنامج التعليم في قطاع غزة تحديات أكثر حدة، في ظل الأوضاع التي أعقبت الحرب منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وقالت ديكوم إن معظم مباني مدارس "أونروا" في القطاع أغلقت أو تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين، ما حرم أعداداً كبيرة من الأطفال من التعليم المدرسي التقليدي.
وأضافت أن الوكالة تمكنت من إعادة فتح أجزاء من بعض المدارس والملاجئ لاستخدامها كمساحات مؤقتة للتعلم، خصوصاً للأطفال الأصغر سناً، إلا أن غالبية التعليم المقدم للاجئي فلسطين في غزة منذ عام 2024 يعتمد على التعليم عن بعد.
وأكدت أن التعليم الإلكتروني لا يوفر البيئة التعليمية المثالية للأطفال، لكنه يشكل في الوقت الراهن الخيار المتاح أمام الوكالة للوصول إلى أعداد كبيرة من الطلبة في القطاع.
وأشارت إلى أن "أونروا" عززت خلال السنوات الثلاث الماضية خدمات الإرشاد والدعم النفسي في غزة من خلال توظيف مستشارين إضافيين، مستفيدة من دعم صندوق "التعليم لا ينتظر"، إلا أن حجم الاحتياجات لا يزال يفوق الموارد المتوفرة.
مدارس مغلقة في الضفة والقدس
ولا تقتصر أزمة التعليم على قطاع غزة، إذ قالت "أونروا" إن 10 من مدارسها في شمال الضفة الغربية ما تزال مغلقة منذ فترة طويلة.
وفي القدس، يدخل طلاب مدارس "أونروا" عامهم الدراسي الثاني دون القدرة على الوصول إلى مدارسهم التابعة للوكالة أو انتظام الدراسة فيها، ما دفع العائلات إلى البحث عن بدائل تعليمية لأبنائها.
وحذرت ديكوم من أن استمرار هذا الوضع يهدد قدرة الأطفال على مواصلة تعليمهم بصورة منتظمة.
أما في جنوب لبنان، فقد شهدت مدارس "أونروا" خلال العام الماضي فترات من الإغلاق، قبل أن تتمكن الوكالة لاحقاً من إعادة فتح معظمها.
50 طالباً في الصف الواحد
وكشفت "أونروا" أن القيود المالية المتراكمة خلال العقد الماضي أجبرتها على اتخاذ سلسلة إجراءات تقشفية أثرت على جودة العملية التعليمية.
ومن بين هذه الإجراءات رفع نسبة الطلاب إلى المعلمين، بحيث يصل عدد الطلبة في بعض الصفوف إلى نحو 50 طالباً لكل معلم، في وقت تشير فيه التقديرات التربوية إلى أن المعدل الأفضل يدور حول 30 طالباً للمعلم الواحد.
كما خفضت "أونروا" أعداد الموظفين الفنيين الذين يقدمون الدعم للمدارس، ما أدى إلى زيادة الضغط على المعلمين والإدارات التعليمية.
وأشارت ديكوم إلى حاجة مدارس الوكالة بشكل خاص إلى المزيد من مستشاري الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، ولا سيما في المناطق المتضررة من الحروب.
وقالت إن نحو مدرسة واحدة من كل ثلاث مدارس تابعة للأونروا تحتاج إلى مستويات أعلى من خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي.
ويبلغ متوسط عدد الطلاب في مدارس الوكالة نحو ألف طالب في المدرسة الواحدة، فيما تعمل بعض المدارس بنظام الفترتين، الأمر الذي يجعل تقديم الدعم الفردي للأطفال المتضررين من الصدمات والحروب أكثر صعوبة.
التعليم مساحة للأمل
وأكدت ديكوم أن المدرسة تمثل بالنسبة للأطفال اللاجئين مساحة تتجاوز حدود التعليم الأكاديمي، إذ تشكل جزءاً أساسياً من حياتهم الاجتماعية وشعورهم بالأمان والاستقرار.
وضربت مثالاً بالشقيقتين الفلسطينيتين تالا وفرح موسى من قطاع غزة، وهما من خريجات مدارس "أونروا"، اللتين حصلتا على جائزة دولية بعد تطوير طريقة لتحويل أنقاض منزلهما إلى قوالب طوب قابلة للاستخدام.
وقالت إن الفتاتين، البالغتين من العمر 15 و17 عاماً، استفادتا من تعليمهما، خاصة في مجال العلوم، لتطوير فكرة عملية تستفيد من الأنقاض المنتشرة في غزة وتحولها إلى مادة بناء.
واعتبرت أن التجربة تعكس أهمية الاستثمار في التعليم وقدرته على منح الأطفال والشباب الأدوات اللازمة للتفكير والإبداع وإيجاد حلول للمشكلات التي تحيط بهم.
دعوة إلى تمويل مستدام
وفي ظل الأزمة المتفاقمة، دعت "أونروا" المجتمع الدولي إلى توفير تمويل مستدام لبرامجها التعليمية، محذرة من أن استمرار النقص في الموارد سيؤثر على جودة التعليم وعدد أيام الدراسة والخدمات النفسية والاجتماعية المقدمة للطلاب.
وأكدت ديكوم أن مدارس "أونروا"، مثل غيرها من المدارس حول العالم، تشكل جزءاً أساسياً من المجتمعات التي تخدمها، وأن استمرارها ضروري لبناء مستقبل أفضل للاجئي فلسطين.
وشددت على أن الحفاظ على التعليم يتطلب إلى جانب التمويل المستدام توفير ظروف من السلام والاستقرار، بما يمنح الأطفال فرصة للتعافي والبقاء في المدارس والحصول على تعليم آمن ومستقر.
وقالت إن أحد أبرز آمال الوكالة خلال العام الحالي يتمثل في توفير الظروف التي تسمح للأطفال بالعودة إلى مدارسهم والشعور بالأمان، واستعادة قدرتهم على بناء مستقبلهم، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد العملية التعليمية لمئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عمل "أونروا".
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات