طالبت شبكة "البحث والجامعات من أجل فلسطين (RUP)" رؤساء الجامعات الإيطالية بتعليق علاقات التعاون الأكاديمي والبحثي مع المؤسسات "الإسرائيلية" المتورطة في سياسات الاحتلال والاستعمار والفصل العنصري، ووقف التعاون مع الشركات العاملة في الصناعات العسكرية، في ظل استمرار الحرب "الإسرائيلية" على الشعب الفلسطيني.

وجاءت المطالب في رسالة مفتوحة إلى رؤساء الجامعات الإيطالية، أمس الجمعة 28 آب/أغسطس، دعت إلى إعادة تنظيم علاقات المؤسسات الأكاديمية الإيطالية بما يضمن عدم مساهمة البحث العلمي أو الاتفاقيات الجامعية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي.

ولم تحدد الرسالة جامعات بعينها، بل شملت مطالبها المؤسسات الأكاديمية الإيطالية كافة، ودعتها إلى مراجعة علاقاتها واتفاقياتها مع المؤسسات "الإسرائيلية"، إلى جانب علاقاتها بالشركات والجهات العاملة في قطاع الصناعات العسكرية.

وأكدت الشبكة أن الجامعة، بوصفها مؤسسة لإنتاج المعرفة النقدية، يفترض أن تستند إلى مبادئ التعاون الدولي والتضامن بين الشعوب ونبذ الحرب، وأن هذه المبادئ تفرض على الجامعات وضع معايير واضحة لتعليق أو إنهاء العلاقات مع الجهات المتورطة في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

تعليق التعاون مع المؤسسات "الإسرائيلية"

وطالبت الرسالة بتعليق التعاون مع الجامعات ومعاهد البحث والمؤسسات "الإسرائيلية" المتورطة في السياسات الاستعمارية والعسكرية وسياسات الفصل العنصري، إلى حين توقف العمليات العسكرية "الإسرائيلية" ضد المدنيين الفلسطينيين، وإنهاء سياسات الاحتلال والاستيلاء على الأراضي والتطهير والاستبدال السكاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما دعت إلى تعليق جميع اتفاقيات البحث والتنقل الأكاديمي الدولي مع المؤسسات "الإسرائيلية"، وربطت ذلك بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني، ولا سيما القرار 194 لعام 1948 بشأن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، والقرار 242 لعام 1967 بشأن الأراضي المحتلة، والقرار 2334 لعام 2016 بشأن الاستيطان "الإسرائيلي" في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتأتي هذه المطالب في سياق نقاش متصاعد داخل الجامعات الإيطالية بشأن طبيعة العلاقات الأكاديمية مع "إسرائيل". وكانت جامعة بادوفا قد أقرت في تموز/يوليو 2025 عدم إبرام اتفاقيات مؤسسية جديدة أو تجديد اتفاقيات قائمة مع مؤسسات "إسرائيلية" تساهم في استمرار انتهاكات القانون الدولي والحفاظ على الاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية.

وقف التعاون مع الصناعات الحربية

ولا تقتصر مطالب الشبكة على المؤسسات "الإسرائيلية"، إذ طالبت أيضاً بوقف جميع أشكال التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمدارس الإيطالية وبين الشركات العاملة في البحث العسكري والصناعات الحربية.

ودعت إلى رفض استضافة فعاليات وأيام توظيف، أو إبرام اتفاقيات أو منح تدريبات وأبحاث لصالح شركات تنتج الأسلحة، أو تتاجر بها، مؤكدة أن المسارات التعليمية والبحثية ينبغي ألا تتحول إلى جزء من عملية عسكرة المعرفة.

كما انتقدت الرسالة تراجع التمويل الحكومي للجامعات، وما يدفع إليه من اعتماد المؤسسات الأكاديمية على تمويل خاص من شركات مرتبطة بقطاع الدفاع والصناعات العسكرية، بما يقيد استقلالية الباحثين، خصوصاً العاملين بعقود مؤقتة.

"الاستخدام المزدوج" والرقابة على الأبحاث

وطالبت الشبكة الجامعات باعتماد إجراءات منظمة للعناية الواجبة، وإدراج بنود صريحة لحماية حقوق الإنسان في مواثيقها الأخلاقية، بما يمنع أي مساهمة في انتهاكها.

كما دعت إلى وضع ضوابط خاصة للأبحاث والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج (Dual Use)، أي تلك التي يمكن استخدامها في المجالات المدنية والعسكرية، وإنشاء لجان وفرق عمل ومراصد دائمة لتقييم اتفاقيات البحث والتأكد من عدم توظيف نتائجها في المجالات العسكرية.

وشددت الرسالة كذلك على ضرورة ضمان حرية البحث والتدريس، بما يتوافق مع المادة 33 من الدستور الإيطالي، مع المطالبة بنشر جميع الاتفاقيات التي تبرمها الجامعات مع الشركات والمؤسسات بصورة شفافة ومحدثة على مواقعها الرسمية.

مراصد أكاديمية لمراقبة العلاقات العسكرية

واقترحت الشبكة إنشاء مرصد دائم ذي طابع مدني وأكاديمي في كل جامعة إيطالية، بمشاركة الأساتذة والباحثين والطلاب وممثلي المجتمع المدني.

ويتولى المرصد مراقبة العلاقات والاتفاقيات بين الجامعات والمؤسسات العسكرية الإيطالية، وكذلك علاقاتها مع الشركات الخاصة، بما فيها الشركات الدولية العاملة في قطاع الدفاع والصناعات الحربية.

وتقترح الرسالة أن تتضمن الأنظمة المنظمة لهذه المراصد إرشادات الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لـ"إسرائيل" (PACBI)، باعتبارها إطاراً لتقييم العلاقات مع المؤسسات الأكاديمية "الإسرائيلية" المتواطئة في الاحتلال والفصل العنصري والانتهاكات بحق الفلسطينيين.

وأكدت الشبكة في هذا السياق أن المقاطعة تستهدف المؤسسات وليس الأفراد، وأن مجرد انتساب أكاديمي "إسرائيلي" إلى مؤسسة جامعية لا يشكل بحد ذاته سبباً للمقاطعة.

كما دعت الرسالة رؤساء الجامعات إلى فتح حوار منظم مع الحكومة الإيطالية بهدف زيادة التمويل العام للبحث العلمي والتعليم الجامعي، بما يقلل اعتماد الجامعات على مصادر تمويل قد تتعارض مع مبادئها الأخلاقية.

وطالبت كذلك بفتح مساحات عامة للنقاش والتحليل بشأن الحرب على غزة وجذورها التاريخية والاقتصادية والثقافية، ودعم المؤتمرات والندوات والفعاليات الأكاديمية المتعلقة بفلسطين، إلى جانب تطوير برامج تعليمية متخصصة حول المبادئ الأخلاقية للبحث العلمي.

وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه الجامعات الإيطالية نقاشاً متصاعداً بشأن علاقاتها مع المؤسسات "الإسرائيلية"، وسط مطالب أكاديمية وطلابية بوقف التعاون الذي يسهم في استمرار الاحتلال أو دعم الصناعات العسكرية.

وتؤكد شبكة "البحث والجامعات من أجل فلسطين" أن تحركها يهدف إلى منع تحول المؤسسات الأكاديمية الإيطالية إلى طرف في علاقات أو أبحاث تسهم في استمرار الاحتلال وعسكرة المعرفة، والدفع نحو سياسة جامعية تقوم على حماية حقوق الإنسان والقانون الدولي ودعم حقوق الشعب الفلسطيني.