الصيادون الفلسطينيون في مخيم الرشيدية يواجهون قيوداً على قوارب الصيد
على شاطئ مخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان، لا تبدو مهنة الصيد مجرد مصدر للرزق، بل حرفة متوارثة تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية مع القيود المفروضة على اللاجئين ومخاطر الاعتداءات "الإسرائيلية" المتواصلة على الجنوب منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
عبد معروف، صياد فلسطيني من مخيم الرشيدية، واحد من الصيادين الفلسطينيين الذين يعملون في البحر بإمكانات محدودة، في ظل القيود التي تحول دون تسجيل قوارب صيد بأسمائهم واستخدامها بصورة رسمية انطلاقاً من الموانئ اللبنانية.
ويروي معروف لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" تفاصيل يومه في البحر، حيث تبدأ رحلة الصيد مبكراً، ولا تنتهي بالضرورة بصيد وفير. يقول: "نزلنا صباحاً إلى البحر، وذهبنا إلى الشباك، لكننا لم نجد شيئاً. وضعنا شبكة جديدة، ثم نزلنا لتفقدها، لنرى إن كان فيها شيء".
ويعتمد الصيادون في المخيم على الشباك الموضوعة في أعماق البحر، ويتعين عليهم تفقدها بصورة مستمرة. فإذا وجدوا فيها أسماكاً، يفكونها من الشباك، ويتركون الشباك لليوم التالي، في محاولة للاستفادة من كل فرصة ممكنة في ظل محدودية الإمكانات.

البحر تحت الخطر
لم تعد ظروف العمل مرتبطة فقط بحالة البحر والرياح، إذ فرضت الاعتداءات "الإسرائيلية" على الجنوب واقعاً أكثر خطورة على الصيادين. ويصف معروف البحر بأنه أصبح "محاصراً"، بعدما باتت حركة الصيادين محدودة بفعل المخاطر الأمنية والقيود المفروضة على تحركهم.
ويقول إن الصياد، حتى في الأيام التي لا تشهد قصفاً، يتعرض للمنع والمضايقة أثناء خروجه ودخوله وتحركه بين المناطق، فيما ضاعفت الحرب والمخاطر الأمنية من صعوبة الوصول إلى البحر والعمل فيه.
ولا يملك الصياد وقتاً ثابتاً للعمل، إذ ترتبط رحلته بحالة البحر والرياح. ويوضح معروف أن البحر قد يكون مناسباً في الصباح، أو في فترة ما بعد الظهر، لكن على الصياد أن يكون في البحر قرابة الرابعة أو الرابعة والنصف، وبحد أقصى الخامسة، لمتابعة شباكه.
ويفرض البحر إيقاعه الخاص على الصياد، فعندما تكون الأمواج هادئة، ينبغي وضع الشباك والعودة لتفقدها في وقت مبكر، لأن تأخير سحبها حتى طلوع النهار قد يؤدي إلى خسارة الصيد، بفعل الأسماك النفاخة وكلاب البحر التي تهاجم الأسماك العالقة في الشباك.
وفي المقابل، قد تتغير حالة البحر بصورة مفاجئة. فقد يضع الصياد شباكه والبحر هادئ، ثم يعود ليجد الأمواج مرتفعة، أو يأتي في يوم يكون فيه البحر هادئاً، لكنه غير قادر على العمل لأسباب أخرى.
"نعمل بإمكانات محدودة"
وسط هذه الظروف، تبقى حصيلة الصيد غير مضمونة. يقول معروف إن الصياد قد يجلس ساعة واحدة في البحر، وفي بعض الأحيان تكون النتيجة جيدة إلى درجة يشعر معها وكأنه "خرج بمليون دولار"، لكن ذلك لا يحدث دائماً.
ويؤكد أن حياة الصيادين الفلسطينيين في المخيمات صعبة، ليس فقط بسبب مخاطر البحر والظروف الاقتصادية، وإنما أيضاً بسبب القيود التي تحول دون امتلاكهم قوارب صيد مسجلة بأسمائهم واستخدامها بصورة رسمية.
ويرى أن معالجة قضية تسجيل القوارب يمكن أن تخفف جانباً أساسياً من معاناة الصيادين الفلسطينيين، إذ سيتمكن الصياد من امتلاك قاربه واستخدامه بصورة قانونية، بما يوفر له مكاناً آمناً لحماية قاربه وشباكه، ويمنحه قدرة أكبر على العمل بعيداً عن الاعتماد على إمكانات محدودة.

البحر "جزء من الحياة"
ورغم كل هذه الصعوبات، لا ينظر معروف إلى البحر بوصفه مجرد مكان للعمل. فالصيد بالنسبة إليه إرث متوارث وعلاقة متجذرة في حياة أبناء المخيم.
ويقول إن الصياد "تعود على البحر، ووعى عليه، وكبر عليه"، وإن هذه العلاقة انتقلت إليه من أجداده وأهله. لذلك، فإن اليوم الذي لا يذهب فيه إلى البحر يترك داخله شعوراً بالنقص، حتى عندما تكون الأمواج مرتفعة ولا تسمح له بالعمل.
وبين القيود المرتبطة بالقوارب، ومحدودية الإمكانات، وتقلبات الطقس، ومخاطر الحرب والقصف "الإسرائيلي" في الجنوب، يواصل الصياد الفلسطيني في الرشيدية التمسك بالبحر مصدراً للرزق وامتداداً لذاكرة مهنية واجتماعية توارثها أبناء المخيم جيلاً بعد جيل.
شاهد/ي التقرير
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات