لطالما شكّلت التحويلات المالية التي يرسلها الفلسطينيون في الخارج إلى عائلاتهم في لبنان شريان حياة لآلاف الأسر اللاجئة، ومصدراً أساسياً لتأمين الغذاء والدواء والتعليم والإيجار، في ظل محدودية فرص العمل وتراجع الخدمات الإنسانية.

إلا أن الأزمات الاقتصادية العالمية والحروب والصراعات الإقليمية وارتفاع تكاليف المعيشة انعكست، خلال السنوات الأخيرة، على أوضاع المغتربين أنفسهم، لتتراجع معها، وفق شهادات من مخيمي نهر البارد والبداوي شمالي لبنان، قيمة الحوالات وانتظامها، وتتسع الفجوة بين احتياجات الأسر وإمكاناتها.

وتختلف تقديرات الأهالي لحجم التراجع، بين من يتحدث عن انخفاض حاد طال معظم العائلات، ومن يرى أن تأثيره بقي محدوداً، إلا أن القاسم المشترك بينهم يتمثل في اتساع الاحتياجات مقابل تقلص مصادر الدخل والدعم، ما يجعل تراجعها تضييقاً لهامش الخيارات أمام الأسرة، من الغذاء والدواء إلى التعليم والاحتياجات اليومية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مصادر دعم ثابتة تعوض تراجع فرص العمل والخدمات الإنسانية.

الحوالة من دعم إضافي إلى مصدر أساسي

تعتمد نسبة كبيرة من العائلات الفلسطينية في لبنان على الأموال التي يرسلها الأبناء والأقارب المقيمون في دول الخليج وأوروبا والأميركيتين، لتعويض محدودية فرص العمل داخل المخيمات وارتفاع معدلات البطالة وتراجع المساعدات الإنسانية.

وخلال السنوات الماضية، لم تعد الحوالات مجرد دعم إضافي، بل تحولت إلى جزء من الاقتصاد اليومي في المخيمات، وساهمت في تحريك الأسواق المحلية وتغطية نفقات الغذاء والدواء والتعليم والإيجارات، إضافة إلى تكاليف العلاج والعمليات الجراحية والتعليم الجامعي.

لكن ارتفاع تكاليف المعيشة في بلدان الاغتراب، وتراجع فرص العمل في بعضها، إلى جانب القيود والتدقيقات المصرفية المفروضة على التحويلات المالية، عوامل حدّت من قدرة المغتربين على تقديم الدعم بالمستويات السابقة.

"تراجعت قيمة بعض الحوالات من نحو 100 دولار إلى 30 أو 40 أو 50 دولاراً"

يقول إياد عمر، من مخيم نهر البارد، لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إن آثار تراجع التحويلات أصبحت واضحة في حياة العائلات، مشيراً إلى أن الحروب والأزمات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة والعالم انعكست كذلك على أوضاع الفلسطينيين في الخارج.

وأوضح أن بعض المغتربين الذين كانوا يرسلون الأموال شهرياً أو كل شهرين، باتوا يرسلونها كل أربعة أشهر، فيما تراجعت قيمة بعض الحوالات من نحو 100 دولار إلى 30 أو 40 أو 50 دولاراً.

ولا تقتصر تداعيات الأزمات على الأسر داخل المخيم، بحسب عمر، إذ يواجه بعض المغتربين في أوروبا ودول الخليج البطالة أو عدم الاستقرار الوظيفي والاقتصادي، ما جعلهم أكثر حذراً في تحويل الأموال إلى ذويهم.

ويشير إلى أن المغترب الذي كان قادراً على إرسال مبلغ ثابت شهرياً أصبح أحياناً غير قادر على ضمان استمرار دخله، فتحولت بعض الحوالات من مبالغ شهرية منتظمة إلى مبالغ أقل تُرسل على فترات متباعدة.

ويؤكد عمر أن ذلك انعكس على الغذاء والملبس والتعليم والنفقات الصحية، لافتاً إلى أن تقليص خدمات "أونروا"، ولا سيما المساعدات الاجتماعية والإغاثية، زاد الضغوط على العائلات.

تأثير متفاوت بين العائلات

في المقابل، يرى محمد مرعي أبو الروس، من مخيم نهر البارد، أن تأثير تراجع التحويلات لم يكن متساوياً بين جميع العائلات، موضحاً أن بعض المغتربين لا يزالون قادرين على إرسال الأموال بصورة منتظمة، وإن شهدت بعض التحويلات تأخيراً نتيجة الظروف الاقتصادية في بلدان الاغتراب.

ويلفت أبو الروس، في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إلى أن عدداً من الدول التي يقيم فيها الفلسطينيون يوفر أنظمة حماية اجتماعية وخدمات صحية ومساعدات للعائلات، الأمر الذي يساعد المغتربين على تجاوز جزء من الأزمات.

ويشير أبو الروس كذلك إلى أن جزءاً من المساعدات والتحويلات بات يتجه إلى قطاع غزة، في ظل الحرب والكارثة الإنسانية المستمرة هناك، مؤكداً أن ذلك لم يعنِ تخلي المغتربين عن دعم عائلاتهم في لبنان.

من جهته، يتحدث زياد حامد، من مخيم نهر البارد، عن تراجع حاد في حجم التحويلات، رابطاً ذلك بالتطورات السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم، إضافة إلى القيود التي تواجه عمليات تحويل الأموال إلى لبنان.

ويرى حامد أن اللاجئين الفلسطينيين يواجهون سلسلة متراكمة من الأزمات، بدأت بتقليص خدمات "أونروا"، مروراً بتراجع بعض مصادر الدخل، وصولاً إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع العائلات إلى تقليص الإنفاق وتأجيل بعض الاحتياجات الأساسية.

الحوالات الخيرية تتراجع بنسبة كبيرة

وفي مخيم البداوي، تؤكد زينة ما ذهب إليه أبناء مخيم نهر البارد، بشأن التراجع الملحوظ في الحوالات المالية مقارنة بالسنوات الماضية، من حيث القيمة والانتظام، معتبرة أن التراجع ظهر بصورة واضحة مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من أزمات اقتصادية عالمية.

وتوضح زينة لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أن انخفاض القيمة الشرائية للمبالغ المحولة جعلها غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، بالتزامن مع استمرار ارتفاع الأسعار.

أما إسراء ريناوي، الناشطة في مجال العمل الإنساني ومساعدة المحتاجين في مخيمات الشمال، فتشير إلى تراجع كبير في التحويلات المخصصة للمبادرات الخيرية وصناديق المرضى.

وتقدر ريناوي أن التراجع في الدعم الخيري بلغ نحو 90%، فيما تجاوز التراجع على المستوى الشخصي 50%، موضحة أن مغتربين كانوا يتكفلون سابقاً بتكاليف علاج مريض بشكل كامل، أصبحوا اليوم يشاركون آخرين في تغطية نفقات العلاج.

كما تشير، في حديثها لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إلى أن القيود المفروضة على التحويلات والتدقيقات المصرفية زادت صعوبة وصول الأموال إلى لبنان، وانعكس ذلك على قدرة الجمعيات والمبادرات الإنسانية على مواصلة تقديم المساعدات.

مركز تحويل اموال.jpeg

التعليم والصحة في دائرة الضرر

ولا تقتصر تداعيات تراجع الحوالات على الغذاء، بل تمتد إلى التعليم والصحة، وهما من أكثر القطاعات حساسية بالنسبة إلى العائلات الفلسطينية في المخيمات.

فارتفاع تكاليف التعليم والقرطاسية والنقل، بالتزامن مع تراجع المساعدات، يدفع بعض الأسر إلى تقليص الإنفاق على تعليم أبنائها أو تأجيل متابعة الدراسة الجامعية.

وفي القطاع الصحي، يزيد ارتفاع أسعار العلاج والأدوية والعمليات الجراحية من معاناة المرضى، خصوصاً مع تراجع الدعم الخيري وصعوبة تأمين تكاليف العلاج.

ويحذر الأهالي من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى اتساع دائرة الفقر وارتفاع معدلات التسرب المدرسي، ولا سيما بين الأسر الأكثر حاجة.

وتقول أم بتول خضير، من مخيم البداوي، لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إن العائلات تواجه ظروفاً معيشية صعبة في ظل ارتفاع الأسعار وغياب فرص العمل، مشيرة إلى أن تأمين الاحتياجات اليومية أصبح أكثر صعوبة.

وتوضح أن اقتراب العام الدراسي يضيف أعباء جديدة على الأسر، مع حاجتها إلى تأمين القرطاسية والملابس والمستلزمات المدرسية، في وقت تتراجع فيه مصادر الدخل والمساعدات.

وتكشف هذه الشهادات عن حجم الضغوط التي تواجهها الأسر التي لا تمتلك دخلاً ثابتاً أو شبكة دعم قادرة على تعويض النقص في الحوالات والمساعدات.

أزمة الحوالات في ظل تقليص خدمات "أونروا"

ولا يمكن فصل تراجع التحويلات عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي العام الذي يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. فالأزمة تتزامن مع ارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وتقليص خدمات "أونروا"، وارتفاع تكاليف التعليم والعلاج، لتضع العائلات أمام أعباء متراكمة.

وفي ظل هذه الظروف، أصبحت أي مساعدة مالية تصل من الخارج ذات أهمية مضاعفة، ليس فقط لتأمين الاحتياجات الأساسية، وإنما لمواجهة النفقات الطارئة، خصوصاً المرتبطة بالمرض والتعليم.

وبالنسبة إلى عائلات كانت تعتمد على حوالة شهرية لتغطية جزء كبير من مصاريفها، تذهب الأموال اليوم، وفق الشهادات، إلى الضروريات المباشرة، فيما تؤجل احتياجات أخرى، أو يجري الاستغناء عنها.

وتكشف شهادات الأهالي في مخيمي نهر البارد والبداوي عن واقع اقتصادي تزداد صعوبته عاماً بعد عام، في ظل تراجع التحويلات وتقليص الخدمات الإنسانية وارتفاع تكاليف المعيشة.

ورغم تفاوت تقديرات حجم التراجع، فإن الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات تبدو في اتساع مستمر. كما أن الأزمة لا تطال الأسر داخل المخيمات وحدها، بل تمتد إلى المغتربين الذين يواجهون بدورهم تداعيات الحروب والأزمات الاقتصادية والبطالة وعدم الاستقرار الوظيفي.