بعد إغلاقه منذ 5 سنوات... ملعب فلسطين في مخيم البداوي ينتظر الترميم
منذ أكثر من خمس سنوات، بقي ملعب فلسطين في مخيم البداوي شمالي لبنان خارج الخدمة، بعدما تدهورت أرضيته إلى درجة جعلتها غير صالحة للاستخدام، في وقت كان فيه الملعب يشكل المتنفس الرياضي الأبرز لأبناء مخيمي البداوي ونهر البارد، وخصوصاً الأطفال والشباب.. لتمتد تداعيات توقفه الى الأندية واللاعبين ومختلف الفئات العمرية، حيث حرم اللاجئين خصوصاً الشباب من مساحة كانت تحتضن التدريبات الرياضية والمباريات والدورات الرياضية، فضلاً عن أنشطة المدارس ورياض الأطفال وسواها، فضلاً عن استعماله من قبل أناس يهوون المشي والركض.
ومع غياب الملعب، غاب كل ذلك، و اضطرت الأندية إلى استئجار ملاعب خارج المخيم، بينها ملعب المنكوبين وملعب السلام في زغرتا، ما فرض تكاليف إضافية على أندية محدودة الإمكانات وعلى اللاعبين وعائلاتهم، فيما اتجه عدد من الأطفال والشباب إلى ملاعب صغيرة لا توفر المساحة اللازمة لممارسة كرة القدم، أو ابتعدوا عن الرياضة بصورة نهائية.
أكثر من ألف لاعب ينتظرون عودة الملعب
مسؤول لجنة ملعب فلسطين، مصطفى أبو حرب، يؤكد أنّ الملعب المكان الوحيد لممارسة كرة القدم في المخيم، ويخدّم رياضياً أكثر من 15 نادياً موزعة بين مخيمي البداوي ونهر البارد، ضمن إطار الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في الشتات – فرع لبنان.
ويشير أبو حرب إلى أن سبعة أندية رياضية في مخيم البداوي، بمختلف فئاتها العمرية، تستفيد من الملعب، بما يعني أن أكثر من ألف لاعب ولاعبة يعتمدون عليه بصورة مباشرة، إضافة إلى الأطفال والشباب الذين كانوا يستخدمونه، فيما لا تتوقف وظيفة الملعب عند كرة القدم، اذ تستفيد منه المدارس في أنشطتها التعليمية والرياضية التي تحتاج الى مساحة واسعة.
ويشدد أبو حرب، أنّ الملعب هو المتنفس الوحيد لأبناء مخيم البداوي، ويشير إلى أنّ أن الأندية واصلت لفترة إقامة التدريبات والمباريات على أرضية الملعب رغم سوء حالتها، ما انعكس على أداء اللاعبين وتسبب بإصابات، خصوصاً في الركبة والكاحل، قبل أن يصبح الاستمرار في استخدامه متعذراً.
أرضية متدهورة وإصابات أوقفت لاعبين عن الرياضة
ومع توقف الملعب، تعطلت برامج الأندية وتراجع مستواها الرياضي، وفقد المخيم عدداً من المواهب التي كانت تشكل رافداً للأندية اللبنانية.
ويصف عضو نادي الهلال الرياضي، يوسف سليمان، وضع الملعب بأنه "يُرثى له"، مشيراً إلى أن أرضيته تحولت إلى ما يشبه صبة باطون صخرية" لا تصلح لممارسة الرياضة.

ويقول سليمان لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن سوء الأرضية تسبب بإصابات متكررة للاعبين، شملت إصابات في الغضاريف والأربطة والالتواءات والكسور، وصل بعضها إلى حد توقف لاعبين عن ممارسة كرة القدم وإنهاء مشوارهم الرياضي.
ولم تقتصر الخسائر على الإصابات، إذ أدى غياب الملعب إلى توقف التدريبات والمباريات والدورات الرياضية، وتعذر استضافة أنشطة الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، بما فيها البطولات والدوريات.
ويشير سليمان إلى أن استئجار الملاعب الخارجية استنزف إمكانات الأندية، التي بالكاد تستطيع تأمين احتياجات لاعبيها الأساسية من أحذية رياضية ومواصلات وغيرها، فضلاً عن الأعباء التي يتحملها اللاعبون وعائلاتهم.
الملعب خط دفاع لحماية الأطفال والشباب
بالنسبة إلى أعضاء لجنة الملعب والأندية، لا تتعلق القضية بالرياضة وحدها، فسليمان يرى أن الملعب يمثل "خط دفاع أساسي" لحماية الأطفال والشباب من الآفات الاجتماعية، وبينها التدخين والأراجيل والسهر والمشاكل والمخدرات.
ويؤكد أن الأندية لا تقتصر وظيفتها على تدريب اللاعبين، وإنما توفر لهم الرعاية والتوجيه وتفريغ طاقاتهم بصورة إيجابية، عبر المباريات والبطولات والمشاركات الخارجية، بما يساعد على إبقائهم في بيئة رياضية واجتماعية آمنة.

ويقول رئيس لجنة العلاقات العامة، ناصر رميح، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إن إغلاق الملعب حرم المخيم من مساحته الرياضية الأهم، ودفع اللاعبين إلى ملاعب الميني فوتبول، فيما توقف آخرون عن ممارسة اللعبة.
ويرى رميح أن جيلاً كاملاً خسر مساحته الرياضية، محذراً من انعكاسات ذلك على الأطفال والشباب، مع توجه بعضهم إلى المقاهي والأراجيل، وما قد يرافق ذلك من مخاطر اجتماعية أكثر خطورة، بينها المخدرات. ويؤكد أن المستفيدين من إعادة تأهيل الملعب لن يكونوا فئة محددة، بل آلاف الأطفال والطلاب وطلاب رياض الأطفال واللاعبين من أبناء المخيم.
مشروع ألماني لتحويله إلى مجمع رياضي
في مواجهة هذا الواقع، تعمل لجنة ملعب فلسطين على إعادة تأهيل المنشأة ضمن مشروع (KfW) والمشروع الألماني لتطوير مخيم البداوي، فيما أعدت "أونروا"، وفق أبو حرب، الدراسات الهندسية اللازمة لإصلاح أرضية الملعب ومرافقه.
ولا يقتصر المشروع المقترح على إعادة تأهيل ملعب كرة القدم، بل يستهدف تحويله إلى مجمع رياضي متكامل يضم ملاعب لكرة القدم والكرة الطائرة وكرة السلة، إلى جانب قاعات داخلية لممارسة كرة الطاولة والشطرنج، وقاعات للرياضة والمحاضرات والتنشئة الرياضية والاجتماعية.
ويأمل أبو حرب أن تبدأ أعمال الترميم في أقرب وقت، بالتوازي مع تشكيل لجنة إدارية تتولى إدارة المنشأة وصيانتها والمحافظة عليها، بما يمنع تكرار تجربة السنوات الماضية.
ومن شأن إعادة تشغيل الملعب، وفق رؤيته، أن تتيح لأندية مخيمي البداوي ونهر البارد، إضافة إلى أندية الجوار اللبناني، الاستفادة منه، وأن تنعكس على الحياة الرياضية والاجتماعية والاقتصادية في المخيم عبر استقطاب الفرق وتنشيط الحركة التجارية المرتبطة بالرياضة. ويؤكد أن الهدف ليس تحقيق الربح، بل إنشاء منشأة رياضية مستدامة تخدم أبناء المخيم وتحتضن الشباب وتساعد على اكتشاف المواهب وتطويرها.
مشروع تأخر رغم استكمال متطلباته
ويشير يوسف سليمان إلى أن لجنة الملعب طرقت خلال السنوات الماضية أبواباً عدة بحثاً عن تمويل لإحياء مشروع الترميم، موضحاً أن مشروعاً سابقاً تعطل بعد اعتراضات على أعمال التنفيذ، إذ رأى بعض الأهالي أن ترميم المنازل يجب أن يكون أولوية، رغم أن الأموال المرصودة في ذلك المشروع كانت مخصصة للملعب وليس لترميم البيوت.
ومع تزايد تدهور الأرضية وارتفاع الإصابات وتوقف الأندية وازدياد كلفة استئجار الملاعب الخارجية، عادت اللجنة للعمل على إعادة تفعيل المنحة الألمانية ووضع مشروع ملعب فلسطين ضمن الأولويات.
ويلفت سليمان إلى دور عدد من الأشخاص في هذا المسار، وفي مقدمتهم نضال أيوب، الذي يصفه بأنه من أبرز الداعمين لعمل اللجنة والدفع نحو إعادة طرح مشروع الترميم وإنشاء مجمع رياضي متكامل.
ويقول: إن المشروع قطع مراحل متقدمة بعد استكمال الشروط والمتطلبات لدى الجهات المعنية، بما فيها الجانب الألماني و"أونروا"، إلا أن التنفيذ تأخر بسبب الإجراءات المرتبطة بالمناقصة واختيار الشركة المتعهدة.
وفي هذا السياق، زارت لجنة ملعب فلسطين مدير منطقة الشمال في "أونروا"، أسامة بركة، للضغط باتجاه تسريع تنفيذ المشروع ونقل مخاوف الأندية واللاعبين من استمرار الوضع الحالي.
ويقول سليمان: إن اللجنة تلقت وعداً ببدء تنفيذ المشروع بحلول أيلول/سبتمبر، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب تسريع الإجراءات، لأن الملعب لم يعد يحتمل مزيداً من التأخير، ولأن الجيل الرياضي في المخيم دفع ثمناً كبيراً خلال السنوات الماضية.
"إغلاق الملعب جريمة بحق المخيم"
أما مسؤول نادي الخليل لكرة القدم، أبو زيد، فيضع إعادة الملعب إلى الخدمة في مقدمة الأولويات، نظراً لارتباطه المباشر بمستقبل الأطفال والشباب.
ويستعيد تجربة لاعبين أشرف على تدريبهم منذ سن السابعة والثامنة وحتى 13 و14 عاماً، قبل أن يؤدي إغلاق الملعب إلى توقفهم عن ممارسة كرة القدم وتفرقهم. ويقول: إن بعضهم ابتعد عن الرياضة واتجه إلى سلوكيات ضارة، فيما فقد آخرون صلتهم بالمجتمع الرياضي.

ويقدّر أبو زيد في حديث لموقعنا، عدد ممارسي كرة القدم والرياضات المرتبطة بها في المخيم بنحو 2000 إلى 3000 شخص من الأطفال والشباب والكبار، مشيراً إلى أن غياب الملعب يدفعهم إلى الملاعب الصغيرة التي لا توفر المساحة المناسبة للعبة، فضلاً عن تكلفتها المالية.
ويصف استمرار إغلاق ملعب فلسطين بأنه "جريمة بحق المخيم"، لأن القضية، وفق قوله، لا تتعلق بملعب لكرة القدم فحسب، وإنما بمساحة قادرة على احتضان آلاف الأطفال والشباب.
متنفس يتجاوز الرياضة
ولا تقتصر المطالب بإعادة الملعب على الأندية واللاعبين. فإيمان شهابي، من أهالي مخيم نهر البارد، ترى أن ملعب فلسطين يمثل متنفساً لأطفال المخيم وشبابه، نظراً إلى اتساع مساحته وقدرته على استيعاب مختلف الفئات.
وتشير إلى استخدامه في تنمية مهارات الأطفال المحبين لكرة القدم، وتفريغ طاقات الشباب، إلى جانب استضافة فعاليات رياض الأطفال والمدارس والمناسبات الوطنية والشعبية، معتبرة أن ترميمه خطوة أساسية للحفاظ عليه باعتباره حاضنة ثقافية وترفيهية ورياضية لأبناء المخيم.
بدوره، يؤكد الشاب إبراهيم منصور أن الملعب يمثل المتنفس الأساسي للشباب الذين يمارسون كرة القدم، وأن توقفه أجبر اللاعبين على استخدام ملاعب صغيرة مقابل تكاليف مالية، في وقت يحتاج فيه الشباب إلى مساحة واسعة للتدريبات والدورات والأنشطة الرياضية.
ويأمل أن تنطلق أعمال الترميم سريعاً ليعود الملعب إلى دوره في احتضان اللاعبين وتنشيط الحياة الرياضية داخل المخيم.
وبعد أكثر من خمس سنوات على تعطله، تبدو قضية ملعب فلسطين أكبر من إعادة تأهيل أرضية رياضية؛ فهو مساحة لاحتضان الأطفال والشباب، واكتشاف المواهب، وإقامة الأنشطة المدرسية والوطنية، وتوفير متنفس عام في ظل محدودية المساحات المتاحة داخل المخيم.
كما أن إعادة تشغيله يمكن أن تخفف الأعباء المالية عن الأندية واللاعبين، وتعيد برامج الفئات العمرية، وتتيح استضافة فرق من خارج المخيم بما قد ينشط جانباً من الحركة الاقتصادية والاجتماعية. لكن نجاح المشروع لا يتوقف على إنجاز الترميم وحده، بل يحتاج أيضاً إلى إدارة واضحة تتولى صيانة المنشأة وتنظيم استخدامها وضمان بقائها مساحة عامة مفتوحة للأندية والأطفال والشباب وسائر أبناء المخيم.
وبين وعود الترميم وانتظار بدء التنفيذ، يبقى مطلب أبناء البداوي ونهر البارد واحداً: الإسراع في إعادة تأهيل ملعب فلسطين وضمان استدامته، ليعود مساحة للرياضة والحياة، بعدما حرم إغلاقه جيلاً كاملاً من الأطفال والشباب من متنفسهم الرياضي.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات