عشر سنوات ليست زمنًا طويلًا في عمر قضية بدأت قبل ثمانية وسبعين عامًا ولم تغلق فصولها بعد، لكنها كانت كافية لأن نشهد تدمير مخيمات، وتهجير فلسطينيين مرة ثانية وثالثة، وتبديل خرائط اللجوء، وأن تواجه أجيال جديدة الأسئلة ذاتها التي حملها جيل النكبة: أين الحقوق؟ أين العودة؟ ومن يروي حكاية اللاجئين كما يعيشونها هم؟ من هذه الأسئلة، ومن الحاجة إلى إعلام فلسطيني ينطلق من اللاجئ والمخيم، لا من هامش المشهد السياسي والإخباري، بدأ موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين.

حين انطلق الموقع عام 2016، لم تكن قضية اللاجئين الفلسطينيين غائبة عن الإعلام الفلسطيني، لكنها كانت في كثير من الأحيان تُستدعى من بوابة الحدث السياسي أو الخطاب الرسمي والفصائلي أو المناسبات الوطنية أو عند وقوع الكوارث، بينما بقيت الحياة اليومية للاجئين، والتحولات التي تصيب مجتمعاتهم، وعلاقتهم بحقوقهم ومخيماتهم وذاكرتهم، أقل حضورًا مما يفرضه موقع قضية اللاجئين بوصفها جوهرًا للقضية الفلسطينية.

وفي فضاء إعلامي فلسطيني في الشتات، طغى عليه طويلًا الإعلام الحزبي والفصائلي والموجّه لخدمة أجندات سياسية محددة، حاول موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين منذ البداية بناء تجربة مختلفة تقوم على إعلام فلسطيني مستقل ومهني، منحاز إلى حقوق الناس، يجعل اللاجئ أساس التغطية والمخيم مركز السرد، ويمنح أصحاب القضية حق رواية قصصهم بأصواتهم.

لم نرد أن نتحدث بالنيابة عن اللاجئين بقدر ما أردنا أن نبني مساحة يستطيعون من خلالها أن يتحدثوا هم؛ أن يروي الفلسطيني في مخيم اليرموك ما جرى في شارعه وبيته، وأن ينقل ابن عين الحلوة هموم حياته اليومية، وأن تصل قضية عامل فلسطيني في لبنان إلى مساحة أوسع من حدود المخيم، وأن تبقى ذاكرة نهر البارد ودرعا وحندرات وخان الشيح وشاتيلا والرشيدية وغيرها حاضرة في سجل فلسطيني لا ينتهي بانتهاء الخبر.

من داخل المخيم.. لا من خارجه

كان بناء شبكة من الصحفيين والمراسلين داخل المخيمات أحد أهم الخيارات التي صنعت شخصية "بوابة اللاجئين الفلسطينيين". فجزء أساسي من فريقها هو نفسه من مجتمع اللاجئين؛ محررون ومراسلون يعرفون المخيم ليس بوصفه موقعًا للتصوير أو مساحة طارئة للتغطية، بل مكانًا عاشوه ويعرفون ناسه، وأزقته وتحولاته ومشكلاته.

وهنا حاولنا طوال السنوات الماضية الجمع بين أمرين نراهما متكاملين لا متناقضين، هما المهنية والانتماء إلى القضية. فالاستقلالية بالنسبة إلينا لا تعني الوقوف على مسافة متساوية بين صاحب الحق ومن ينتهك حقه، ولا تعني أن يتحول الصحفي إلى مجرد مراقب لمعاناة شعبه؛ هي استقلال عن خطاب سلطات الدول المضيفة والفصائل والمصالح السياسية والتمويل المشروط، والتزام في المقابل بالدقة والتحقق، والمساءلة، والحقوق السياسية والإنسانية.

بهذا المعنى، نحن إعلام منحاز إلى اللاجئ في حقه بالكرامة والعمل والتعليم والصحة والسكن والتنقل، ومنحاز إلى حقه السياسي والتاريخي في النضال والمقاومة من أجل العودة إلى أرضه وقراه ومدنه في فلسطين.

ومع السنوات، تحولت هذه الفكرة إلى منهج أكثر وضوحًا في العمل التحريري، أن يكون الإنسان الفلسطيني في مركز المادة الصحفية، لا رقمًا في نشرة، وأن تكون شهادة الناس مصدرًا أصيلًا، وأن نتعامل مع الصورة والفيديو والخبر والتقرير باعتبارها أدوات معرفة وتوثيق وحفظ للذاكرة.

فالمخيم بالنسبة إلينا ليس مجرد مساحة للفقر والازدحام أو خلفية ثابتة للأزمات، بل مجتمع حي ينتج الثقافة والعمل والسياسة والفن والمقاومة والمبادرات والتضامن، ويحفظ أسماء القرى والمدن الفلسطينية وذاكرة النكبة في مواجهة مشروع استعماري سعى، وما يزال، إلى فصل اللاجئ عن قضيته.

حين يتحول الخبر اليومي إلى ذاكرة شعب

بعد عشر سنوات، ربما يكون الأثر الأعمق للبوابة هو أرشيفها. آلاف الأخبار والصور والفيديوهات والشهادات والتقارير تراكمت عامًا بعد عام، حتى أصبح بالإمكان من خلالها قراءة تحولات كاملة في حياة اللاجئين الفلسطينيين.

في سوريا، يمكن تتبع ما جرى للمخيمات خلال سنوات الحرب. الحصار والقصف والدمار والاعتقال والمفقودون والنزوح والتهجير، وما أصاب اليرموك ودرعا وخان الشيح وحندرات وغيرها، ثم أسئلة العودة وإعادة الإعمار والملكية ومستقبل المخيمات. لم تكن مأساة فلسطينيي سوريا خبرًا عابرًا؛ كانت إعادة إنتاج قاسية للجوء، إذ وجد فلسطينيون هجّر أجدادهم من فلسطين أنفسهم مجددًا على الحدود وفي طرق الهجرة.

وفي لبنان، يوثق الأرشيف سنوات من القيود على العمل والملكية، والبطالة والفقر، وتراجع الخدمات، وأزمات التعليم والصحة، والضغوط الأمنية والسياسية، وسياسات تعاملت مع الفلسطيني في كثير من الأحيان باعتباره عبئًا لا صاحب حقوق.

في ظل هذا الواقع، تحولت المخيمات إلى فضاءات محاصرة اقتصاديًا واجتماعيًا، ودُفع شبان وعائلات إلى الهجرة هربًا من انسداد الأفق. ومع ذلك، حاولنا ألا نختزل المخيم في البؤس؛ لأن أرشيفه هو أيضًا أرشيف حياة وثقافة وصمود، ومقاومة يومية ، وقصص نجاح وانتماء.

ثم جاءت حرب الإبادة على غزة لتعيد الاقتلاع الفلسطيني إلى صورته الأكثر عنفًا، مع تدمير المخيمات وتهجير العائلات ومحو الأحياء ودفع الفلسطينيين من مكان إلى آخر داخل أرضهم. لذلك لم تكن تغطية الحرب انتقالًا إلى ملف بعيد عن اختصاص البوابة، بل امتدادًا مباشرًا إلى جوهر القضية التي نشأت من أجلها.

فاللجوء الفلسطيني ليس كارثة طبيعية أو حالة إنسانية منفصلة عن السياسة، بل نتاج مشروع استعماري استيطاني اقتلع شعبًا من أرضه، وما تزال أدواته في الطرد والمصادرة والتدمير مستمرة حتى اليوم. وما يجري في مخيمات الضفة الغربية يؤكد المعنى نفسه، فاستهداف المخيم هو أيضًا استهداف لذاكرة النكبة ولحق العودة.

"أونروا" وإلغاء معنى اللجوء

من هذه الزاوية تابعنا الهجمة التي تستهدف "أونروا". فالقضية لا تتعلق فقط بالمدارس والعيادات والمساعدات، رغم أهميتها، بل بصراع سياسي أوسع على تعريف اللاجئ نفسه وعلى حق العودة.

إذ تسعى مشاريع وسياسات أميركية ومشاريع الاحتلال "الإسرائيلي" إلى تحويل اللاجئ من صاحب حق سياسي وتاريخي إلى حالة إنسانية قابلة للإدارة أو التوطين أو تقليص الخدمات، مع تغييب السؤال الأساسي لماذا أصبح هذا الإنسان الفلسطيني لاجئًا أصلًا؟ لذلك كانت تغطية احتجاجات اللاجئين ومواقفهم دفاعًا عن حقوقهم، لا مجرد متابعة لملف خدمات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقنا في نقد "أونروا" ومتابعة أوجه قصورها ومسؤولياتها تجاه اللاجئين ومخيماتهم.

في هذا السياق، لم يكن عمل البوابة منفصلًا عن معركة الرواية والذاكرة. حين تُحفظ صورة من مخيم تغيرت معالمه، أو شهادة لإنسان رحل، أو اسم مفقود، أو تقرير يعود إليه باحث بعد سنوات، يتحول الإعلام من استهلاك يومي للخبر إلى فعل في الذاكرة. وهنا يكتسب الأرشيف معناه الأعمق كسجل فلسطيني يشارك الناس أنفسهم في إنتاجه وحفظه، ويمنح ما جرى في المخيمات فرصة للبقاء في مواجهة النسيان والمحو.

أثر لا تختصره الأرقام

يمكن قياس جانب من أثر "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" بالأرقام أيضًا؛ فقد سجلت منصتها على فيسبوك 158.6 مليون مشاهدة خلال عام 2025، ثم أضافت 69.1 مليون مشاهدة في النصف الأول من 2026، ليصل مجموع المشاهدات الموثقة على فيسبوك منذ بداية 2025 وحتى نهاية حزيران/يونيو 2026 إلى 227.7 مليون مشاهدة. وخلال النصف الأول من 2026 وحده وصل محتوى البوابة على فيسبوك إلى نحو 12.8 مليون مشاهد، مع تجاوز الصفحة حاجز المليون متابع.

كما يواصل إنستغرام توسعه، فيما سجلت منصة "X" نحو 1.9 مليون ظهور، وحقق الموقع الإلكتروني 149.5 ألف زيارة خلال النصف الأول من 2026، مع 123 ألف مستخدم نشط. وتعكس هذه الأرقام تنوع حضور البوابة بين الانتشار الجماهيري على المنصات، والمحتوى البصري، والتداول الإخباري، ومحركات البحث، والجمهور المباشر للموقع.

لا نقدم هذه الأرقام باعتبارها مناسبة للمديح الذاتي، بل مؤشرًا على أن قضية اللاجئين، رغم محاولات تهميشها، ما تزال قادرة على الوصول إلى جمهور واسع عندما تروى بأصوات أصحابها. لكن الأثر لا يختصر بعدد المشاهدات، فقد يكون صورة بقيت بعد أن تغير المكان، أو شهادة لإنسان رحل، أو اسمًا حُفظ من الغياب، أو مادة يعود إليها باحث أو عائلة أو فلسطيني من الجيل الثاني والثالث ليستعيد جزءًا من ذاكرة المخيم.

تجربة بإمكانات محدودة.. ومرحلة تطوير وانتقال

لم تُنجز هذه التجربة في ظروف مثالية. عمل فريق موقع بوابة اللاجئين الفلسطينيين بموارد محدودة، وواجه مشكلات وقيودًا أمنية وسياسية وانتشار جغرافي متنوع، إضافة إلى مشكلات تقنية وتحولات متسارعة في الإعلام الرقمي، وصعوبة العمل في ملف يتعرض أصلًا للتهميش والحصار السياسي والمالي.

ورغم ذلك، استمرت التجربة، وبنيت شبكات للمراسلين، وتراكمت خبرات تحريرية وميدانية، وطُورت آليات للرصد والعمل الصحفي وسياسات أوضح للمحتوى والتوثيق، إلى جانب توسيع الإنتاج المرئي وإعطاء مساحة أكبر لصوت الناس.

لكن مرور عشر سنوات ليس سببًا للقول/ إننا وصلنا. نعرف أين تأخرنا (أخفقنا)، ونعرف أن أدواتنا التقنية لا تتناسب بعد مع حجم المهمة، وأن الأرشيف يحتاج إلى تنظيم أوسع، وأن تجمعات فلسطينية كثيرة ما تزال بحاجة إلى تغطية منتظمة، لذلك ستكون المرحلة المقبلة مرحلة تطوير وانتقال لتحديث البنية التقنية، وتطوير إدارة العمل التحريري والرصد والتحليل، وتوسيع شبكة المراسلين، وتحويل آلاف الصور والفيديوهات والوثائق والشهادات إلى ذاكرة رقمية منظمة وقابلة للبحث والاستعادة.

ولا نرى التطوير الرقمي مجرد سباق مع التكنولوجيا والخوارزميات، بل جزءًا من معركة أوسع على الرواية والذاكرة، ففي مواجهة سياسات المحو يصبح الأرشيف فعلًا لحفظ الذاكرة، وفي مواجهة احتكار الخطاب تصبح الصحافة المستقلة ضرورة، وفي مواجهة التهجير تصبح ذاكرة المكان جزءًا من الدفاع عن الحق فيه.

لماذا بدأنا.. ولماذا نستمر؟

بعد عشر سنوات، أصبح الجواب أكثر وضوحًا. بدأنا لأن اللاجئ الفلسطيني كان يحتاج إلى مساحة تجعل قضيته موضوعًا دائمًا لا خبرًا موسميًا، ونستمر لأن الأسباب التي أنشأت هذه الحاجة لم تنتهِ. المخيمات ما تزال قائمة؛ بعضها دمّر وبعضها يتعرض للتدمير، واللاجئون الفلسطينيون ما يزالون يواجهون التهميش والتمييز، وقضيتهم ما تزال محط الاستهداف "الإسرائيلي"، و"أونروا" تتعرض للاستهداف أيضاً، والفلسطينيون يهجّرون مجددًا، وحق العودة ما يزال هدفًا لمحاولات الشطب والتصفية.

لهذا نحتاج إلى إعلام متخصص بقضية اللاجئين الفلسطينيين، لا باعتباره قطاعًا صحفيًا منفصلًا، بل جزءًا من معركة الفلسطينيين على حقوقهم وروايتهم وذاكرتهم، جسرًا يصل المخيم بالمخيم واللاجئ باللاجئ، وصحافة مستقلة عن التخديم السياسي، لكنها ليست مستقلة عن قضايا الناس، وإعلامًا مهنيًا لا يفصل المعاناة الإنسانية عن البنية السياسية التي أنتجتها.

بعد عشر سنوات، لا نقول إن المهمة اكتملت. ما فعلناه هو محاولة لتمثيل صوت المخيم واللاجئ، وبناء مساحة فلسطينية تحفظ الذاكرة وتوثق الحاضر، وتمنح اللاجئين مساحة ليكونوا أولًا رواة حكايتهم وممثلين لحقوقهم سياسيًا. وما نريده في المرحلة المقبلة هو توسيع هذه المساحة وجعلها أكثر مهنية وقدرة على الوصول والتوثيق. فنحن لا ندافع عن المخيم بوصفه قدرًا دائمًا، بل نحفظ ذاكرته؛ لأنه شاهد على جريمة لم تنتهِ، ونحرس رواية أهله لأن حقهم لا يسقط بالتقادم.

لهذا بدأنا، ولهذا نستمر. وستبقى الحاجة إلى "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" قائمة ما بقيت قضية اللجوء قائمة، وما بقي الفلسطيني محرومًا من حقه في العودة إلى قراه ومدنه في فلسطين.