النكبة المستمرة.. الفلسطينيون في مواجهة حرب على الوجود والحقوق
بعد ثمانية وسبعين عاماً على نكبة فلسطين، لا تبدو الذكرى محطة تاريخية لاستعادة الماضي فقط، بل مرآة مفتوحة على نكبة مستمرة تتجدد بأشكال مختلفة. في قطاع غزة حيث حرب الإبادة والركام والنزوح، وفي الضفة الغربية حيث تحاصر المخيمات وتجرف وتُفرّغ، وفي لبنان حيث تتكرر مشاهد التهجير من مخيمات وتجمعات الجنوب وبيروت، وفي سوريا حيث تحاول المخيمات ترميم جراحها بعد سنوات من الدمار والتهجير.
منذ عام 1948، لم تكن الحرب على الفلسطينيين حرباً على الأرض وحدها، بل على الذاكرة والهوية والمؤسسات والشواهد السياسية والقانونية، وفي مقدمتها المخيم ووكالة "أونروا".
فالمخيم ليس تجمعاً سكنياً طارئاً، بل شاهد حي على جريمة اللجوء، و"أونروا" ليست مؤسسة خدماتية فقط، بل عنوان دولي يؤكد أن قضية اللاجئين لم تحل، وأن حق العودة لا يزال معطلاً بفعل الاحتلال، لا ساقطاً بالتقادم.
في قطاع غزة، حضرت الذكرى الـ78 للنكبة كما لو أنها امتداد مباشر للنكبة الأولى. مخيمات جباليا والشاطئ والبريج وغيرها لم تعد فقط أماكن لجوء تحفظ أسماء القرى والمدن الفلسطينية، بل صارت ساحات دمار وتشريد متكرر، فوق ركام المنازل في مخيم جباليا، وقف الفلسطينيون لإحياء ذكرى النكبة، رافعين حق العودة في وجه التدمير والتهجير.
وفي مخيم الشاطئ، أعاد قصف منزل عائلة الأضم شبح التشريد إلى عائلات لاجئة عاشت أصلاً تجربة الاقتلاع من مدنها وقراها عام 1948، أما في مخيم البريج، فإن مبادرة صناعة مقاعد مدرسية من أخشاب المساعدات داخل مدرسة تابعة لـ"أونروا" تختصر حجم المأساة، تعليم يحاول النهوض من بقايا الإغاثة، وأطفال يتمسكون بحقهم في الدراسة وسط ركام المدارس ونقص الموارد.
لقد بدت غزة، حتى قبل حرب الإبادة، كأنها مخيم فلسطيني كبير؛ مساحة محاصرة ومكتظة، يعيش معظم سكانها من اللاجئين وأحفاد اللاجئين الذين هُجّروا من مدنهم وقراهم عام 1948. لكن ما جرى خلال حرب الإبادة تجاوز استهداف مدينة أو منطقة بعينها، إذ طالت الإبادة المخيمات نفسها، جباليا، والشاطئ، والبريج، والنصيرات، والمغازي، وخان يونس، ورفح، وغيرها، بما تحمله من رمزية سياسية وتاريخية لقضية اللاجئين، وهكذا لم يكتفِ الاحتلال بمحاولة اقتلاع الفلسطينيين من حاضرهم، بل استهدف أيضاً شواهد نكبتهم الأولى، محاولاً تحويل المخيم من ذاكرة للعودة إلى مساحة ركام ونزوح جديد.
وفي الضفة الغربية، يتخذ استهداف المخيمات بعداً أكثر وضوحاً في سياق الحرب على شواهد النكبة وحق العودة. منذ نحو عامين ونصف، ولا سيما منذ مطلع عام 2025، صعّدت قوات الاحتلال عملياتها في مخيمات شمالي الضفة الغربية، خصوصاً مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة، ضمن سياسة ضغط مركبة تستهدف المكان والإنسان والذاكرة، عبر الاقتحامات والحصار وتجريف الشوارع وتدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وإخلاء المنازل ومنع عودة السكان إليها.
وبحسب تقديرات "أونروا"، لا يزال نحو 33 ألف لاجئ فلسطيني في حالة نزوح قسري من مخيمات شمالي الضفة، خصوصاً جنين ونور شمس وطولكرم، بعد أن هدمت قوات الاحتلال مساحات واسعة من هذه المخيمات، وقلّصت فرص تعافيها وعودة سكانها، في موجة تهجير لم تشهد الضفة الغربية مثيلاً لها منذ نكسة عام 1967.
ولا يمكن فصل ما يجري في هذه المخيمات عن النكبة الأولى، فالمخيم ليس تجمعاً عمرانياً فقط، بل شاهد مادي وسياسي على قضية اللاجئين وحق العودة. لذلك، فإن تدمير أزقته ومنازله وبناه التحتية، ومحاولة تحويله إلى بيئة طاردة، يشكلان سعياً لتفكيك رمزيته وضرب الذاكرة الجمعية التي يحملها.
وفي مخيمي طولكرم ونور شمس تحديداً، يظهر الحصار والهدم كأداة تهجير، إذ لم تقتصر الاقتحامات على مداهمة المنازل واعتقال الشبان، بل طالت الطرق الداخلية والمحال والمنشآت والخدمات الصحية والتعليمية، بما يجعل الحياة اليومية داخل المخيم شبه مستحيلة، أما في مخيم جنين، فإن الاستهداف يحمل بعداً رمزياً إضافياً، إذ يحاول الاحتلال ضرب صورة المخيم كمركز للذاكرة الوطنية وحاضنة اجتماعية وسياسية للاجئين الفلسطينيين.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري في مخيمات شمالي الضفة ليس عملية عسكرية عابرة، بل محاولة لإعادة إنتاج النكبة بأدوات جديدة: اقتحام عسكري من الداخل، وضغط استيطاني من المحيط، وحصار اقتصادي وخدماتي، وتدمير متدرج للبنية التي تحفظ معنى المخيم. كما يتقاطع ذلك مع الحرب على "أونروا"، لأن استهداف الوكالة وتقليص دورها لا ينفصلان عن محاولة شطب رمزية المخيم نفسه، بوصفه أحد أهم الشواهد الحية على اللجوء الفلسطيني وحق العودة. لذلك، فإن الدفاع عن مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة هو دفاع عن الذاكرة والهوية وحق العودة، لا عن مكان جغرافي فقط.
وفي القدس، يتخذ استهداف شواهد النكبة بُعداً إضافياً، مع اتجاه حكومة الاحتلال إلى إقامة مرافق عسكرية على أنقاض مجمّع تابع لـ"أونروا" في الشيخ جراح. هذه الخطوة لا تستهدف مبنى فقط، بل تستهدف حضور الوكالة ورمزيتها في مدينة محتلة، وتحاول تحويل موقع مرتبط بقضية اللاجئين إلى منشأة تخدم المؤسسة العسكرية في كيان الاحتلال، بهذا المعنى، يصبح الهجوم على "أونروا" جزءاً من معركة أوسع على الرواية والذاكرة والحق.
وفي لبنان، لا تحضر النكبة بوصفها ذكرى فقط، بل كواقع يتكرر مع كل جولة حرب على الجنوب. الفلسطينيون في مخيمات وتجمعات صور وصيدا والجنوب عاشوا خلال هذا العام موجات تهجير جديدة بفعل غارات الاحتلال وإنذارات الإخلاء التي طالت بلدات ومناطق تضم تجمعات فلسطينية. عائلات غادرت تحت الخوف، وأخرى لجأت إلى صيدا والشمال، فيما تحولت بعض المراكز والمخيمات إلى مساحات استقبال وإيواء.
وبحسب تقرير "أونروا" حول الاستجابة الطارئة في لبنان، بلغ عدد النازحين المسجلين في مركزي الإيواء التابعين لها 1132 نازحاً من 328 عائلة حتى 5 أيار/مايو 2026، وسط وضع وصفته الوكالة بأنه "هش وغير قابل للتنبؤ".
ولم يقتصر التهجير على مخيمات وتجمعات الجنوب، إذ طالت تداعيات العدوان أيضاً مخيمات بيروت، ولا سيما مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة، بفعل الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت وأوامر الإخلاء التي أصدرها الاحتلال لمناطق قريبة من محيطها.
وقد أعاد ذلك مشهد الخوف والنزوح إلى مخيمات مكتظة أصلاً، تعاني هشاشة بنيوية وخدمية، حيث وجدت عائلات فلسطينية نفسها أمام احتمال الانتقال مجدداً أو البحث عن أماكن أكثر أماناً، في تكرار لصورة النكبة بوصفها تهجيراً متواصلاً لا يقتصر على جغرافيا واحدة.
ولم يتوقف الاستهداف عند التهجير والخوف من القصف، بل امتد إلى ملاحقة النشطاء والأصوات المرتبطة بإرادة المقاومة داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، فقد شهدت مخيمات مثل عين الحلوة والمية ومية ومحيط صيدا عمليات اغتيال واستهداف طالت شخصيات وناشطين فلسطينيين خلال العام الجاري وما سبقه، في سياق بدا وكأنه محاولة لضرب أي حضور سياسي أو شعبي أو مقاوم داخل المخيمات، وتحويلها إلى مساحات محاصرة بالخوف والفوضى والضغط الأمني والانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
وبهذا المعنى، يتداخل العدوان الخارجي مع هشاشة الواقع الداخلي، ليجد اللاجئ الفلسطيني نفسه بين خطر التهجير من جهة، وملاحقة كل صوت يتمسك بفلسطين والمقاومة من جهة أخرى.
وفي مخيم نهر البارد، ارتبط إحياء النكبة بالمطالبة باستكمال الإعمار بعد 19 عاماً على تدمير المخيم، وبالدعوة إلى تعزيز خدمات "أونروا" الصحية والتعليمية والإغاثية. وفي مخيم برج البراجنة، تختصر الأزقة المكتظة والتمديدات الكهربائية العشوائية معنى البقاء القسري في مساحة ضيقة، حيث يصبح الصمود ممارسة يومية لا شعاراً، أما مخيم برج الشمالي، فقد حمل هذا العام وجع الشهداء الذين ارتقوا خلال القتال والغارات في الجنوب اللبناني، إلى جانب تمسك الأهالي بالمخيم بوصفه محطة لجوء مؤقتة لا بديلاً عن فلسطين.
وفي سوريا، تبدو النكبة متعددة الطبقات. الفلسطينيون هناك لم يعيشوا نكبة 1948 وحدها، بل عاشوا خلال الحرب السورية تدمير مخيماتهم وتهجير أبنائها وتفكيك بناها الاجتماعية والاقتصادية. مخيم اليرموك، الذي كان قبل الحرب أحد أكبر تجمعات الفلسطينيين في الشتات، تحوّل إلى رمز للحصار والدمار والنزوح، وتشير "أونروا" إلى أن نحو 400 ألف من فلسطينيي سوريا تعرّضوا للنزوح، وأن غالبية من تبقى منهم في سوريا، وعددهم نحو 438 ألفاً، عاشوا تجربة النزوح أو تأثروا بها، كما تؤكد الوكالة أن مخيمات عين التل "حندرات" واليرموك ودرعا، التي كانت تضم سابقاً ثلث اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، تعرضت لدمار واسع.
وفي مخيم اليرموك تحديداً، أظهرت تقييمات أجريت عام 2024 أن نسبة واسعة من المنازل والشقق تضررت خلال الحرب، بينما بقيت عودة الفلسطينيين إلى المخيم محدودة قياساً بحجمه السابق، رغم محاولات الترميم والعودة التدريجية.
اليوم، تحاول مخيمات سوريا ترميم جراحها واستعادة أبنائها والحياة فيها، في اليرموك تفتح الطرقات وترحل الأنقاض وتصلح خطوط المياه، وفي سبينة تعالج شبكات الصرف الصحي، وفي الحسينية والسيدة زينب وخان الشيح ودرعا يحاول الأهالي إعادة بناء حد أدنى من الاستقرار اليوميـ لكن ذلك يجري في واقع سياسي غير مستقر، وفي ظل غياب ملامح واضحة لتوجهات السلطات الجديدة تجاه أوضاع الفلسطينيين وحقوقهم ومخيماتهم، ووسط غياب دور فلسطيني رسمي وفصائلي فاعل قادر على بلورة رؤية تحمي الوجود الفلسطيني، وتدافع عن حقوقه المدنية والاجتماعية والقانونية.
أما في الأردن، حيث تعيش أجيال من اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات، فقد خرجت المسيرات في عمّان ومخيم البقعة وغيرها لتؤكد أن طول اللجوء لا يعني سقوط الذاكرة. مشاركة أبناء المخيمات في فعاليات النكبة تؤكد أن الهوية لم تتحول إلى فولكلور، وأن حق العودة لا يزال جزءاً من الوعي السياسي والاجتماعي للأجيال الجديدة.
في قلب هذه الصورة كلها، تقف "أونروا" بوصفها شاهداً سياسياً وقانونياً على جريمة اللجوء. لذلك، ليست الحرب عليها حرباً إدارية أو مالية فقط، بل محاولة لتصفية عنوان دولي يذكّر العالم بأن هناك قضية لاجئين لم تُحل، وحقاً في العودة لم يُنفذ. وقد جاء استهداف "أونروا" عبر مسارات متعددة: تجفيف التمويل، والتشكيك في التفويض، وتقليص الخدمات، واستهداف المنشآت في غزة، ومحاصرة وجودها في القدس، ومحاولة استبدالها بمؤسسات بديلة تفصل الخدمة عن الحق السياسي، فالوكالة، وفق الأمم المتحدة، ممولة تقريباً بالكامل من التبرعات الطوعية للدول الأعضاء، ما يجعلها عرضة دائمة للابتزاز السياسي والمالي.
ويستند حق العودة إلى أساس قانوني وسياسي واضح، في مقدمته قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948، الذي أكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم والتعويض عن ممتلكاتهم، إضافة إلى القرار 3236 لعام 1974 الذي أكد الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير والعودة، هذه الحقوق ليست منحة سياسية ولا بنداً تفاوضياً عابراً، بل حقوق تاريخية وقانونية دفع الفلسطينيون أثماناً باهظة للحفاظ عليها.
لم تبدأ الحرب الأخيرة على اللاجئين و"أونروا" بعد عملية "طوفان الأقصى" فقط، رغم أن ما تلاها كان الأعنف والأكثر دموية على قطاع غزة والمخيمات والوكالة.
لقد سبقتها مرحلة سياسية واضحة بدأت مع ما سمي "صفقة القرن"، التي رفضت حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم ووطنهم المهجّرين قسرياً منه، وطرحت عوضاً عن ذلك حلولاً تنتزع جوهر القضية وتحولها إلى ملف اقتصادي وإنساني مشروط.
ومنذ ذلك المسار، تداخلت مشاريع التطبيع العربي مع محاولات تصفية الحقوق الفلسطينية. فالتطبيع، في جوهره السياسي، لم يكن مجرد فتح سفارات أو توقيع اتفاقات اقتصادية، بل مساراً لإعادة دمج كيان الاحتلال في المنطقة، وتكريس وجوده فوق أنقاض الحقوق الفلسطينية، والتعامل مع القضية بوصفها عبئاً ينبغي تجاوزه لا حقاً تاريخياً ينبغي إنصافه. لذلك، فإن التطبيع حين ينفصل عن حق العودة وإنهاء الاحتلال ومحاسبة كيان الإبادة، يتحول إلى شراكة في تكريس النكبة لا إلى سلام.
وعلى امتداد 78 عاماً، حاول الاحتلال وحلفاؤه فرض عشرات الصيغ والمبادرات التي تدور حول المعنى ذاته: توطين اللاجئين حيث هم، أو نقلهم إلى أماكن أخرى، أو دمجهم اقتصادياً، أو تحويل العودة إلى تعويض مالي، أو شطب "أونروا" بوصفها شاهداً على القضية، ولا يوجد رقم واحد متفق عليه أكاديمياً لكل مشاريع التوطين والتهجير منذ عام 1948، لكن مصادر مستقلة أشارت إلى أن عدد مشاريع توطين الفلسطينيين في الخارج تراوح بين أربعين وخمسين مشروعاً، غالبيتها فشل ولم ينجح في إسقاط حق العودة من وعي اللاجئين.
ومن بين هذه المشاريع، برز مشروع توطين قسم من لاجئي قطاع غزة في شمال غرب سيناء في خمسينيات القرن الماضي، الذي واجهه الفلسطينيون في قطاع غزة بهبة آذار/مارس 1955، ونجحوا في إفشاله. وتكشف هذه التجربة المبكرة أن اللاجئين الفلسطينيين لم يتعاملوا مع التوطين بوصفه حلاً، بل بوصفه محاولة لشطب العودة وتحويل اللجوء إلى مصير دائم.
وفي السنوات الأخيرة، عادت مشاريع النقل الجماعي بصيغ أكثر فجاجة، من بينها ورقة صادرة عن وزارة استخبارات الاحتلال تقترح نقل سكان قطاع غزة إلى سيناء ومنع عودتهم، ثم طروحات أميركية لاحقة حول نقل سكان غزة إلى مصر والأردن، في ما أعاد إلى الواجهة جوهر المشروع القديم نفسه- تفريغ الأرض من أهلها- وتحويل النكبة إلى ترتيب سياسي دائم.
هذه المشاريع، مهما تغيّرت أسماؤها، فشلت لأنها اصطدمت بحقيقة واحدة: اللاجئون الفلسطينيون لم يتعاملوا مع المخيم بوصفه نهاية الرحلة، بل بوصفه شاهداً على بدايتها. فشل مشروع سيناء؛ لأن اللاجئين رفضوا تحويل اللجوء إلى توطين، وفشلت محاولات شطب "أونروا" لأن الحاجة إلى الوكالة لا تزال قائمة ما دام حق العودة معطلاً، وفشلت مشاريع التطبيع في إنهاء فلسطين من الوعي الشعبي العربي والعالمي، لأن حرب الإبادة كشفت حقيقة كيان الاحتلال أكثر مما غطتها الاتفاقات.
ومع ذلك، فإن العقد الأخير كان من أكثر المراحل قسوة على الفلسطينيين، التهجير والتدمير والتطهير العرقي والفصل العنصري لم تعد سياسات منفصلة، بل أصبحت سمات بنيوية في محاولة فرض هزيمة تاريخية على الفلسطينيين، من حصار غزة، وتهويد القدس، واستيطان الضفة، واستهداف المخيمات، وتجفيف "أونروا"، وفتح أبواب التطبيع فوق دم الفلسطينيين وحقوقهم.
ورغم غياب قيادة فلسطينية جامعة تمثل كل الفلسطينيين، وتحمي حقوق اللاجئين في الشتات، فإن الفلسطينيين أنفسهم، في المخيم والجامعة والشارع والمنفى الجديد، ما زالوا يناضلون من أجل البقاء والعودة.
وقد كشف العام الحالي للنكبة وجهاً آخر من المشهد؛ فالرأي العام العالمي لم يعد كما كان. الجامعات والنقابات والكنائس والفنانون وحملات المقاطعة وأساطيل كسر الحصار كلها باتت مساحات اشتباك مع رواية الاحتلال، وحملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية والثقافية، والاحتجاجات ضد مشاركة كيان الاحتلال في الفعاليات الدولية، والدعوات لإعادة تمويل "أونروا" ووقف تسليح الاحتلال، كلها تشير إلى أن محاولة دفن القضية الفلسطينية تواجه اليوم انكشافاً عالمياً متزايداً.
في الخلاصة، الحرب على اللاجئين والقضية الفلسطينية متواصلة منذ 78 عاماً. هي حرب على الأرض والبيت والمخيم والوكالة، والذاكرة واللغة والحق. حاول الاحتلال، ومعه حلفاؤه وشركاؤه، فرض عشرات مشاريع التوطين والتهجير والتفريغ، لكنها فشلت أمام تمسك الفلسطينيين بحقهم. وحاولت مشاريع التطبيع تكريس كيان الإبادة جزءاً طبيعياً من المنطقة، لكنها كشفت في جوهرها أنها ليست سلاماً بقدر ما هي تواطؤ على حقوق الفلسطينيين، ومشاركة في محاولة تأبيد النكبة والتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني.
ورغم قسوة الحرب منذ "طوفان الأقصى"، ورغم الدمار الواسع والتضحيات الهائلة، فإن ما يجري ليس بداية الحرب على اللاجئين، بل فصل جديد من حرب أقدم، بدأت مع النكبة، وتواصلت عبر التهجير والتدمير والتطهير العرقي والفصل العنصري ومحاولات تفكيك المخيمات وشطب "أونروا". ومع ذلك، لم تنجح هذه الحرب في تحويل الفلسطينيين إلى شعب مهزوم أو تحويل المخيم إلى قبر للذاكرة.
ومهما طال الزمن، ومهما بلغت التضحيات، لا يمكن أن تبقى النكبة ونكباتها مصيراً دائماً للفلسطينيين، فحق العودة لا يسقط بالتقادم، واللاجئ لا يفقد حقه؛ لأنه صمد في المخيم أو نجا من حرب، أو عبر منفى جديد. النكبة مستمرة لأن العدالة غائبة، لكنها لن تكون نهاية التاريخ الفلسطيني. وما دام هناك فلسطيني يتمسك ببيته الأول، وطفل يتعلم اسم قريته، ومخيم يرفع مفتاح العودة فوق الركام، فإن مشروع الاقتلاع لم يكتمل، ولن يكتمل.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات