كشفت مصادر خاصة من داخل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في قطاع غزة عن تفاقم صعوبات تشغيلية ومالية تواجه الوكالة، قالت إنها بدأت تنعكس بصورة مباشرة على مقراتها وأسطولها ومقدرتها على الاستمرار في بعض الأنشطة، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن موقعها في الترتيبات الدولية الجارية لإدارة مرحلة التعافي وإعادة إعمار القطاع.

وقالت المصادر لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إن مقرات تابعة للـ"أونروا" في غزة تعمل منذ نحو أسبوعين من دون كهرباء، في ظل نقص حاد في التمويل التشغيلي اللازم لاستمرار عمل بعض المرافق وتشغيل المولدات وتغطية الاحتياجات الأساسية.

وأضافت المصادر أن الوكالة تتجه إلى شطب وإخراج نحو 30 مركبة من أسطولها في قطاع غزة بسبب عدم توفر قطع الغيار اللازمة لإصلاحها، مشيرة إلى أن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" ترفض السماح بإدخال عدد من قطع الغيار والمعدات التي تحتاج إليها المركبات والمنشآت التشغيلية.

وكانت الأونروا قد أعلنت في حزيران/يونيو أن النقص الحاد في زيوت المحركات والإطارات وقطع الغيار أدى إلى خروج نحو 25% من مركبات الوكالة في غزة، بما فيها صهاريج المياه وشاحنات جمع النفايات، ونحو 25% من مولداتها عن الخدمة.

وفي تقرير لاحق في تموز/يوليو، قالت الوكالة إن القيود المفروضة على إدخال المولدات وزيوت المحركات وقطع الغيار لا تزال تشكل "تهديداً حرجاً" لعملياتها الإنسانية في قطاع غزة.

وتشير أحدث بيانات "أونروا"، التي تغطي الفترة حتى 11 آب/أغسطس، إلى أن الأزمة وصلت إلى حد تأثير توقف المولدات على توفير المياه والكهرباء في سبعة مراكز إيواء طارئة تديرها الوكالة في القطاع.

"تقليص الحضور التشغيلي"

ورأت المصادر داخل "أونروا" أن ما يجري "لا يمكن النظر إليه فقط باعتباره أزمة تقنية أو مالية"، معتبرة أن استمرار حرمان الوكالة من المواد والمعدات اللازمة لعملها قد يؤدي تدريجياً إلى تقليص قدراتها التشغيلية وظهورها الميداني في قطاع غزة.

وأضافت المصادر أن إخراج المركبات من الخدمة وتعطل المولدات وتراجع قدرة المقرات على العمل، بالتزامن مع تغييب "أونروا" عن بعض الاجتماعات التي تبحث مستقبل الإغاثة والتعافي، يثير مخاوف داخلية من أن تتجه المرحلة المقبلة نحو تقليص الدور الفعلي للوكالة على الأرض.

ولا يمكن لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" الجزم بأن الصعوبات التشغيلية الحالية جزء من قرار سياسي موحد يستهدف تقليص حضور الوكالة، إلا أن هذه التطورات تأتي ضمن سياق أوسع من الضغوط "الإسرائيلية" والمالية والسياسية التي تواجه وكالة "أونروا".

أزمة مالية تهدد استمرارية الوكالة

وتواجه "أونروا" أزمة مالية حادة. وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 30 حزيران/يونيو من أن الوكالة تقترب من "نقطة الانهيار"، في ظل عجز نقدي يقدر بنحو 100 مليون دولار خلال عام 2026.

وبحسب الأمم المتحدة، اضطرت "أونروا" إلى تقليص ساعات تقديم الخدمات بنسبة 20%، وخفض رواتب موظفين محليين، والإبقاء على نحو 15% من الوظائف الدولية شاغرة، في إطار إجراءات تقشفية لمواجهة أزمة السيولة.

وتكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة في غزة، حيث لا تزال الوكالة تمتلك شبكة واسعة من الموظفين المحليين والبنى التعليمية والصحية والإغاثية. وقالت نائبة المفوض العام للـ"أونروا" ناتالي بوكلي في أيار/مايو إن نحو 10 آلاف موظف محلي للوكالة كانوا لا يزالون يعملون داخل القطاع، رغم منع "إسرائيل" الموظفين الدوليين من دخوله.

"أونروا" خارج اجتماع التعافي في القاهرة

وتأتي التطورات التشغيلية بعد اجتماع لافت عقد في القاهرة في 11 آب/أغسطس بين اللجنة الوطنية لإدارة غزة وهيئات أممية ودولية، خصص لمواءمة استراتيجية الأمم المتحدة للتعافي المبكر مع برنامج تعافي غزة، ووضع أولويات وآليات العمل في ملفات الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار.

وبحسب البيان الرسمي الصادر عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، شارك في الاجتماع ممثلون رفيعو المستوى عن برنامج الأغذية العالمي، واليونيسف، ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمنظمة الدولية للهجرة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع.

كما شارك مكتب الممثل الأعلى لمجلس السلام ومعهد توني بلير للتغيير العالمي، إلى جانب مفوضي اللجنة الوطنية لإدارة غزة. ولم يرد اسم "أونروا" ضمن قائمة المؤسسات المشاركة التي نشرها المنظمون، رغم أن جلسات الاجتماع تناولت قطاعات تشمل المأوى والصحة والمياه والصرف الصحي والأمن الغذائي والتعليم والتنسيق الإنساني.

وأثار غياب الوكالة عن اجتماع بهذا المستوى تساؤلات فلسطينية بشأن موقعها في ترتيبات التعافي والإعمار، خصوصاً مع امتلاكها خبرة وبنية ميدانية تمتدان لعقود في مخيمات اللاجئين وقطاعات التعليم والصحة والإغاثة.

وقالت دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية إن غياب "أونروا" عن اجتماعات التعافي وإعمار غزة "غير مبرر"، مؤكدة أن الوكالة تمثل ركيزة أساسية للعمل الإنساني وخطط الإنعاش والتعافي والإعمار، وطالبت بإشراكها في جميع المسارات ذات الصلة.

موقف ما يمسى "مجلس السلام" يضاعف المخاوف

ويكتسب غياب "أونروا" عن اجتماع القاهرة دلالة إضافية في ضوء موقف سبق أن أعلنه ما يسمى "مجلس السلام" بشأن مستقبل الوكالة في غزة.

ففي مطلع تموز/يوليو، أعلن المجلس عبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" موقفاً مفاده أنه "لا مكان لـ"أونروا" في غزة الجديدة"، في إشارة واضحة إلى تصور يستبعد الوكالة من النموذج الذي يعمل المجلس على بلورته لإدارة القطاع وإعادة إعماره.

وأثار الموقف اعتراضات فلسطينية وحقوقية، بينما قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن مجلس السلام لا يملك قانوناً سلطة إنهاء دور "أونروا"، وإن تعديل أو إنهاء تفويضها يبقى من صلاحية الجمعية العامة للأمم المتحدة التي جددت تفويض الوكالة بأغلبية كبيرة.

ويمتد التفويض الأممي الحالي للـ"أونروا" حتى 30 حزيران/يونيو 2029، وفق قرارات الجمعية العامة، وهو ما يجعل أي محاولة لإبعادها عملياً عن قطاع غزة منفصلة قانونياً عن مسألة إنهاء تفويضها الدولي.

ويشرف ما يمسى مجلس السلام، الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على جانب من الترتيبات المطروحة لمستقبل غزة، فيما تعمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة ضمن الإطار المتعلق بالإدارة المدنية والتعافي وإعادة الإعمار. ويقول البيان الصادر عن اجتماع القاهرة إن التنسيق يجري ضمن خارطة الطريق المرتبطة بخطة ترامب وقرار مجلس الأمن 2803.

سلسلة إجراءات "إسرائيلية" ضد "أونروا"

ويأتي ذلك بعد مسار متصاعد من الإجراءات "الإسرائيلية" ضد الوكالة.

فقد أقر الكنيست "الإسرائيلي" في تشرين الأول/أكتوبر 2024 تشريعات تحظر عمل "أونروا" في المناطق التي تعتبرها "إسرائيل" خاضعة لسيادتها، وتحظر على المسؤولين "الإسرائيليين" الاتصال بالوكالة، ودخلت القيود الأساسية حيز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2025.

وفي أواخر عام 2025، جرى توسيع التشريعات لتشمل منع تزويد منشآت "أونروا" بالمياه والكهرباء، وهو إجراء أدانه الأمين العام للأمم المتحدة، معتبراً أنه يتعارض مع التزامات إسرائيل تجاه الأمم المتحدة وممتلكاتها.

وفي كانون الثاني/يناير 2026، هدمت سلطات الاحتلال مباني داخل مقر "أونروا" في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، بعد الاستيلاء على الموقع، قبل أن تقر حكومة الاحتلال في أيار/مايو خطة لإقامة مجمع تابع لوزارة جيش الاحتلال على أرض المقر.

وتقول "إسرائيل" إن إجراءاتها ضد الوكالة تستند إلى اتهامات بوجود صلات بين موظفين في "أونروا" وحركة حماس، فيما تقول الوكالة والأمم المتحدة إنها اتخذت إجراءات بحق الحالات التي توفرت بشأنها أدلة، وترفض تعميم الاتهامات على المؤسسة وعشرات آلاف العاملين فيها.

وتضع التطورات الأخيرة "أونروا" أمام مسارين متوازيين: تراجع القدرة التشغيلية نتيجة نقص التمويل والمعدات وقيود إدخال المستلزمات، وتزايد الضغوط السياسية بشأن موقع الوكالة في ترتيبات "اليوم التالي" في غزة.

وتخشى المصادر التي تحدثت إلى "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" من أن يؤدي استمرار هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع تدريجي في حضور "أونروا"، بحيث تفقد جزءاً من أدواتها التشغيلية وموقعها في منظومة الخدمات قبل اتخاذ أي قرار رسمي بشأن مستقبل دورها.

وترى المصادر أن شطب عشرات المركبات وتعطل المولدات والمقار ليس مجرد مسألة لوجستية بالنسبة لوكالة تعتمد على أسطولها ومرافقها لنقل الموظفين والمساعدات وتشغيل مراكز الإيواء والخدمات، بل يمكن أن يؤدي إلى تقليص قدرتها على الوجود الميداني في وقت تبدأ فيه مؤسسات أخرى التحضير لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

ويزيد من هذه المخاوف أن الاجتماع الأخير في القاهرة لم يكن اجتماعاً إنسانياً عابراً، بل ناقش بصورة مباشرة البنية التي ستعمل من خلالها المؤسسات الدولية مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة في قطاعات تعد الأونروا تاريخياً أحد أبرز الفاعلين فيها، وفي مقدمتها التعليم والإغاثة والمأوى والخدمات المقدمة للاجئين.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الوكالة تواجه أزمة تشغيلية مؤقتة فرضتها ظروف غزة، أم أن تقليص قدرتها على العمل يجري بالتوازي مع إعادة رسم الخريطة الإنسانية والسياسية للقطاع بما يحد من دورها مستقبلاً.