الأزمة الاقتصادية تحوّل الزواج إلى حلم مؤجل للشباب الفلسطيني في لبنان
لم يعد الزواج بالنسبة إلى كثير من الشباب الفلسطيني في مخيمات لبنان قراراً مرتبطاً فقط بالاستعداد النفسي والرغبة في بناء أسرة، بل بات مرهوناً بقدرة مالية يزداد تأمينها صعوبة عاماً بعد عام.
ومع ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص العمل، وغلاء المعيشة، وجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين إلى تأجيل الزواج إلى أجل غير معلوم، فيما لجأ آخرون إلى تقليص متطلباته إلى الحد الأدنى، والاكتفاء باحتفالات بسيطة تفرضها الظروف الاقتصادية القاسية.
وتوقفت بوابة اللاجئين الفلسطينيين عند هذه الظاهرة، من خلال الاستماع إلى شهادات عدد من الشباب والأهالي، إلى جانب مختصين وحقوقيين، للوقوف على التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تعيق تكوين الأسر داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان.
حلم مؤجل أمام غلاء المعيشة
يقول محمد السيد، البالغ من العمر 31 عاماً، إنه كان يخطط للزواج قبل أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن فقدانه العمل أكثر من مرة وعدم استقرار دخله دفعاه إلى تأجيل هذه الخطوة مراراً.
ويضيف: "كلما جمعت مبلغاً من المال ارتفعت الأسعار أكثر. الإيجارات مرتفعة، وأسعار الأثاث تضاعفت، وحتى تأمين مصاريف الحياة بعد الزواج أصبح تحدياً كبيراً. لا أريد أن أبدأ حياة لا أستطيع الاستمرار فيها، أو أن أظلم فتاة ترتبط بي، ولا أستطيع تأمين احتياجاتها".
ويشير السيد إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على تكاليف حفل الزفاف، بل تشمل القدرة على تحمّل أعباء الحياة اليومية، من إيجار المنزل وتجهيزه إلى النفقات الأساسية اللازمة لتأسيس أسرة.
ولا تختلف تجربة إسراء، وهي لاجئة فلسطينية، كثيراً عن تجربته، إذ تحولت فترة خطوبتها، التي كان من المفترض أن تستمر عاماً واحداً، إلى أربع سنوات، بعدما اضطر خطيبها إلى إنفاق مدخراته المخصصة للزواج على علاج والدته إثر تعرضها لوعكة صحية.
وتوضح أن ما كان يجمعه لاحقاً كان يذهب إلى تغطية متطلبات الحياة اليومية، ما جعل تأمين تكاليف الزواج بالغ الصعوبة.
وتقول: "كل شيء أصبح مكلفاً، حتى التفاصيل الصغيرة. إيجار فستان الزفاف الذي كان لا يتجاوز 100 دولار، يبدأ اليوم من نحو 300 دولار، ناهيك عن إيجار المنزل وتجهيزه وشراء الأثاث والمهر وتكاليف صالة الأفراح".
وتضيف أن طول فترة الخطوبة تسبب بضغوط كبيرة على العلاقة، حتى وصلت الأمور إلى طرح فكرة الانفصال أكثر من مرة؛ بسبب استمرار تأجيل الزواج.
وتتابع: "اضطررت إلى التخلي عن كثير من الأمور، حتى نتمكن من الزواج. تزوجنا خلال فترة الحرب في منزل أهل زوجي، واكتفينا بشراء غرفة نوم جديدة، وألغينا حفل الزفاف، وأقمنا احتفالاً بسيطاً في منزل أهلي".
وتؤكد إسراء أن الظروف الاقتصادية تدفع كثيراً من الشباب إلى التخلي عن فكرة الزواج أو تأجيلها، مضيفة: "لو لم نتنازل عن الكثير لما تمكنا من الزواج. هناك شباب اليوم غير قادرين حتى على الخطبة. شقيقي يبلغ 29 عاماً، ولم يتمكن من الإقدام على هذه الخطوة؛ بسبب غلاء الذهب وارتفاع تكاليف الزواج".
العائلات تفقد قدرتها على مساندة أبنائها
لا تقتصر الأزمة على الشباب وحدهم، بل تمتد إلى العائلات التي كانت تشكل سنداً أساسياً لأبنائها في تأمين تكاليف الزواج، لكنها باتت عاجزة عن تقديم الدعم نفسه في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع المداخيل.
ويقول أبو علي، وهو والد لثلاثة أبناء: "في السابق كانت العائلة تستطيع مساعدة أبنائها على الزواج، أما اليوم فأصبح تأمين أبسط المتطلبات أمراً صعباً. الجميع يحاول تخفيف الأعباء، لكن القدرة المادية لم تعد كما كانت".
ويضيف: "حتى لو قرر الشاب تقليص نفقات الزواج، تبقى هناك تكاليف أساسية لا يمكن تجاوزها، مثل إيجار المنزل وتجهيزه والأثاث والذهب، إضافة إلى مصاريف الحياة اليومية".
ويشير إلى أن أحد أبنائه، وهو ممرض في أحد المستشفيات، لا يستطيع براتبه تغطية هذه التكاليف، ما يدفعه إلى العمل خارج ساعات دوامه لتوفير المال.
ويتابع: "كأهل نتمنى أن نرى أبناءنا يستقرون ويؤسسون عائلات، لكن الظروف الحالية أقوى من الجميع. المطلوب تحسن اقتصادي حقيقي، وتوفير فرص عمل برواتب مناسبة، حتى يتمكن الشباب من بناء مستقبلهم".
من جهته، يرى مسؤول العلاقات العامة في المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد"، أبو هشام، أن واقع الزواج في المخيمات الفلسطينية في لبنان أصبح شديد الصعوبة، نتيجة ارتفاع البطالة واتساع دائرة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين.
وبحسب أرقام أشار إليها نقلاً عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، بلغت نسبة الفقر بين اللاجئين الفلسطينيين نحو 80%، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الشباب على تحمّل تكاليف الزواج وتأسيس الأسر.
ويضيف أن آلاف الخريجين لا يجدون فرص عمل، في ظل القيود المفروضة على عمل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وحرمانهم من مزاولة عدد من المهن، إلى جانب صعوبة السفر إلى دول تتوفر فيها فرص عمل أفضل.
ويؤكد أن هذه الظروف أسهمت في ارتفاع سن الزواج بصورة واضحة، بعدما كان كثير من الشباب يتزوجون في أوائل العشرينيات، فيما يتجاوز عدد كبير منهم اليوم سن الثلاثين من دون القدرة على تأسيس أسرة.
ويرى أبو هشام أن المؤشرات داخل المخيمات تدل على تراجع معدلات الزواج، وتحوله إلى خطوة مؤجلة لدى كثير من الشباب.

السكن عقبة إضافية أمام الشباب
يشكل السكن عاملاً إضافياً يزيد صعوبة الزواج، إذ يواجه اللاجئ الفلسطيني في لبنان قيوداً على التملك خارج المخيمات، فيما تعاني المخيمات من ضيق المساحات وقيود البناء وارتفاع الإيجارات.
ويلفت أبو هشام إلى أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في لبنان، إلى جانب تداعيات الأزمات الأمنية والحروب خلال السنوات الأخيرة، أرهقت العائلات الفلسطينية، وأضعفت قدرتها على مساندة أبنائها.
ويضيف أن القادرين على الزواج غالباً ما يكونون من الفلسطينيين العاملين أو المقيمين خارج لبنان، حيث تتوفر لهم فرص دخل أفضل.
ويقدر الحد الأدنى اللازم لإعالة أسرة في ظل الظروف الحالية بنحو 750 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ يصعب على معظم الشباب الفلسطيني تأمينه.
ويرى أن غياب المبادرات المنظمة لمساندة الشباب المقبلين على الزواج يرتبط بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في لبنان، حيث تقتصر المساعدات غالباً على مبادرات فردية أو أشكال محدودة من التكافل العائلي.
ودعا إلى منح اللاجئين الفلسطينيين حق العمل، وتخفيف القيود المفروضة على التملك والبناء، وفتح المجال أمام الشباب للسفر إلى الدول التي تتوفر فيها فرص عمل.
كما دعا رجال الأعمال والمغتربين الفلسطينيين إلى إطلاق مبادرات اجتماعية تساعد الشباب على تأسيس أسرهم، سواء من خلال دعم السكن أو إنشاء مساكن بأسعار تشجيعية تخفف الأعباء عن المقبلين على الزواج.
ضغوط نفسية واجتماعية متزايدة
من جانبها، تقول الأخصائية النفسية منى شهلا إن الضغوط الاقتصادية لا تؤثر فقط في قدرة الشباب المادية، بل تمتد إلى صحتهم النفسية، وتزيد مستويات القلق والشعور بعدم الأمان تجاه المستقبل.
وتوضح أن عدم قدرة الشاب أو الشابة على تحقيق أهداف حياتية أساسية، مثل الزواج وتكوين أسرة، قد يؤدي إلى الشعور بفقدان السيطرة، وانخفاض تقدير الذات، وتصاعد الأفكار السلبية بشأن المستقبل.
وتضيف أن الضغوط المالية ترتبط بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، لأنها تخلق حالة مستمرة من الضغط النفسي تؤثر في تنظيم المشاعر والنوم والتركيز، وقد تدفع بعض الأشخاص إلى تجنب اتخاذ القرارات أو الشعور بالعجز.
وتشير شهلا إلى أن الشباب قد يواجهون مشاعر متعددة نتيجة تأخر الزواج، من بينها الإحباط وخيبة الأمل والقلق من المستقبل، والشعور بالفشل عندما يُربط الزواج اجتماعياً بالنجاح والنضج، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن مقارنة أنفسهم بالآخرين.
لكنها تشدد على أن تأخر الزواج لا يمثل سبباً مباشراً للاكتئاب، بل تتداخل معه عوامل أخرى، مثل البطالة وعدم الاستقرار المهني وضعف الدعم الاجتماعي والتوقعات الثقافية المرتبطة بالزواج.
وتحذر من أن استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يؤدي إلى زيادة العزلة الاجتماعية، وانخفاض تقدير الذات، وتصاعد القلق بشأن المستقبل، كما قد يؤثر في العلاقات الأسرية وتصورات الشباب تجاه تكوين الأسرة.
وتؤكد ضرورة عدم التعامل مع تأخر الزواج باعتباره مشكلة نفسية بحد ذاته، موضحة أن الصحة النفسية ترتبط بعوامل متعددة، أبرزها وجود علاقات داعمة، والشعور بالمعنى، والقدرة على التكيف مع الظروف المختلفة.
وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية، وتراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، يتحول الزواج بالنسبة إلى كثير من الشباب الفلسطيني في مخيمات لبنان إلى حلم مؤجل، فيما تتجاوز تداعيات هذا التأجيل الجانب المادي لتطال الاستقرار الاجتماعي والنفسي وتكوين الأسر الفلسطينية.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات