إجراءات الجيش في مخيم البداوي تقضم عقارات تستأجرها "أونروا" وتخنق حركة السكان
أثارت إجراءات الجيش اللبناني المتعلقة بإغلاق عدد من المنافذ الفرعية في مخيم البداوي، شمالي لبنان، مخاوف لدى الأهالي والفصائل الفلسطينية من توسعها لتقضم عقارات ومنازل تقع ضمن حدود المخيم، وتندرج ضمن العقارات التي تستأجرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وسط تحذيرات من انعكاس ذلك على حركة آلاف اللاجئين الفلسطينيين وسكان المناطق اللبنانية المحيطة.
وتتركز المخاوف حول إمكانية إغلاق ممرات حيوية تقع ضمن عقارات تستأجرها "أونروا"، ما قد يزيد عزلة المخيم، الذي شهد خلال الفترة الماضية تقليصاً في عدد مداخله الفرعية، الأمر الذي انعكس على حركة السكان ووصولهم إلى المدارس والروضات والمراكز الصحية والأسواق.
وفي هذا السياق، تسلّمت مديرية مخابرات الجيش اللبناني، صباح يوم الأربعاء 15 تموز/يوليو، من الفصائل الفلسطينية الحاجز الشمالي لمخيم البداوي، المعروف بـ"حاجز الانتفاضة"، على أن تتسلّم خلال فترة قصيرة الحاجز الجنوبي المعروف بـ"حاجز القيادة العامة"، ضمن خطة لتنظيم وإدارة مداخل المخيم.
وتؤكد الفصائل الفلسطينية أنها لا تعارض حق الدولة اللبنانية في اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة، لكنها تشدد على ضرورة تنفيذ هذه الإجراءات خارج حدود المخيم، بما يحقق المتطلبات الأمنية ويحافظ، في الوقت ذاته، على حرية حركة السكان وحقوقهم اليومية.
الخلاف ليس حول الأمن بل حول مكان تنفيذ الإجراءات
وقال نائب الأمين العام لحركة الانتفاضة الفلسطينية خليل ديب "أبو ياسر"، لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إن جوهر الخلاف لا يتعلق بمبدأ الإجراءات الأمنية، وإنما بموقع تنفيذها.
وأوضح ديب أن الأرض التي يدور حولها الجدل "ليست ملكاً للدولة اللبنانية، وإنما تقع داخل حدود المخيم وتندرج ضمن العقارات التي تستأجرها أونروا"، مشيراً إلى أن العقار مسجل باسم محمد عبد الرحيم شريتح، ويُعد جزءاً من مركز "أونروا" داخل المخيم.

وأضاف أن الممر المستهدف بالإغلاق يمثل "المتنفس الأخير" للمخيم، كونه يربط شارع الصمود بمستوصف الشفاء، كما يصل الأهالي بإحدى المدارس التابعة لجمعية المشاريع، فضلاً عن كونه ممراً أساسياً يربط المخيم بمحيطه اللبناني.
وقال ديب: "نحن لا نمانع إطلاقاً أن تقيم الدولة اللبنانية أي حاجز أو إجراء أمني خارج المخيم، فهذا حقها، لكن أن تمتد هذه الإجراءات إلى داخل المخيم وتمس أملاك أونروا، فهذا أمر مرفوض، لأنه سيخلق احتكاكاً لا يحتاج إليه أحد".
وأشار إلى أن إغلاق الممر سيضاعف معاناة السكان، خصوصاً الأطفال الذين سيضطرون إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى مدارسهم وروضاتهم، مؤكداً أن الفصائل تسعى إلى الوصول إلى صيغة تحفظ الأمن من دون الإضرار بالحياة اليومية للأهالي.
المخيم يختنق والطرق لم تعد تتسع للسكان
من جهته، أكد الحاج محمود نمرود، من سكان المخيم، لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، أن المنزل الذي يدور حوله الجدل يقع داخل المخيم بصورة واضحة، وتحيط به منازل فلسطينية من مختلف الجهات.
وأوضح أن المنازل المجاورة، ومنها منزل أبو سليم الأوجي ومنزل أم سليم شريتح، تقع ضمن عقارات "أونروا"، مستغرباً اعتبار هذه المنطقة خارج حدود المخيم.

وأشار إلى أن وجود غرفة كهرباء تابعة لشركة قاديشا في المنطقة يؤكد أيضاً حدود المخيم، موضحاً أن الشركة اعتمدت خرائط "أونروا" عند تنفيذ أعمالها.
ووصف نمرود ما يجري بأنه "خنق للمخيم"، لافتاً إلى أن المنطقة تضم مدارس وروضات ومستوصفات يقصدها الفلسطينيون واللبنانيون على حد سواء، وأن أي إغلاق إضافي للمنافذ يزيد الضغط على الشوارع الضيقة.
وأضاف أن مخيم البداوي أُنشئ أساساً لاستيعاب نحو 4500 نسمة، بينما يعيش فيه اليوم ما يقارب 50 ألف نسمة، ما يجعل أي إغلاق للمنافذ ينعكس مباشرة على حركة السكان وسيارات الإسعاف والحالات الطارئة.
وطالب بالإبقاء على الممر مفتوحاً، مع ترك الدولة اللبنانية تتخذ ما تراه مناسباً من إجراءات خارج حدود المخيم، حفاظاً على مصالح الأهالي.
إغلاق المنافذ تسبب في اختناقات والفصائل تواصل اتصالاتها مع الجيش
وكشف مصدر فلسطيني مسؤول في مخيم البداوي لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أن خطة إغلاق المنافذ انعكست مباشرة على حركة السير داخل المخيم، بعدما تركزت حركة الدخول والخروج في المدخلين الرئيسيين.
وأوضح أن القوة الأمنية الفلسطينية اضطرت إلى نشر عناصرها لتنظيم حركة المرور والتخفيف من الاختناقات، خصوصاً خلال ساعات الذروة.
وأشار إلى أن قرار إغلاق المنافذ "قرار سياسي يندرج في إطار تشديد السيطرة على مداخل المخيمات الفلسطينية"، مؤكداً أن الفصائل بدأت التواصل مع مخابرات الجيش اللبناني قبل تنفيذ الخطة، واستمرت الاتصالات بعدها بهدف تخفيف آثارها.

ولفت إلى أن هذه الاتصالات أسفرت عن الإبقاء على ثلاثة ممرات للمشاة، إضافة إلى المدخلين الرئيسيين، على أن تبقى مفتوحة تحت إشراف الجيش اللبناني، مؤكداً استمرار الجهود للوصول إلى حلول إضافية تخفف معاناة السكان.
زيارة أهلي أصبحت رحلة شاقة
وقالت المواطنة اللبنانية إيمان سيف، المقيمة داخل مخيم البداوي، إن إغلاق الطرقات غيّر تفاصيل حياتها اليومية بصورة كبيرة، وحوّل زياراتها لأهلها إلى ما يشبه رحلة شاقة.
وأوضحت لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أنها باتت تضطر إلى سلوك طرق طويلة للوصول إلى منزل أهلها في منطقة المنكوبين، بعدما كانت المسافة تستغرق دقائق فقط.
وأضافت أنها حامل ولديها ثلاثة أطفال، ما يجعل التنقل أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تضطر إلى استخدام سيارة أجرة بسبب طول الطريق، الأمر الذي يضيف أعباء مالية جديدة عليها.
كما أشارت إلى أن والدتها المسنة والمريضة لم تعد قادرة على زيارتها بعد إغلاق الطرقات، بعدما كانت تواجه أصلاً صعوبة في الحركة، معتبرة أن الإجراءات الجديدة زادت عزلة العائلات عن بعضها.
أبسط الاحتياجات أصبحت تحتاج إلى رحلة طويلة
وروت اللاجئة أم علي جبر، التي تسكن على أطراف المخيم، معاناة مشابهة، مؤكدة لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" أن حياتها اليومية تبدلت منذ إغلاق الممر المؤدي إلى وادي النحلة.
وقالت إنها كانت تدخل المخيم خلال دقائق لشراء احتياجات المنزل من الخضار واللحوم وسائر المستلزمات، لكنها أصبحت اليوم مضطرة إلى الالتفاف عبر مداخل أخرى للوصول إلى السوق.
وأضافت أن مدارس أطفالها وروضاتهم تقع داخل المخيم، ما زاد معاناة العائلات في التنقل اليومي.
وأشارت إلى أن أموراً بسيطة، مثل إعادة تشغيل اشتراك الكهرباء عند انقطاعه، أصبحت تحتاج إلى قطع مسافات طويلة، موضحة أن زوجها يضطر أحياناً إلى الذهاب إلى المولد، وفي حال انقطاع الكهرباء ليلاً، قد تبقى العائلة ساعات في الظلام؛ بسبب صعوبة الوصول إليه بسرعة.
ورأت أم علي أن هذه الإجراءات لم تؤثر في الفلسطينيين فقط، بل طالت أيضاً اللبنانيين في المناطق المحيطة، الذين يعتمدون على أسواق المخيم وحركته التجارية.

المخيم يعيش حصاراً اقتصادياً وإغلاق المداخل يزيد الأعباء
وأوضح اللاجئ أبو أحمد منصور أثر الإجراءات على الوضع الاقتصادي، مشدداً على أنها تزيد معاناة السكان في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع الخدمات الأساسية، وأن توقيتها يفاقم الضغوط التي يعيشها اللاجئون.
وأوضح أن كثيراً من الأهالي يضطرون يومياً إلى مغادرة المخيم للعلاج أو العمل أو الدراسة، في وقت يعاني فيه الجميع من أوضاع معيشية صعبة، إلى جانب استمرار تراجع خدمات وكالة "أونروا"، ولا سيما في مخيمات الشمال.
وأضاف أن إغلاق الممرات ينعكس مباشرة على الطلاب والأهالي، إذ يفرض عليهم قطع مسافات أطول أو دفع تكاليف إضافية للتنقل، كما يؤثر في الوصول إلى الروضات والمدارس والمراكز الصحية، فضلاً عن مركز العناية والإطفائية الفلسطينية، التي تقدم خدماتها لسكان المخيم ومحيطه.
وشدد منصور على أن أهالي المخيم لا يعترضون على حق الدولة اللبنانية في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة، لكنهم يطالبون بأن تكون هذه الإجراءات أكثر مراعاة للظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها اللاجئون.
وأضاف أن اللاجئين يشعرون بأنهم يواجهون أزمات متراكمة، تبدأ من تراجع خدمات "أونروا" ولا تنتهي عند القيود المفروضة على مداخل المخيم، ما جعل كثيرين يشعرون بأنهم يعيشون حالة من الحصار، تضيق معها سبل الحياة والتنقل يوماً بعد يوم.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات