يثير الحديث المتصاعد عن مستقبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" مخاوف متزايدة بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، الذين يرون فيها أكثر من مؤسسة تقدم خدمات التعليم والصحة والإغاثة، ويعتبرون استمرارها شاهدًا دوليًا على قضية اللجوء الفلسطيني وحق العودة.

وتتعاظم هذه المخاوف في ظل حملة سياسية ومالية متصاعدة تستهدف دور الوكالة وولايتها الدولية، بالتوازي مع أزمة تمويلية وقيود متزايدة تهدد قدرتها على مواصلة خدماتها في مناطق عملياتها الخمس.

وتصاعدت الحملة مطلع تموز/يوليو 2026، بعدما أعلن ما يسمى "مجلس السلام" أنه "لا مكان لأونروا في غزة الجديدة"، بالتزامن مع دعوة بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة الدول المانحة إلى الاختيار بين مواصلة تمويل الوكالة أو تحويل دعمها إلى مشاريع المجلس في قطاع غزة. وأثار هذا الطرح تحذيرات من محاولة استبدال وكالة أممية مرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين بترتيبات سياسية وإغاثية مؤقتة.

كما كشفت دراسة حديثة، أعدها الباحث ألون ساهر بتكليف من مؤسسة "روزا لوكسمبورغ"، عن شبكة من الجهات السياسية والإعلامية المتحالفة مع "إسرائيل" في الولايات المتحدة وألمانيا و"إسرائيل"، تعمل على تشويه صورة "أونروا" والتأثير في النقاش السياسي والبرلماني، وصولًا إلى وقف تمويلها وإضعاف ارتباطها بقضية اللاجئين وحق العودة.

وفي استطلاع أجرته "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" داخل مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة في بيروت، عبّر لاجئون وممثلون عن اللجان الشعبية عن قلقهم من تداعيات أي توقف محتمل لعمل "أونروا"، محذرين من انعكاساته على الخدمات الأساسية والمكانة السياسية والرمزية للوكالة بالنسبة إلى قضية اللاجئين، ومستعرضين حجم الخسائر التي قد تطالهم في حال إنهاء عملها.

مخيم برج البراجنة.png

التقليصات سبقت سيناريو التوقف

تقول اللاجئة إيمان العلي، من مخيم شاتيلا، إن اللاجئين بدأوا يلمسون تراجعًا واضحًا في خدمات "أونروا"، موضحة أن إغلاق العيادات أيام الجمعة والسبت والأحد، إلى جانب تقليص الخدمات الصحية، ضاعف معاناة المرضى.

وأضافت أن اللاجئين كانوا يستفيدون سابقًا من تغطية العمليات الجراحية عبر بطاقات الإعاشة، "أما اليوم فلم يبقَ سوى الطبابة داخل العيادة، بينما أصبحت معظم الأدوية تُشترى على نفقة المرضى، بعدما ألغت الوكالة كثيرًا من الخدمات".

ويرى اللاجئ محمد، من مخيم شاتيلا، أن "أونروا" تمثل ضمانة لاستمرار حضور قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، إلى جانب دورها في توفير فرص العمل وتنفيذ المشاريع داخل المخيمات.

ويحذر من أن توقف الوكالة سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما مع توقف مشاريع النظافة والخدمات، فضلًا عن تأثيره في المساعدات المالية والتعليم الذي يستفيد منه آلاف اللاجئين.

بدورها، تؤكد أم أسامة المقدح أن "أونروا" تشكل الملاذ الوحيد لكثير من المرضى، مشيرة إلى اعتمادها على الدواء الشهري وخدمات الطبابة التي توفرها الوكالة.

وأضافت أن تقليص أيام العمل في العيادات يضطر المرضى إلى الانتظار حتى مطلع الأسبوع لإجراء الفحوصات أو مراجعة الطبيب، قائلة: "العيشة صعبة كثير، لكن ماذا نستطيع أن نفعل؟".

أما اللاجئة أم علي، من مخيم برج البراجنة، فتقول إن توقف "أونروا" سيضاعف معاناة اللاجئين، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج والعمليات الجراحية وتراجع المساعدات الصحية والاجتماعية.

وأشارت إلى أن إحدى قريباتها اضطرت إلى دفع 60 دولارًا لإجراء فحوصات طبية، في وقت توقفت فيه المساعدات الاجتماعية التي كانت تتلقاها.

مخاوف على قضية اللجوء وحق العودة

يؤكد مسؤول اللجان الشعبية في مخيم شاتيلا، أبو النور، أن قضية "أونروا" تتجاوز الجانب الإغاثي والخدمي، معتبرًا أن إنهاء عملها يستهدف الحضور السياسي والقانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

ويقول حدوث ذلك يعني: "خسرنا قضيتنا، خسرنا حق العودة، وخسرنا القرار 194، وبالتالي انشالت عنك صفة اللاجئ".

ويضيف أن هناك محاولات قديمة لإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني والتعامل معه مثل أي لاجئ آخر، متابعًا: "أنا لاجئ شُرّدت من أرضي بالقوة، واحتُلّت أرضي بالقوة، وبالتالي تأسست أونروا، وتشكّلت على هذا الأساس".

ويشدد على التمسك بالوكالة، رغم الانتقادات الموجهة إلى مستوى خدماتها، قائلًا: "رغم كل التقصيرات، ورغم مستوى خدماتها، ورغم كل البلاوي اللي فيها، أنا بتمسك فيها كلاجئ فلسطيني".

ويعتبر أبو النور أن الضغوط الأميركية و"الإسرائيلية" الرامية إلى إنهاء عمل الوكالة تنطلق من كون استمرارها يذكّر العالم باستمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين.

ويرى أن استهداف الوكالة يندرج ضمن مساعٍ إلى توطين اللاجئين في أماكن وجودهم أو دفعهم إلى الهجرة نحو دول أخرى، بما يؤدي إلى تجاوز حق العودة والقرار الأممي 194.

تداعيات خطيرة على المخيمات

من جهته، حذر أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم برج البراجنة، عيسى غضبان، من أن أي تقليص إضافي في عمل "أونروا" ستكون له "تداعيات خطيرة جدًا" على اللاجئين والمخيمات الفلسطينية في لبنان.

وأوضح أن الوكالة أوقفت عددًا من البرامج، بينها ترميم المنازل وبعض المشاريع الخدمية، رغم أن كثيرًا من البيوت داخل المخيمات أصبحت مهددة بالانهيار فوق رؤوس سكانها.

وأعرب غضبان عن رفضه للقرارات التي تستهدف إنهاء دور "أونروا" في قطاع غزة، مطالبًا باستمرار عملها في جميع أماكن وجود اللاجئين الفلسطينيين، ولا سيما في ظل الكارثة الإنسانية التي يشهدها القطاع.

وقال: "نطالب ببقاء أونروا في كل أنحاء العالم حيث يوجد شعبنا، وأن تستمر في مساعدة أهلنا وإغاثتهم، لأن شعبنا منكوب، وخاصة في غزة، حيث يعيش أكثر من 90% من السكان في الخيام بعد الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع".

إنهاء الدور السياسي للوكالة

من جانبه، يرى اللاجئ عمران، من مخيم شاتيلا، أن إنشاء "أونروا" كان في الأصل قرارًا سياسيًا، معتبرًا أن التطورات الحالية توحي بوجود توجه لإنهاء دورها.

وأضاف: "غاية أونروا سياسية، وبدايتها كانت سياسية... يبدو أنهم يعتبرون أن دورها انتهى، وربما يريدون القول إن دورنا نحن أيضًا انتهى".

أما اللاجئ سمير، من مخيم برج البراجنة، فيلفت إلى أن غياب "أونروا" سيجعل آلاف العائلات عاجزة عن تأمين العلاج، نظرًا إلى ارتفاع كلفة الاستشفاء خارج خدمات الوكالة.

ويقول إن المستشفيات تطلب مبالغ كبيرة مقابل الكشف الطبي والعلاج، في حين تعيش غالبية اللاجئين أوضاعًا اقتصادية صعبة، مشيرًا إلى تراجع قيمة المساعدات المالية التي يحصلون عليها.

بدوره، يشدد اللاجئ عبد حيدر، من مخيم برج البراجنة، على ضرورة استمرار تقديم المساعدات للشعب الفلسطيني بما يعزز صموده حتى العودة إلى وطنه، محملًا بريطانيا مسؤولية تاريخية عن قيام الاحتلال "الإسرائيلي".

وتكشف شهادات اللاجئين في مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة أن المخاوف من إنهاء عمل "أونروا" لا تقتصر على خسارة العلاج أو التعليم والمساعدات، بل تمتد إلى الخشية من تحويل قضية اللاجئين الفلسطينيين من قضية سياسية وحقوقية مرتبطة بالعودة والتعويض، إلى مجرد ملف إنساني قابل للاستبدال والإغلاق.

شاهد/ي ماذا يقول اللاجئون عن استهداف "أونروا"، وما الذي تمثله لهم