أزمة شحّ وملوحة مياه متفاقمة تهدد حياة اللاجئين الفلسطينين في مخيم نهر البارد
لم تعد أزمة المياه في مخيم نهر البارد شمالي لبنان مجرد مشكلة خدمية ترتبط بساعات التقنين أو انقطاع الضخ، بل تحولت إلى معاناة يومية تمس مختلف جوانب حياة آلاف اللاجئين الفلسطينيين، في ظل نقص كميات المياه، وارتفاع ملوحتها في عدد من الأحياء، وتزايد الشكاوى من تلوثها، بالتزامن مع موجة الحر التي يشهدها لبنان وارتفاع الطلب على المياه.
ويجد سكان المخيم أنفسهم مضطرين إلى انتظار مواعيد ضخ المياه لساعات، أو اللجوء إلى شراء صهاريج المياه بكلفة مرتفعة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات أوضاعاً اقتصادية صعبة، فيما تتزايد المطالب الشعبية لوكالة "أونروا" بإيجاد حلول جذرية تبدأ بتأمين مصادر جديدة للمياه وتطوير البنية التحتية للشبكة.
معاناة يومية.. مياه مالحة وأعطال متكررة
وفي شهادات رصدها بوابة اللاجئين الفلسطينيين، تقول اللاجئة الفلسطينية ليال ربيع: إن المشكلة لم تعد تقتصر على انقطاع المياه، بل أصبحت تتعلق أيضاً بجودتها، مشيرة إلى أن المياه التي تصل إلى المنازل تحتوي أحياناً على شوائب وحشرات، إضافة إلى ارتفاع نسبة الملوحة وعدم تعقيمها بالشكل المطلوب.
وتوضح أن هذه المشكلة تسببت بتلف خزانات المياه والخلاطات الصحية وشبكات المياه داخل المنازل، فضلاً عن انتشار الرطوبة وتضرر الملابس بسبب نوعية المياه، ما يفرض على العائلات أعباء مالية متكررة لا تستطيع تحملها.
وتطالب ربيع بحل جذري يضمن وصول مياه نظيفة وصالحة للاستعمال، مؤكدة أن الحصول على المياه "حق أساسي لجميع السكان".
بدورها، تصف اللاجئة الفلسطينية أحلام أبو ناصر المياه بأنها أساس الحياة اليومية، مؤكدة أن انقطاعها يجعل أبسط تفاصيل الحياة أكثر صعوبة، ولا سيما للعائلات التي تضم مرضى أو أطفالاً.
وتقول لموقعنا: إنها كانت تضطر إلى تخزين المياه في البراميل لاستخدامها في الغسيل، كما كانت تعبئ عدداً من العبوات البلاستيكية وتعرضها لأشعة الشمس لتوفير مياه دافئة لاستحمام أطفالها، بسبب عدم انتظام ضخ المياه وعدم كفاية الكميات التي تصل إلى الخزانات.
وتضيف: أن هذا الواقع يترك أثراً نفسياً كبيراً على ربات المنازل اللواتي يعشن في حالة انتظار دائم لمواعيد وصول المياه.

من جهته، يقول اللاجئ أحمد الشاعر: إن حياة العائلات أصبحت مرتبطة بمواعيد ضخ المياه، حيث يضطر السكان إلى تأجيل أعمال الغسيل والتنظيف والاستحمام عند انقطاع المياه أو ضعف ضخها.
ويشير إلى أن الكميات التي تصل إلى المنازل لا تكفي لتلبية الاحتياجات اليومية، الأمر الذي يجبر كثيراً من العائلات على شراء المياه بواسطة الصهاريج، رغم كلفتها المرتفعة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويؤكد أن الأطفال والمرضى وكبار السن هم الأكثر تضرراً من هذه الأزمة، مطالباً الجهات المعنية بإيجاد حل سريع يضمن وصول المياه بصورة منتظمة.
ملوحة المياه تهدد صحة السكان
وتؤكد اللاجئة الفلسطينية عزيزة وهبة أن المياه أصبحت الهم الأول للأسر داخل المخيم، مشيرة إلى أن يوم العائلات يبدأ بالبحث عن المياه قبل أي شيء آخر، وأن انقطاعها يؤثر على النظافة الشخصية والمنزلية وحتى على أداء العبادات.
وتوضح في حديث لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن شراء ألف ليتر من المياه يكلف مئات آلاف الليرات اللبنانية، ما يدفع الأسر الكبيرة إلى إنفاق ملايين الليرات شهرياً لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.
وتلفت إلى أن ارتفاع ملوحة المياه تسبب بظهور مشكلات صحية، من بينها التهابات جلدية وفطريات وتساقط الشعر لدى الأطفال، إضافة إلى تلف الأدوات المنزلية وترك روائح كريهة على الملابس، الأمر الذي ينعكس سلباً على الحياة الاجتماعية للأسر.
وتطالب وهبة وكالة "أونروا" واللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية بالتحرك العاجل لتأمين شبكة مياه عذبة، معتبرة أن الحصول على مياه نظيفة "حق طبيعي للاجئين"
مشكلة الكهرباء تضاعف الأزمة
ويشير أحد أبناء المخيم، أبو خليل، إلى أن الأزمة تتفاقم بسبب عدم توافق ساعات ضخ المياه مع ساعات التغذية الرسمية بالكهرباء، ما يحول دون تشغيل مضخات المياه المنزلية وتعبئة الخزانات.
ويضيف أن كثيراً من العائلات لا تستطيع زيادة اشتراكات الكهرباء بسبب ارتفاع التكاليف، في الوقت الذي يشكل فيه شراء صهاريج المياه عبئاً مالياً إضافياً.
كما يدعو إلى ترشيد استهلاك المياه والحد من الهدر، مطالباً اللجنة الشعبية ووكالة "أونروا" بإعادة تنظيم ساعات الضخ بما يتناسب مع أوقات توفر الكهرباء.
أزمة قديمة وبنية تحتية لم تعد تكفي
من جانبه، يؤكد عضو اللجنة الشعبية في مخيم نهر البارد أبو نزار خضر لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن أزمة المياه ليست جديدة، موضحاً أن أجزاء واسعة من المخيم، ولا سيما منطقة الكورنيش وقطاع "س"، تعتمد على آبار ذات مياه مالحة، فيما تتغذى مناطق أخرى من آبار عذبة لا تكفي لتلبية احتياجات جميع السكان.
ويبين أن اللجنة الشعبية حاولت، بالتعاون مع وكالة "أونروا"، وقف الاعتماد على الآبار المالحة والاكتفاء بالمياه العذبة، إلا أن محدودية كميات المياه المتوفرة حالت دون تنفيذ ذلك.

ويضيف أن الوكالة استعانت بفرق فنية متخصصة لتحديد القدرة القصوى للآبار الحالية، كما جرى حفر بئرين ارتوازيتين بعمق كبير في حي صفورية، إلا أنهما لم يوفرا المياه رغم الكلفة الكبيرة التي رافقت عملية الحفر.
ويكشف خضر أن اللجنة الشعبية سلمت "أونروا" قبل أكثر من عام بئراً جاهزة للتشغيل في منطقة حي النهر، إلا أن الوكالة لم تبادر حتى الآن إلى تأهيلها والاستفادة منها، رغم الوعود المتكررة.
ويشير في الوقت نفسه إلى أن جانباً من الأزمة يعود أيضاً إلى الهدر والتعديات على شبكة المياه، موضحاً أن بعض السكان يستهلكون كميات تفوق حاجتهم أو يتركون المياه تهدر في الشوارع، ما يؤثر على وصولها إلى بقية الأحياء.
ويشدد على ضرورة الجمع بين ترشيد الاستهلاك واستكمال مشاريع حفر الآبار الجديدة، مؤكداً أن "أونروا" تتحمل مسؤولية تأمين المياه للاجئين باعتبارها الجهة المسؤولة عن تقديم الخدمات الأساسية داخل المخيم.
برنامج جديد لضخ المياه
وفي إطار متابعة الأزمة، أعلنت اللجنة الشعبية أنها تلقت شكاوى متكررة من الأهالي بشأن عدم وصول كميات كافية من المياه إلى عدد من الأحياء، ما دفعها إلى عقد اجتماع مع مسؤول قسم الصحة البيئية في وكالة "ـونروا" لبحث آليات الضخ والتغذية بما يضمن وصول المياه إلى مختلف المناطق.
وأوضحت اللجنة أن الاجتماع أسفر عن اعتماد برنامج جديد لضخ المياه، بحيث تبدأ التغذية في المخيم القديم من الساعة 11:00 صباحاً حتى 12:30 ظهراً، ومن 7:00 مساءً حتى 8:30 مساءً، فيما تشمل التغذية في التمدد الجديد (المخيم الجديد) الفترة الممتدة من 9:00 صباحاً حتى 12:30 ظهراً، ومن 4:00 عصراً حتى 7:30 مساءً.
كما دعت الأهالي إلى ترشيد استهلاك المياه، وتركيب عوامات للخزانات، والامتناع عن هدر المياه في الشوارع، بما يسهم في الحفاظ على الكميات المتاحة وضمان وصولها إلى جميع الأحياء.
فأزمة المياه في مخيم نهر البارد لم تعد مجرد خلل في الخدمات، بل تحولت إلى أزمة تمس الصحة العامة والاستقرار المعيشي والاقتصادي والاجتماعي لآلاف اللاجئين.
وبين ملوحة المياه، والانقطاع المتكرر، وارتفاع كلفة شراء الصهاريج، وتراجع كميات الضخ، تتزايد الدعوات إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها بصورة جذرية، عبر تأمين مصادر جديدة للمياه، وتطوير البنية التحتية، وضمان ضخ المياه بصورة عادلة ومنتظمة، بما يكفل حق اللاجئين في الحصول على مياه نظيفة وآمنة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات