شبكة موالية لـ"إسرائيل" تقود حملة منظمة للضغط على ألمانيا لوقف تمويل "أونروا"
كشف تقرير بحثي جديد عن وجود شبكة واسعة من المنظمات والشخصيات ووسائل الإعلام المؤيدة لـ"إسرائيل"، تنسق جهودها للتأثير في صنّاع القرار في ألمانيا، بهدف وقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" أو تقييده، ضمن حملة ممتدة منذ أكثر من عقد، تستهدف تقويض الوكالة وإضعاف حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.
وأعدّ التقرير الباحث الألماني- "الإسرائيلي" ألون ساهار، بتكليف من مؤسسة "روزا لوكسمبورغ"، ورسم خريطة لما وصفه بـ"منظومة ضغط عابرة للحدود"، تضم منظمات ضغط ومراكز أبحاث وشخصيات سياسية وإعلامية، تعمل بصورة متكاملة على إنتاج روايات تستهدف "أونروا"، ثم نقلها إلى دوائر صنع القرار والرأي العام في ألمانيا.
ويشير التقرير إلى أن الحملة تصاعدت بصورة غير مسبوقة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، عقب اتهام "إسرائيل" عددًا من موظفي "أونروا" بالارتباط بحركة "حماس"، وهي اتهامات دفعت عددًا من الدول المانحة إلى تعليق تمويلها للوكالة مؤقتًا، رغم عدم اكتمال التحقيقات الدولية آنذاك.
ويؤكد التقرير أن ألمانيا أصبحت الهدف الرئيس لهذه الحملة بعد قرار الولايات المتحدة وقف مساهماتها المالية لـ"أونروا" مطلع عام 2024، ما جعل برلين أكبر ممول حكومي للوكالة. وقدمت الحكومة الألمانية خلال عام 2025 نحو 116.8 مليون دولار، وهو ما يزيد على ضعف مساهمة المملكة المتحدة، ثاني أكبر المانحين الحكوميين.
وتدعم ألمانيا "أونروا" منذ عام 1952، فيما تقدم الوكالة خدمات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية لنحو 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا.
منظومة لإنتاج الرواية المناهضة لـ"أونروا"
وبحسب التقرير، تتولى منظمات مثل "UN Watch" و"NGO Monitor" و"IMPACT-se"، إلى جانب السياسية "الإسرائيلية" السابقة عينات وولف، إنتاج الروايات والاتهامات التي تستهدف "أونروا"، عبر إعداد تقارير ودراسات تدعو إلى وقف تمويلها والتشكيك في دورها.
وتركز منظمة "UN Watch" على اتهام الوكالة بالتحيز ووجود صلات بين موظفيها وفصائل فلسطينية، بينما تواصل منظمة "NGO Monitor" إصدار تقارير تستهدف منظمات المجتمع المدني الفلسطينية والدولية، والضغط على الجهات المانحة لتشديد الرقابة على "أونروا".
أما منظمة "IMPACT-se"، فتواصل مهاجمة المناهج التعليمية الفلسطينية، مدعية أنها تروج للكراهية، في حين تعد عينات وولف من أبرز الأصوات "الإسرائيلية" التي تروج لفكرة أن استمرار "أونروا" يكرّس قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.
شبكات ضغط داخل ألمانيا
ويرصد التقرير دور عدد من المنظمات التي تنقل هذه الروايات إلى المؤسسات السياسية الألمانية، وفي مقدمتها الشبكة الأوروبية للقيادة ELNET، والجمعية الألمانية- "الإسرائيلية" DIG، ومنتدى حرية الشرق الأوسط في برلين MFFB، ومنتدى السلام في الشرق الأوسط NAFFO.
ويشير إلى أن هذه الجهات تنظم لقاءات مغلقة مع النواب وفعاليات داخل البرلمان، وتعد أوراق سياسات وتقارير تستهدف إعادة صياغة الموقف الألماني من "أونروا"، وصولًا إلى المطالبة بوقف تمويلها أو استبدالها.
كما يلفت التقرير إلى مساهمة منظمات أخرى، من بينها المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، ومؤسسة أماديو أنطونيو، ومبادرة "فيرته" WerteInitiative، في تحويل النقاش العام من الدور الإنساني الذي تؤديه "أونروا" إلى قضايا تتعلق بمعاداة السامية والمسؤولية التاريخية الألمانية والأمن القومي.
ويتهم التقرير وسائل إعلام مملوكة لمجموعة "أكسل شبرينغر"، وعلى رأسها صحيفتا "بيلد" و"فيلت"، بالمساهمة في تعميم الاتهامات الموجهة إلى "أونروا"، من خلال الاعتماد بصورة مكثفة على مواد وتقارير صادرة عن منظمات مؤيدة لـ"إسرائيل"، ما أسهم في انتقال هذه المزاعم من دوائر الضغط إلى صلب النقاش السياسي والإعلامي الألماني.
وينقل التقرير عن نائب في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني قوله لصحيفة "هآرتس" إن هذا اللوبي "يعمل بعيدًا عن الأنظار"، مضيفًا أن كثيرًا من السياسيين والصحفيين في ألمانيا يتجنبون مواجهته بسبب نفوذه الكبير وعلاقاته الواسعة مع وسائل الإعلام وقطاع الأعمال.
كما وصف الباحث السياسي والمستشار السابق لحزب الخضر، إلياس صليبا، هذه الشبكة بأنها "آلة لنزع الشرعية"، محذرًا من أن مجرد الحديث عن وجود لوبي مؤيد لـ"إسرائيل" في ألمانيا قد يعرّض صاحبه لاتهامات بمعاداة السامية، ما يدفع كثيرًا من السياسيين إلى الإحجام عن انتقاده.
وفي المقابل، نقل التقرير عن المفوضة السابقة للحكومة الألمانية لسياسات حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، لويزه أمتسبيرغ، قولها إن النقاش الألماني بشأن "أونروا" "لم يستند إلى الأدلة"، بل إلى اتهامات غير مثبتة وسوء فهم لطبيعة عمل الوكالة.
وأكدت أنها طلبت مرارًا من المسؤولين "الإسرائيليين" تقديم أدلة تثبت مزاعم اختراق حركة "حماس" لـ"أونروا"، إلا أن هذه المزاعم لم تُدعّم بأي إثبات خلال الاجتماعات التي عقدتها معهم.
التحقيقات الدولية لم تؤكد الرواية "الإسرائيلية"
ويشير التقرير إلى أن مراجعة "كولونا"، التي كلفت بها الأمم المتحدة، وترأستها وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة كاترين كولونا، خلصت إلى أن "إسرائيل" لم تقدم أدلة تثبت ادعاءاتها بشأن انتماء عدد كبير من موظفي "أونروا" إلى منظمات مصنفة إرهابية، مع التوصية بإجراء إصلاحات لتعزيز آليات الحياد داخل الوكالة.
كما خلص تحقيق أجراه مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة بشأن 19 موظفًا في "أونروا" إلى عدم وجود أدلة في إحدى القضايا، وعدم كفاية الأدلة في تسع قضايا أخرى، بينما اعتبر أن الأدلة المتعلقة بتسعة موظفين آخرين تشير إلى أنهم "قد يكونون" متورطين في هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ما دفع الوكالة إلى إنهاء خدماتهم.
وبعد صدور مراجعة كولونا، استأنفت ألمانيا تعاونها وتمويلها لـ"أونروا"، رغم استمرار الضغوط السياسية والبرلمانية بشأن مستقبل الوكالة.
استهداف حق العودة
ويخلص التقرير إلى أن جوهر الحملة لا يتعلق بأداء "أونروا" بقدر ما يرتبط بالسعي إلى إعادة تعريف قضية اللاجئين الفلسطينيين نفسها، إذ يؤكد أن صفة اللاجئ وحق العودة يستندان إلى قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، وليس إلى وجود "أونروا".
ومن ثم، فإن وقف تمويل الوكالة لن يلغي حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وإنما سيؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية التي يواجهها ملايين اللاجئين.
ويأتي ذلك في وقت حذر فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن "أونروا" "تقاتل من أجل بقائها"، مؤكدًا أن أي تخفيضات إضافية في تمويلها قد تدفع أوضاع اللاجئين الفلسطينيين إلى "نقطة الانهيار".
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات