"أونروا" تواجه لحظة مفصلية: تحذيرات أممية من تعطل شريان الإغاثة لملايين الفلسطينيين
حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار عمليات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" بات مهدداً بصورة خطيرة، في ظل عجز مالي خانق وقيود تشغيلية متزايدة في الأرض الفلسطينية المحتلة، ما يضع الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين أمام خطر التراجع أو الانهيار.
وجاءت التحذيرات خلال مؤتمر إعلان التعهدات للـ"أونروا"، الذي عقد أمس الثلاثاء 29 حزيران / يونيو في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، حيث شدد مسؤولون أمميون على أن الوكالة لا تزال تشكل ركيزة إنسانية وسياسية أساسية للاستقرار في المنطقة، وأن أي إضعاف لقدرتها على العمل ستكون له تداعيات مباشرة على اللاجئين الفلسطينيين وعلى فرص تحقيق السلام.
غوتيريش: لا بديل عن "أونروا" ودورها حاسم للاستقرار
قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنّ "أونروا" تواجه مرحلة بالغة الهشاشة، في ظل ما وصفه بـ"قيود كاسحة" مفروضة على عملها في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، مؤكداً أنّه لا توجد أي منظمة أخرى قادرة على تعويض الوكالة أو الحلول محلها بما تملكه من قدرات وخبرات وولاية أممية.
وأوضح غوتيريش أنّ الوكالة تعاني عجزاً في السيولة النقدية يهدد استمرار عملياتها في المنطقة، مشيراً إلى أنه رغم إجراءات التقشف القاسية وتقييد النفقات، لا يزال عجز مالي بقيمة 100 مليون دولار أميركي يحول دون وفاء "أونروا" بالتزاماتها الحالية.
وأكّد أنّ سلامة ورفاه ملايين اللاجئين الفلسطينيين باتا على المحك، محذراً من أنّ نقص الموارد المالية لن يقتصر أثره على اللاجئين وحدهم، بل ستكون له تداعيات خطيرة على المنطقة بأكملها.
وشدد الأمين العام على أنّ "أونروا" تُمثّل "قوة لتحقيق الاستقرار في عصر يتسم بعدم الاستقرار"، موضحاً أنّ الوكالة تسهم في منع اتساع دائرة اليأس الذي قد يغذي حالة انعدام الأمن.
وأشاد غوتيريش بتفاني موظفي "أونروا" الذين يواصلون أداء مهامهم في ظروف شديدة القسوة، قائلاً إنه نادراً ما شهد هذا القدر من الالتزام. غير أنه أكّد أنّ استمرار هذا العمل لم يعد ممكناً من دون دعم عاجل ومساعدة مالية حقيقية من الدول الأعضاء.
غوتيريش يحذر من حملات تقويض "أونروا"
وفي جانب آخر من كلمته، أعرب غوتيريش عن قلقه من محاولات تهميش "أونروا" وإضعافها، من خلال المعلومات المضللة، وحملات تشويه السمعة، والتدابير التشريعية، والقيود التشغيلية، والعقبات الدبلوماسية.
وقال إنّ هذه الإجراءات تهدد رفاه ملايين الفلسطينيين، كما تعرض للخطر العاملين في الوكالة الذين يواصلون تقديم الخدمات في ظروف استثنائية.
وذكّر الأمين العام بتضحيات موظفي "أونروا" في غزة، حيث قتل 390 من العاملين في الوكالة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما تعرض آخرون لإصابات جسدية وصدمات نفسية نتيجة فقدان عدد كبير من ذويهم وأحبائهم.
وأكد أن الوكالة اتخذت خطوات مهمة لتعزيز الحياد والنزاهة والاستقلالية، من بينها تحديث سياساتها المتعلقة بالأنشطة الخارجية والسياسية، وتنفيذ 40 توصية من أصل 50 من توصيات المراجعة المستقلة لحياد الأونروا التي قادتها كاثرين كولونا عام 2024.
كما شدد على أنّ "أونروا" لا تزال تؤدي دوراً أساسياً في الحفاظ على الظروف الإنسانية اللازمة للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم، يقوم على حل الدولتين.
بيربوك: من سيقوم بمهام "أونروا" إذا عجزت عن العمل؟
من جانبها، دعت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة أنالينا بيربوك الدول الأعضاء إلى بذل أقصى ما يمكن لدعم "أونروا" مالياً وسياسياً، متسائلة: "إذا لم تتمكن "أونروا" من أداء مهامها، فمن سيقوم بذلك بدلا منها؟".
وأكدت بيربوك أنّ غياب خدمات "أونروا"، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والمياه النظيفة والصرف الصحي والخدمات الأساسية، سيجعل السعي نحو سلام عادل ودائم أكثر صعوبة، وربما مستحيلا.
ورأت أن الدعم المالي، رغم أهميته، لا يمثل سوى حل مؤقت لأزمة أوسع، مشددة على الحاجة إلى وقف حقيقي ومستدام لإطلاق النار في غزة، واحترام القانون الدولي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، إضافة إلى اتخاذ خطوات ملموسة نحو حل الدولتين.
وختمت بيربوك بالتأكيد أنّ قيام دولة فلسطينية سيعني في نهاية المطاف انتفاء الحاجة إلى "أونروا"، لكنها شددت على أنه إلى أن يتحقق ذلك، يجب ألا يتوقف المجتمع الدولي عن دعم الوكالة أو العمل من أجل حل الدولتين.
سوندرز: "أونروا" تواجه واقعاً جديداً وعملياتها على المحك
بدوره، قال المفوض العام للـ"أونروا" بالإنابة كريستيان سوندرز إنّ الوكالة تواجه اليوم "رياح تغيير" غير مسبوقة، وتتعامل مع واقع سياسي وتشغيلي ومالي جديد يتطلب إصلاحا وتطويرا في طريقة العمل، من دون المساس بولايتها الأساسية في حماية لاجئي فلسطين ومساعدتهم.
وأكد سوندرز أنّ "أونروا" لا تزال المزود الرئيسي للمساعدات الإنسانية والخدمات العامة الأساسية للاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها، وأن دورها في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والأردن يتجاوز البعد الإغاثي إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والإنساني.
وأشار إلى أن نحو 1.7 مليون شخص في قطاع غزة، من اللاجئين وغير اللاجئين، يعتمدون حاليا على خدمات الأونروا، في وقت تواصل فيه الوكالة العمل وسط قيود شديدة وخسائر كبيرة في صفوف موظفيها.
وأضاف أنّ خدمات "أونروا" الأساسية في الضفة الغربية توفر قدراً حيوياً من الاستقرار لحياة نحو مليون لاجئ فلسطيني، في ظل تصاعد العمليات العسكرية "الإسرائيلية"، وتفشي عنف المستوطنين، والضغوط المتزايدة على السلطة الفلسطينية.
وحذر سوندرز من أن استيلاء السلطات "الإسرائيلية" على مجمع "أونروا" في حي الشيخ جراح، بهدف بناء مجمع للجيش "الإسرائيلي"، يُمثّل تصعيداً خطيراً، مؤكداً أنّ الوكالة تواصل معالجة هذه القضية على أعلى المستويات.
"أونروا" تقلص خدماتها ورواتب موظفيها بسبب العجز
وفي ما يتعلق بالأزمة المالية، أكد سوندرز أن الوضع المالي للـ"أونروا" وصل إلى مرحلة لا يمكن تحمّلها، وأنّ استمرارية عملياتها في مختلف أنحاء المنطقة أصبحت على المحك.
وأوضح أنّ الوكالة طبّقت إجراءات تقشف وضبط تكاليف بقيمة 175 مليون دولار أميركي خلال عام 2025، إلى جانب إدارة صارمة للتدفقات النقدية، ما ساعد إلى حد كبير في تجنب فقدان الوظائف.
غير أنّ هذه الإجراءات لم تمنع تدهور الأزمة، إذ اضطرت "أونروا" في مطلع العام الحالي إلى تقليص ساعات تقديم خدماتها بنسبة 20 في المائة، بالتوازي مع خفض رواتب معظم موظفيها الفلسطينيين بالنسبة نفسها.
وحذّر سوندرز من أنّ هذه التدابير الصارمة غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل، وأنّ أثرها على اللاجئين الفلسطينيين وموظفي "أونروا" خطير، لأنها تضيف أعباء جديدة إلى معاناة قائمة أصلا.
وأكّد أنّ احتياجات اللاجئين في جميع مناطق عمليات الوكالة تفوق الموارد المتاحة، مشيرا إلى أن بيئة التمويل العالمية باتت أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ما يستدعي البحث عن طرق أكثر فعالية وكفاءة واستدامة لتقديم الخدمات.
دعوات لدعم سياسي ومالي عاجل
وفي ختام المؤتمر، تركزت الدعوات الأممية على ضرورة توفير دعم سياسي ومالي عاجل للـ"أونروا"، ورفع القيود المفروضة على وصولها، خصوصاً في قطاع غزة، بما يسمح بتوظيف قدراتها الواسعة في خدمة السكان ودعم جهود المجتمع الدولي.
وشدد المتحدثون على أن حماية "أونروا" لا تعني فقط استمرار مؤسسة أممية، بل تعني حماية شبكة خدمات حيوية يعتمد عليها ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والدعم الإنساني.
وأكد سوندرز أنّ الوكالة تحتاج إلى دعم الدول الأعضاء لتنفيذ برنامج تغيير يجعلها أكثر قدرة على أداء مهامها في ظل الواقع الجديد، فيما شدد غوتيريش وبيربوك على أن استمرار "أونروا" ضرورة إنسانية وسياسية إلى حين التوصل إلى حل عادل ودائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات