لم تعد معاناة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات الفلسطينية جنوبي لبنان مقتصرة على المخاطر الأمنية الناجمة عن الحرب والتصعيد العسكري، بل امتدت لتطال مختلف جوانب حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، في ظل توقف مصادر الدخل، وتراجع الحركة التجارية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ما دفع آلاف العائلات إلى مواجهة صعوبات يومية في تأمين أبسط متطلبات الحياة.

ومع استمرار التوترات الأمنية والاعتداءات "الإسرائيلية"، وجد كثير من الفلسطينيين أنفسهم أمام خيارات قاسية، بين البقاء في مناطق مهددة أو النزوح في ظل عجز متزايد عن تحمل تكاليف السكن والتنقل، بينما اضطر آخرون إلى إغلاق مصالحهم التجارية بعد تراكم الديون وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

عمال فقدوا مصادر رزقهم

في تجمع الشبريحا، يروي أبو هادي محمد، لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، جانبًا من هذه المعاناة، موضحًا أنه كان يعمل في الأعمال الحرة وتجارة المواشي قبل اندلاع الحرب، إلا أن التهديدات التي طالت منطقة صور ومحيط منزله أدت إلى تراجع حركة التنقل وفقدانه مصدر رزقه بشكل شبه كامل.

ويقول إن العمل تراجع بصورة حادة بالتزامن مع الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، مضيفًا: "إذا بدي اشتري علف للقطيع اللي عندي بصير عالحديدة.. المصاري اللي معي عم بصرف على عيلتي فيهن".

وأشار أبو هادي إلى أنه كان يواصل عمله بصورة طبيعية حتى خلال حرب عام 2024، إلا أن الوضع هذه الحرب مختلف تمامًا، حيث باتت الحركة الاقتصادية شبه مشلولة في منطقة صور. ويؤكد أن تأمين قوت يومه أصبح مهمة شاقة في ظل التحليق المستمر للطائرات المسيّرة وتراجع التنقل والنشاط الاقتصادي.

كما اضطر، شأنه شأن كثير من العائلات، إلى تغيير مكان سكنه أكثر من مرة، لينقل عائلته في نهاية المطاف إلى مدينة صيدا، حيث أقامت لدى شقيقة زوجته، آملًا أن تنتهي الحرب قريبًا ليتمكن من استعادة مصدر رزقه والعودة إلى حياته الطبيعية.

أصحاب المهن الصغيرة يدفعون الثمن

وفي مخيم الرشيدية، يواجه الحاج أبو هادي ياسين مصيرًا مشابهًا، بعد نحو 15 عامًا من إدارة دكان صغيرة كانت تشكل مصدر الدخل الوحيد لعائلته المؤلفة من خمسة أبناء.

ويقول لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إن دخله اليومي كان يكفي لتأمين احتياجات المنزل وإعادة شراء البضائع اللازمة لاستمرار العمل، إلا أن الأوضاع بدأت بالتدهور تدريجيًا منذ حرب عام 2024، مع فقدان العديد من السلع الأساسية وصعوبة تأمينها، ما دفع الزبائن إلى التوجه نحو المتاجر الأكبر التي تمتلك مخزونًا أوسع من البضائع.

ويشرح أن محدودية رأس المال أدت إلى خسارته جزءًا كبيرًا من زبائنه، قبل أن تتفاقم الأزمة خلال الأشهر الأخيرة مع استمرار الحرب لأكثر من مئة يوم، حيث نفدت البضائع الموجودة لديه تقريبًا.

ويقول: "أي شخص بده يجيب بضاعة من خارج المنطقة صار معرض للخطر بسبب القصف والاستهداف". ويضيف أنه حاول الاتفاق مع أحد عمال التوصيل لجلب البضائع، إلا أن تكاليف النقل ارتفعت بشكل كبير بسبب المخاطر على الطرقات.

ورغم اضطراره إلى إعادة تزويد متجره بالبضائع بعد انقطاع دام شهرًا كاملًا، إلا أن جردة الحساب كشفت حجم الخسائر، إذ لم تعد الإيرادات تغطي النفقات التشغيلية، ما دفعه إلى الاستدانة من أصدقائه لتغطية جزء من الخسائر وتأمين احتياجات أسرته الأساسية.

ومع ارتفاع الأسعار وغلاء الإيجارات داخل المخيم، لم يجد أبو هادي خيارًا سوى إغلاق متجره، بعدما أصبح الاستمرار في العمل شبه مستحيل في ظل الخسائر المتراكمة.

ويحذر من أن الحركة التجارية في المخيمات ومنطقة صور عمومًا وصلت إلى مستويات متدنية للغاية، مضيفًا: "إذا استمر الوضع على ما هو، فأنا أخشى أننا مقبلون على انهيار شبه كامل، مع فقدان المزيد من السلع الأساسية، خصوصًا في ظل التهديدات المستمرة للجسور والطرق الرئيسية التي تربطنا بصيدا وباقي المناطق"، ما يزيد صعوبة وصول البضائع، ويضاعف معاناة السكان.

عائلات تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية

وفي مخيم برج الشمالي، تصف اللاجئة الفلسطينية حياة صقر، في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، الواقع الحالي بأنه الأكثر صعوبة مقارنة بالسنوات السابقة، موضحة أن فرص العمل كانت محدودة في السابق، إلا أن الظروف المعيشية كانت أفضل مما هي عليه اليوم.

وتقول: "اليوم نحن نعيش وضعاً صعباً، لا أشغال ولا خدمات من أونروا ولا المنظمات، نحن اليوم نحتاج للأمان والاستقرار الذي نفتقده".

وتؤكد صقر أنها تواجه مع عائلتها صعوبات متزايدة في دفع الإيجار والفواتير، في ظل انعدام فرص العمل وتراجع مصادر الدخل، فيما يتم تأمين الغذاء والدواء أحيانًا عبر فاعلي خير، نظرًا لحاجة أفراد أسرتها إلى رعاية مستمرة.

وتوجه صقر نداءً إلى الجهات المعنية قائلة: "بتمنى يسألوا عن هالشعب لأن بحاجة أكثر شي للمال ويوقفوا جنبنا، نحنا بأمس الحاجة للدعم والمساعدة".

مخيم.png

تأمين المصروف اليومي أصبح معركة

أما إيمان عثمان، وهي أم لخمسة أطفال، فتستذكر كيف كانت أسرتها تعيش ظروفًا أكثر استقرارًا قبل الأزمة، إذ كان ابنها يعمل في أحد المطاعم، ويتابع دراسته في التمريض، ويساهم في إعالة الأسرة وتأمين احتياجاتها الأساسية.

لكن الحرب غيّرت كل شيء، بحسب ما أفادت عثمان لـموقعنا، إذ تقول إن لديها ابنة تتابع تعليمها الجامعي، إلا أن الأسرة أصبحت عاجزة عن تأمين تكاليف الدراسة والمصاريف الشخصية، واضطرت إلى النزوح والاعتماد على مساعدات الجمعيات والمؤسسات.

وتضيف بحزن أن أكثر ما يؤلمها هو عدم قدرتها على تأمين المصروف اليومي لأطفالها عندما يطلبونه، معتبرة أن هذا الأمر أصبح أحد أبرز أوجه المعاناة التي تواجهها العائلات الفلسطينية اليوم.

وتوضح أنها اضطرت إلى الاستدانة لتغطية تكاليف النزوح، رغم امتلاكها منزلًا في منطقة صور، مشيرة إلى أن الضغوط لم تعد اقتصادية فقط، بل امتدت إلى الجانب النفسي أيضًا.

وتقول: "اليوم من الخوف والتوتر صرنا ناخد دوا نفسي"، لافتة إلى أنها كانت تشارك قبل النزوح في جلسات دعم نفسي وترفيهي نظمتها جمعيات محلية وبرامج نسائية.

كما تتحدث عن اضطرار زوجها إلى الخروج تحت القصف لتأمين ربطة الخبز، الأمر الذي كان يزيد حالة الخوف والقلق داخل الأسرة.

وفي ختام حديثها، طالبت عثمان وكالة "أونروا" بزيادة الدعم والمساعدات للعائلات الفلسطينية، مؤكدة أن الضغوط المالية والنفسية بلغت مستويات غير مسبوقة.

20% من العائلات نزحت خلال الحرب

من جهته، يؤكد محمد أبو رشيد، أمين سر اللجنة الشعبية في مخيم برج الشمالي، أن الفلسطينيين في لبنان يعانون أصلًا من قيود مهنية واسعة، إذ ما زالوا محرومين من العمل في عشرات المهن، ما يجعلهم أكثر هشاشة في مواجهة الأزمات.

وأشار أبو رشيد، في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، إلى أن الحرب فاقمت الظروف المعيشية الصعبة، متسببة بارتفاع معدلات البطالة والفقر والجوع داخل المجتمع الفلسطيني.

ويقول إن أبرز المطالب التي يسمعها يوميًا من الأهالي تتمثل بالحاجة إلى الأمن والأمان والإغاثة، في ظل توقف شبه كامل لأعمال العديد من السكان منذ شهر رمضان.

ويضيف أن حجم الديون بين العائلات ارتفع بشكل ملحوظ نتيجة غياب فرص العمل وتراجع مساعدات "أونروا"، فضلًا عن الأعباء المتزايدة للإيجارات وشراء الأدوية وحليب الأطفال، متسائلًا: "من وين بدو يأمن رب الأسرة الاحتياجات وهو ما عندو مصدر دخل وعاطل عن العمل؟".

ويؤكد أن جميع القطاعات تأثرت بالأزمة دون استثناء، قائلًا: "كل الأعمال متوقفة، حتى الحياة متوقفة عنا".

كما وصف المبادرات والمساعدات المقدمة بأنها "قليلة جدًا وخجولة"، معتبرًا أن "أونروا"، بصفتها الجهة الدولية المعنية باللاجئين الفلسطينيين، لا تقوم بالدور المطلوب في هذه المرحلة، الأمر الذي يفاقم الأزمة.

وناشد أبو رشيد الوكالة تشكيل لجنة إغاثة وإعلان حالة طوارئ لتقديم المساعدات الإنسانية والدعم المالي للأسر المتضررة، مشيرًا إلى أن نحو 20% من العائلات اضطرت إلى النزوح، ومتسائلًا: "أين ستذهب الناس؟ لا يوجد مكان آمن، وهناك عائلات لا تستطيع استئجار منازل، ما يجعلها مضطرة للبقاء في الخطر".

توزيع مساعدات بالمخيمات.jpg

أكثر من ألفي أسرة نزحت من مخيمات صور

وفي قراءة أشمل للمشهد الإنساني، أوضح المدير التنفيذي لجمعية "نبع" ياسر داوود، في حديث لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، أن الموجة الأولى من النزوح بدأت في 2 آذار/مارس 2026، إلا أن تأثيرها على الفلسطينيين كان محدودًا في البداية، قبل أن يبدأ النزوح الفعلي في 7 آذار/مارس باتجاه صيدا ومخيم عين الحلوة ومركز سبلين المهني، حيث بلغ عدد النازحين حتى منتصف الشهر نحو 1100 شخص.

وأشار إلى أن المؤسسة نفذت خلال شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو عمليات حصر للأسر المقيمة داخل المخيمات الثلاثة في منطقة صور، والتي بلغ عددها نحو أربعة آلاف أسرة، إلى جانب الأسر النازحة في منطقة صيدا، قبل تنفيذ برنامج مساعدات إنسانية ممول من الصندوق الإنساني للبنان عبر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وأكد  داوود أن غالبية السكان بقوا داخل المخيمات خلال تلك الفترة، فيما انتقلت أعداد محدودة إلى صيدا وعين الحلوة والمية ومية، إضافة إلى بيروت ومخيمات الشمال.

وبيّن أن أكبر موجة نزوح سُجلت عقب التحذير العسكري الصادر في 25 أيار/مايو، والذي شمل مخيمات البص والرشيدية وبرج الشمالي، وأعقبه استهداف مخيم البص، ما دفع أعدادًا كبيرة من السكان إلى مغادرة مناطقهم.

أرقام وتفاصيل

ووفق تقديرات جمعية "نبع"، نزحت نحو 2200 أسرة من مخيمات صور الثلاثة، بينما بقيت قرابة 6300 أسرة داخل المخيمات، موزعة على 700 أسرة في البص، و2500 أسرة في برج الشمالي، و3100 أسرة في الرشيدية. كما انتقلت نحو 700 أسرة إلى مخيمي عين الحلوة والمية ومية في منطقة صيدا.

وأشار المدير التنفيذي للجمعية إلى أن "نبع" نفذت خلال التصعيد الأخير استجابة إنسانية واسعة، شملت إدارة خمسة مراكز إيواء جماعية ودعم عشرات المراكز الأخرى، إلى جانب توزيع آلاف الحصص الغذائية ومواد النظافة والمياه والبطانيات والفرش والملابس وحقائب الكرامة للنساء والأطفال ومستلزمات الطوارئ.

وفي ظل استمرار الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي واتساع رقعة النزوح، تبدو المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان أمام أزمة معيشية متفاقمة، حيث لم تعد المعركة تقتصر على البحث عن الأمان، بل باتت تشمل أيضًا تأمين لقمة العيش والحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، في مواجهة واقع اقتصادي يزداد قسوة يومًا بعد يوم.