الدفاع المدني الفلسطيني في جنوب لبنان.. أكثر من مئة يوم على خط النار لإنقاذ الأرواح
على مدى أكثر من مئة يوم من التصعيد والاستهدافات المتواصلة في جنوبي لبنان، وتحت القصف وفي ظروف خطرة، لم تغادر فرق الدفاع المدني الفلسطيني مواقعها داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية في منطقة صور، وواصلت أداء مهامها الإنسانية على مدار الساعة، رغم المخاطر المباشرة والتحديات اللوجستية المتزايدة.
وبين الغارات المتكررة وعمليات الإنقاذ المعقدة وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض، تحولت هذه الفرق إلى خط الاستجابة الأول للسكان، متجاوزة أدوارها التقليدية في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها المنطقة.

ويؤكد قائد عمليات الدفاع المدني الفلسطيني في لبنان وقائد الدفاع المدني الفلسطيني في منطقة صور، أحمد تكلي "أبو عبد الله"، لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، أن الفرق لم تتوقف عن العمل منذ أكثر من مئة يوم، وبقيت في حالة استنفار دائم داخل المخيمات الفلسطينية ومحيطها، متدخلة فور وقوع أي غارة أو استهداف، سواء في العباسية أو المساكن أو المدينة الصناعية أو غيرها من المناطق.
ويشير تكلي إلى أن الفرق نفذت خلال الفترة الماضية عشرات المهمات الميدانية، شملت انتشال الشهداء والجرحى وإخماد الحرائق الناجمة عن القصف.
ووفق الإحصاءات التي عرضها، سجلت فرق الإسعاف 83 مهمة نقل وإسعاف المصابين إلى المستشفيات، فيما نفذت فرق الإطفاء 53 مهمة لإخماد الحرائق، إلى جانب 36 عملية إنقاذ وانتشال للشهداء والجرحى من تحت الأنقاض، لافتًا إلى أن حجم التدخلات ارتفع بصورة ملحوظة خلال موجات القصف المكثف التي شهدت عشرات الغارات على المنطقة.
ويضيف أن الدفاع المدني الفلسطيني يعمل بتنسيق كامل، وعلى مستوى عالٍ مع الدفاع المدني اللبناني، إلى جانب التعاون المستمر مع الجمعيات والمؤسسات الإنسانية العاملة ميدانيًا، بما يضمن تسريع الاستجابة وتوزيع الأدوار خلال حالات الطوارئ والكوارث.

مخاطر يومية في مواقع الاستهداف
ورغم الجهوزية المستمرة، تواجه فرق الدفاع المدني تحديات ميدانية خطرة أثناء تنفيذ مهماتها؛ إذ تضطر، في كثير من الأحيان، إلى الانسحاب سريعًا من مواقع القصف خشية وجود ذخائر غير منفجرة أو احتمال تعرض المكان لغارات جديدة.
ويكشف تكلي أن إحدى سيارات الإسعاف التابعة للدفاع المدني تعرضت للاستهداف خلال الغارة التي طالت بلدة برج الشمالي، بعدما كانت الفرق من أوائل الجهات التي وصلت إلى الموقع.
وأدى استهداف ثانٍ للمكان إلى تضرر سيارة الإسعاف وإصابة أحد عناصر الدفاع المدني بجروح طفيفة.
ولا تقتصر الصعوبات على المخاطر الأمنية، بل تمتد إلى الجانب اللوجستي؛ إذ تعاني الفرق من ارتفاع تكاليف المحروقات وصيانة الآليات، في ظل إغلاق المنطقة وصعوبة تأمين المستلزمات الأساسية، ما يضطرها إلى جلب احتياجاتها من مدينة صيدا.
كما تبرز الحاجة المستمرة إلى مواد الإسعافات الأولية والمعدات المساندة، رغم توافر عدد كافٍ من العناصر البشرية.

عمليات إنقاذ استمرت يومين
ومن بين أصعب المهمات التي نفذتها الفرق، يذكر تكلي عملية الإنقاذ التي أعقبت الغارة على مدينة صور، والتي استمرت يومين متواصلين، حيث تمكنت الطواقم من انتشال عدد من الشهداء وإنقاذ خمسة أشخاص أحياء من تحت الأنقاض.
كما شاركت الفرق في إخماد الحرائق وتنفيذ عمليات إنقاذ إثر الغارة التي استهدفت منطقة جبل عامل.
ويؤكد أن فرق البحث والإنقاذ مجهزة بالمعدات اللازمة، وتعمل بمهنية عالية، فيما تبقى سيارات الإسعاف وطواقمها في حالة جهوزية دائمة للاستجابة لأي طارئ.
ويضيف: "نعاهد أبناء شعبنا في المخيمات بأننا سنبقى إلى جانبهم، وإلى جانب محيطهم، ولن نتخلى عن واجبنا الإنساني مهما بلغت المخاطر. فعندما نتوجه إلى موقع أي استهداف، لا نعلم إن كنا سنعود أحياء أم لا، لكن همنا الأول والأخير هو إنقاذ الأرواح وتقديم المساعدة لمن يحتاجها".
مخيم البص مركزًا للاستجابة السريعة
من جانبه، يوضح مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم البص، علي الجمل، لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين"، أن المخيم يتعرض لاستهدافات مباشرة وغير مباشرة، ما فرض تعزيز التنسيق بين اللجنة الشعبية والدفاع المدني الفلسطيني والهلال الأحمر الفلسطيني لضمان سرعة الاستجابة للحالات الطارئة.
ويشير الجمل إلى أن الدفاع المدني نقل معداته من برج الشمالي إلى مركز رئيسي في مخيم البص، بهدف تسريع عمليات إسعاف الجرحى الناتجين عن الاستهدافات داخل المخيم أو في محيطه.
ويعزو اختيار البص مقرًا رئيسيًا للدفاع المدني إلى موقعه الجغرافي المتوسط داخل مدينة صور، ما يتيح سهولة التحرك نحو مخيمات الرشيدية وبرج الشمالي والقاسمية والتجمعات الفلسطينية الأخرى.
ويبيّن أن مهام الدفاع المدني لا تقتصر على نقل المصابين إلى المستشفيات، بل تشمل أيضًا تنفيذ عمليات الإنقاذ باستخدام معدات وآليات متخصصة لانتشال العالقين من تحت الأنقاض، إضافة إلى السيطرة على الحرائق الناجمة عن القصف.
تنسيق وإمكانات محدودة
ويؤكد الجمل أن اللجنة الشعبية تبقى على تواصل دائم مع مختلف الطواقم الطبية والإغاثية عند وقوع أي استهداف داخل المخيمات، أو في محيطها، حيث يجري توزيع المهام وفق حجم الأضرار والاحتياجات الميدانية، سواء عبر فرق الإطفاء أو وحدات الإنقاذ المختصة بانتشال العالقين أو فرق الإسعاف التي تتولى نقل الجرحى وجثامين الشهداء.
ويضيف أن عناصر الدفاع المدني والمتطوعين يضطرون أحيانًا إلى استخدام معدات بسيطة أو متوسطة، وفي بعض الحالات يعتمدون على أيديهم لانتشال المصابين من تحت الركام.
ورغم أن النقص في المعدات كان يشكل عائقًا سابقًا، فإن هذا النقص جرى تداركه إلى حد كبير، وأصبحت المعدات متوافرة في مختلف المخيمات، مع استمرار المركز الرئيسي في تقديم الدعم والتنسيق بينها.
ويشدد على أن العاملين في الدفاع المدني يعيشون الظروف نفسها التي يعيشها السكان، في ظل الإنذارات المتكررة وعمليات الإخلاء والقصف المستمر، ما يفرض عليهم العمل بحذر شديد واتباع إجراءات أمنية مشددة خلال تنفيذ مهماتهم الإنسانية.
شهادات من الميدان
وفي مخيم الرشيدية، تروي إحدى السيدات لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" تفاصيل اللحظات التي أعقبت الغارة التي استهدفت مدخل المخيم، مؤكدة أن شقيقها أصيب بجروح في الكبد، إضافة إلى إصابته بشظايا في مناطق مختلفة من جسده.
وتوضح أن فرق الدفاع المدني الفلسطيني كانت موجودة عند مدخل المخيم في حالة جهوزية عالية، وسارعت فور وقوع الغارة إلى إسعافه وتقديم الرعاية الأولية اللازمة، قبل نقله بسرعة إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وتؤكد أن سرعة استجابة عناصر الدفاع المدني وحضورهم الميداني أسهما بصورة مباشرة في إنقاذ حياة شقيقها، معربة عن تقديرها للدور الإنساني الذي تؤديه هذه الفرق داخل المخيمات وخارجها، رغم ما تواجهه من أخطار ناجمة عن القصف والتهديدات المستمرة.

وفي ظل استمرار التصعيد في جنوبي لبنان، يواصل عناصر الدفاع المدني الفلسطيني أداء رسالتهم الإنسانية، رغم المخاطر اليومية والتهديد الدائم بالغارات والاستهدافات المتكررة، واضعين إنقاذ الأرواح فوق كل اعتبار.
وبين أرقام المهمات المنفذة وشهادات الأهالي الذين أسهمت سرعة استجابة الطواقم في إنقاذ حياة أحبائهم، يبرز الدفاع المدني الفلسطيني بوصفه ركيزة أساسية في مواجهة الكوارث داخل المخيمات الفلسطينية في الجنوب، ما يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى تعزيز قدراته وتوفير الدعم اللازم لضمان استمراره في أداء مهماته الإنسانية وسط ظروف استثنائية ومعقدة.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات