لا تغيب رائحة الكعك عن أجواء عيد الأضحى في قلب مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين في بيروت، رغم قسوة الظروف الاقتصادية والأمنية جراء العدوان "الإسرائيلي" المتواصل على لبنان، ورغم مرارة اللجوء المتراكمة لدى نساء فلسطين اللواتي شِخنَ في مخيمات اللجوء، وما زلن يحتفظن في دواخلهنّ ببهجة فلسطينية لا تنطفئ.

دار الشيخوخة في المخيم تحولت في العيد إلى مساحة نابضة بالحياة، تجتمع فيها نسوة فلسطينيات لصناعة كعك العيد، في مشهد يعكس تمسكاً عميقاً بالتراث الفلسطيني، وإصراراً على إبقاء طقوس العيد حاضرة رغم قسوة الظروف واللجوء.

مراسل "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" واكب هذه الأجواء داخل دار الشيخوخة، حيث اجتمع عدد من النساء لصناعة الكعك، بوصفه أحد أبرز رموز العيد، وأحد أوجه البهجة العائلية والاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال.

وتقول الحاجة نوفة ياسين "أم خالد بنات" لـ"بوابة اللاجئين الفلسطينيين" إن صناعة الكعك ليست مجرد طقس موسمي، بل جزء أصيل من الهوية الفلسطينية.

وتضيف الحاجة أم خالد: "نحن الفلسطينيين لدينا عادات وتقاليد توارثناها من الأجداد منذ زمن طويل. في الأعياد نصنع الكعك؛ لأنه من تراثنا ومن حياتنا، ولا شيء يستطيع أن يغيّر هذه العادة. أصبحنا ننتظر العيد لنصنع الكعك ونفرح به، لأنه عيد رب العالمين، عيد الأضحى الذي منّ الله به علينا. نحن نعتبره عيدين، العيد الصغير والعيد الكبير، لذلك نصنع الكعك كفرحة وابتهاج بالعيد، ورغم كل الظروف التي نمر بها نبقى أقوى من كل الصعوبات".

بدورها، تشير الحاجة مريم شرقية "أم محمود" إلى أن هذه الجلسات داخل دار الشيخوخة تحمل بعداً اجتماعياً وإنسانياً يتجاوز حدود صناعة الحلويات.

وتوضح: "نجلس هنا لنصنع الكعك بفرح داخل دار الشيخوخة، لأن هذه عاداتنا وتقاليدنا التي لا نتركها مهما كانت الظروف والمآسي. هي فرحتنا التي ورثناها عن أجدادنا، ونحن مستمرون عليها. في كل عيد نصنع الفرح، ولا نتخلى عن هذه العادة؛ لأنها تراثنا وحبنا للجيران ومن حولنا. عندما نفرح نحن، نفرح الآخرين معنا، وعندما نصنع الكعك نشعر بالعيد بكل تفاصيله".

WhatsApp Image‏ 2026-05-28 at 16.37.42.jpeg

من جهتها، تستحضر الحاجة بدرية البيتم "أم أكرم" البعد الجماعي لهذه الطقوس، مشيرة إلى أن صناعة الكعك كانت ولا تزال فعلاً اجتماعياً جامعاً للعائلات، وتوضح: "كل سنة نصنع الكعك في دار الشيخوخة، أو في بيوتنا، لأنه جزء من تراثنا. في الماضي كانت العائلات تجتمع كلها عند إعداد الكعك، يتعاون الجيران والأهل والأقارب، ويعملون كفريق واحد: من يعجن ومن يخبز ومن يجهّز، وكنا نسهر حتى الصباح".

وفي تفاصيل التحضير، توضح الحاجة نوفة ياسين أن عملية صناعة الكعك تمر بمراحل دقيقة، تبدأ باستخدام السميد الناعم والخشن مع الطحين، حيث توضع المكونات في وعاء، ويُضاف إليها السمن الساخن، ويُخلط مع السميد، ثم يُترك الخليط ليوم كامل حتى تتفتح الحبات وتصبح جاهزة.

وتضيف أن العجين يُنكّه باليانسون والمحلب، فيما تُحضّر حشوة التمر بإضافة القرفة والقرنفل وجوز الهند الناعم والسمسم، قبل تشكيل الكعكات في أجواء عائلية، واصفة ذلك بأنه "أجمل ما في الأمر، إذ لا فرحة تضاهي اجتماع العائلة"، على أن يُوزع الكعك لاحقاً على الجيران الذين لم يتمكنوا من صناعته.

WhatsApp Image‏ 2026-05-28 at 16.37.41 (3).jpeg

وترى مريم شرقية أن هذه الطقوس تحمل أيضاً بُعداً رمزياً يرتبط بالذاكرة الفلسطينية، وتضيف: "هذا تراثنا الذي يذكرنا بنكبتنا، وإن شاء الله لن تتكرر النكبة. نصنع كعكنا على أمل أن نصنعه في فلسطين، في قرانا ومدننا كلها. نحن عائدون إلى فلسطين لنصنع الكعك، ونحتفل بالأعياد هناك".

WhatsApp Image‏ 2026-05-28 at 16.37.42 (2).jpeg

كما تؤكد الحاجة بدرية البيتم أن روح التكافل تمتد حتى لمن لم يتمكن من صناعة الكعك، حيث يتم إهداؤه لهم ليشعروا بفرحة العيد، مضيفة: "رغم ضيق الحال والظروف الصعبة والحروب، ما زلنا متمسكين بتراثنا ولن نتخلى عنه مهما كانت الظروف. نسأل الله أن يزيح الغم عن هذه الأمة، وأن ينصرنا على من عادانا، وإن شاء الله في العام القادم نصنع الكعك في بلدنا، في الشيخ داود، ونصلي معاً في المسجد الأقصى بإذن الله".

وبين خيوط العجين ورائحة السمن والبهارات، تبقى صناعة الكعك في مخيم برج البراجنة أكثر من مجرد طقس موسمي، بل فعل مقاومة ناعم للغياب، ومحاولة دائمة لاستعادة البيت الأول، وهو الوطن، فلسطين.

شاهد/ي التقرير