مع حلول عيد الأضحى المبارك، تتواصل في مخيم نهر البارد طقوس وعادات توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل، وحافظوا عليها رغم عقود اللجوء والظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان. فالعيد داخل المخيم لا يقتصر على أداء الشعائر الدينية، بل يتحوّل إلى مناسبة اجتماعية وإنسانية تعيد إحياء روابط العائلة والجيرة والتكافل بين الناس.

ورغم الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، لا يزال الأهالي يتمسّكون بأجواء العيد من خلال الأضاحي وتبادل الزيارات وتحضير كعك العيد والحلويات، إلى جانب تكبيرات العيد التي تملأ المساجد والشوارع، فيما تبقى فرحة الأطفال والعيديات واللقاءات العائلية من أبرز المظاهر التي تمنح المخيم شيئاً من الفرح والأمل في هذه الأيام المباركة.

العيد بين الإيمان وضيق المعيشة

ويقول زياد حامد، أحد اللحامين في مخيم نهر البارد، إن عيد الأضحى يحمل كل عام معاني خاصة مرتبطة بالإيمان والتضحية والتكافل بين الناس، مشيراً إلى أن الأهالي ينتظرون هذه المناسبة رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها.

ويضيف أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة انعكست بشكل واضح على قدرة العائلات على شراء الأضاحي أو تأمين مستلزمات العيد، لافتاً إلى أن كثيراً من الأسر أصبحت بالكاد قادرة على تأمين احتياجاتها اليومية، فيما باتت الأضحية بالنسبة للبعض حلماً يصعب تحقيقه.

ويؤكد حامد أن العيد داخل المخيمات يبقى مناسبة للتمسّك بالأمل، قائلاً إن الناس، رغم التعب واليأس، تحاول الحفاظ على روح العيد من خلال التكاتف ومساعدة المحتاجين، لأن الأضحية لا ترتبط فقط بذبح الأنعام، بل بمعاني الرحمة والعطاء والشعور بمعاناة الآخرين.

كما يشير إلى أن عدداً كبيراً من العائلات ينتظر في هذه الأيام المساعدات أو حصص اللحوم التي توزعها الجمعيات والمؤسسات الخيرية والأفراد، حتى تتمكن من إدخال شيء من الفرح إلى بيوتها خلال العيد.

طقوس العيد والعادات الاجتماعية

من جهته، يوضح الحاج هادي أن عيد الأضحى يتميّز بأجوائه الإيمانية والاجتماعية التي تبدأ منذ الأيام الأولى من شهر ذي الحجة، مع تكبيرات العيد والتحضير لاستقبال هذه المناسبة المباركة.

ويقول إن مشهد الحجاج في يوم عرفة يمنح الناس شعوراً روحانياً كبيراً، فيما تبدأ العائلات داخل المخيم بالتحضير للعيد من خلال شراء الحاجيات وتحضير كعك العيد والحلويات واستقبال الأقارب والزوار.

ويلفت إلى أن يوم العيد يشهد حركة كبيرة داخل المخيم، حيث يتبادل الناس الزيارات، وتُقام الولائم العائلية، وتُوزع لحوم الأضاحي على الأقارب والمحتاجين، في مشهد يعكس روح التكافل والمحبة بين الأهالي.

ويضيف أن من العادات التي لا يزال كثير من الناس يحافظون عليها أيضاً زيارة المقابر صباح العيد وقراءة الفاتحة على أرواح الراحلين، إضافة إلى توزيع الصدقات والحلوى عن أرواحهم، معتبراً أن هذه العادات تمنح العيد بُعداً إنسانياً وروحياً خاصاً.

تفاصيل بسيطة تصنع فرحة العيد

بدورها، تقول دلال محمد إن فرحة العيد تبقى مرتبطة بالتفاصيل البسيطة التي تجمع العائلات، حتى في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها الناس داخل المخيم.

وتشير إلى أن النساء يبدأن قبل العيد بتحضير الكعك والحلويات وتجهيز المنازل لاستقبال الضيوف، فيما تحاول العائلات خلق أجواء من الفرح للأطفال رغم الأعباء الاقتصادية.

وتضيف أن توزيع لحوم الأضاحي على الأقارب والمحتاجين يمنح الناس شعوراً بالمحبة والتكافل، كما تشكّل جلسات العائلات وإعداد المشاوي والزيارات العائلية جزءاً أساسياً من أجواء العيد التي ينتظرها الجميع من عام إلى آخر.

وترى دلال أن هذه الأجواء تساعد الناس على التخفيف من ضغوط الحياة اليومية، ولو بشكل مؤقت، وتعيد إحياء العلاقات الاجتماعية داخل المخيم.

الأطفال.. فرحة العيد التي لا تغيب

أما الناشط عبد وهبة، فيؤكد أن عيد الأضحى يحمل أهمية خاصة للأطفال داخل المخيمات الفلسطينية، حيث ينتظرونه بفارغ الصبر بسبب ما يرافقه من أجواء احتفالية وأنشطة ومهرجانات.

ويقول إن الأطفال يعيشون في ظروف نفسية صعبة نتيجة الأزمات المتلاحقة التي تمر بها المخيمات، لذلك يشكّل العيد فرصة حقيقية لرسم البسمة على وجوههم وإبعادهم، ولو مؤقتًا، عن ضغوط الواقع.

ويشير إلى أن العديد من المبادرات والأنشطة الترفيهية تُنظّم خلال أيام العيد لإدخال الفرح إلى قلوب الأطفال، إلى جانب أجواء اللعب والعيديات والخروج مع العائلة والأصدقاء.

كما يلفت إلى أن تكبيرات العيد التي تصدح في المساجد والشوارع تمنح هذه الأيام روحاً خاصة يشعر بها الكبار والصغار، وتُعيد إلى الناس أجواء الطمأنينة والإيمان.

ويعبّر الأطفال بدورهم عن فرحتهم بالعيد من خلال انتظار صلاة العيد وارتداء الملابس الجديدة والحصول على العيديات، إضافة إلى شراء الألعاب والحلويات والخروج إلى الملاهي والمتنزهات وزيارة الأقارب والأصدقاء.

ورغم كل ما يواجهه اللاجئون الفلسطينيون في مخيم نهر البارد من أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، يبقى عيد الأضحى مناسبة يتمسّك خلالها الأهالي بالأمل وبقيم التكافل والتراحم، في محاولة للحفاظ على ما تبقّى من تفاصيل الفرح داخل المخيمات الفلسطينية، ولتأكيد أن الأعياد تبقى مساحة تجمع الناس مهما اشتدت الظروف.

مخيمات لبنان عيد الاضحي (6).jpeg


مخيمات لبنان عيد الاضحي (5).jpeg


مخيمات لبنان عيد الاضحي (4).jpeg


مخيمات لبنان عيد الاضحي (3).jpeg


مخيمات لبنان عيد الاضحي (1).jpeg
 

مخيمات لبنان عيد الاضحي (2).jpeg