مع اتساع رقعة الاستهدافات "الإسرائيلية" في جنوب لبنان، تعيش المخيمات والتجمعات الفلسطينية حالة من القلق المتصاعد، في ظل اقتراب الغارات من الأحياء السكنية ووصول بعضها إلى داخل المخيمات للمرة الأولى، ما يثير مخاوف جدية من ارتفاع أعداد الضحايا واتساع الكارثة الإنسانية بين اللاجئين الفلسطينيين.

وبحسب معطيات ميدانية، ارتفع عدد الشهداء الفلسطينيين في لبنان منذ بدء العدوان إلى 59 شهيداً، بينهم 12 شهيداً من مخيم برج الشمالي، و3 شهداء من مخيم البص، وشهيد من تجمع المعشوق، وشهيدان من تجمع القاسمية، إضافة إلى شهيد من مخيم الرشيدية، وسط تدهور متواصل للأوضاع المعيشية والخدماتية داخل المخيمات الجنوبية.

وفي ظل هذا التصعيد، تحدثت اللجان الشعبية والجهات الحقوقية وسكان المخيمات عن واقع يزداد خطورة يوماً بعد يوم، مع تراجع الخدمات الصحية والإغاثية، وغياب أي بيئة آمنة للسكان الذين يجدون أنفسهم عالقين بين القصف والفقر وانعدام البدائل.

الرشيدية.. أول استهداف داخل المخيم يثير الذعر

وقال مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم الرشيدية، الحاج أبو كامل، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، إن الغارة الأخيرة شكلت سابقة خطيرة، كونها المرة الأولى التي يتم فيها استهداف موقع داخل المخيم بشكل مباشر، موضحاً أن القصف أدى إلى تدمير المكان المستهدف بالكامل، إضافة إلى أضرار واسعة في المنازل والممتلكات المجاورة.

وأشار إلى أن حالة من الهلع عمّت بين الأهالي فور صدور الإنذار، ما دفع السكان إلى إخلاء المنطقة مؤقتاً قبل العودة إليها بعد تنفيذ الغارة، إلا أن مشاعر الخوف والحذر ما تزال تسيطر على حياة الناس، مؤكداً أن السكان باتوا يحدّون من تنقلاتهم، ولا يغادرون منازلهم إلا للضرورة.

وأوضح أبو كامل أن حركة النزوح من المخيم لا تزال محدودة بسبب ضعف الإمكانات المادية لدى الأهالي، لافتاً إلى أن المخيم يعيش عملياً حالة ضغط خانقة تشبه الحصار، انعكست بشكل مباشر على الواقع الإنساني والخدماتي.

وأكد أن الخدمات الطبية تشهد تراجعاً حاداً، في ظل تقليص عمل عيادات وكالة "أونروا" إلى يومين أسبوعياً فقط، مع اعتماد سياسة تقنين في تقديم الخدمات، الأمر الذي يزيد من معاناة المرضى في ظل الظروف الحالية.

وشدد على الحاجة العاجلة لتعزيز القطاع الصحي داخل المخيم، ولا سيما في "مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني"، الذي يعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية المتخصصة، موضحاً أن المستشفى يفتقر إلى الجراحين والأطباء الاختصاصيين، ولا يتواجد فيه حالياً سوى طبيب صحة عامة، رغم الحاجة الملحة إلى طواقم جراحية قادرة على التعامل مع الإصابات الطارئة الناتجة عن الغارات.

برج الشمالي.. قلق دائم ومعاناة تتوسع

من جهته، أكد مسؤول اللجنة الشعبية في مخيم برج الشمالي بمدينة صور، محمد رشيد، لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن المخيمات والتجمعات الفلسطينية في الجنوب تعيش حالة خوف دائمة نتيجة التهديدات والاستهدافات المتكررة، مشيراً إلى أن الفلسطينيين يدفعون ثمناً باهظاً جراء القصف المستمر.

وقال رشيد إن المخيمات الفلسطينية فقدت أكثر من 25 شهيداً بفعل القصف الذي طال المخيمات والتجمعات، معتبراً أن استشهاد أم وأولادها في منطقة البقبوق يشكل دليلاً واضحاً على حجم الاستهداف الذي يطال المدنيين.

وأضاف أن الفلسطينيين واللبنانيين يواجهون المصير ذاته في الجنوب، في ظل غارات لا تميز بين أحد، موضحاً أن حالة التوتر انعكست بشكل قاسٍ على الأطفال والنساء وكبار السن، وفاقمت الأعباء النفسية والاجتماعية في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر.

وأشار إلى أن حركة السكان داخل المخيمات ومحيطها باتت محكومة بالحذر الشديد، موضحاً أن بعض العائلات تغادر مؤقتاً ثم تعود، لكن الأمر لم يصل بعد إلى نزوح شامل، رغم تصاعد المخاطر الأمنية.

ودعا رشيد إلى توفير الاحتياجات الأساسية وتعزيز عوامل الصمود داخل المخيمات، في ظل التدهور الإنساني والمعيشي الذي يعيشه اللاجئون الفلسطينيون في الجنوب اللبناني.

هشاشة البنية التحتية وغياب الملاجئ

وفي السياق ذاته، حذر مسؤول العلاقات العامة في المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد"، أبو هشام، من التداعيات الخطيرة التي خلفها استهداف المخيمات والمناطق المحيطة بها على الواقع الإنساني والاجتماعي للاجئين الفلسطينيين.

وأوضح في حديث لموقعنا، أن المخيمات الفلسطينية تعاني أصلاً من هشاشة كبيرة في البنية التحتية وغياب الملاجئ وأماكن الإيواء، ما يجعل أي استهداف مصدر تهديد مباشر لحياة السكان، خاصة في ظل ضعف القطاع الصحي وعدم وجود مستشفيات مجهزة أو قدرات طبية كافية للتعامل مع الإصابات الخطيرة.

وأشار إلى أن استمرار الغارات أدى إلى شلل اقتصادي واجتماعي واسع داخل المخيمات، بعدما باتت شبه معزولة، ولم يعد كثير من السكان قادرين على الوصول إلى أعمالهم أو التنقل بحرية، ما تسبب بارتفاع معدلات البطالة والفقر بشكل غير مسبوق، خصوصاً مع فقدان أعداد كبيرة من اللاجئين لمصادر دخلهم خلال الأشهر الأخيرة.

اقرأ/ي أيضا: الحرب تشلّ سوق العمل في جنوب لبنان وآلاف العمال الفلسطينيين المياومين بلا دخل

وأكد أن ضعف الاستجابة الإغاثية، سواء من وكالة "أونروا" أو مؤسسات المجتمع المدني، فاقم من معاناة العائلات الفلسطينية، لا سيما الأسر الأكثر فقراً، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات بات عاجزاً عن تأمين الخبز وحليب الأطفال والأدوية.

وأضاف أن غالبية اللاجئين الفلسطينيين لا يملكون القدرة المالية على النزوح أو استئجار مساكن خارج المخيمات، ما يضطرهم للبقاء في مناطق مهددة رغم المخاطر الأمنية المتزايدة.

نزوح مؤقت وعودة قسرية

وبيّن أبو هشام أن عدداً من العائلات نزح مع بداية التصعيد إلى مناطق سبلين وصيدا والشمال اللبناني، إلا أن ارتفاع تكاليف الإيجارات وصعوبة الظروف المعيشية دفع كثيرين إلى العودة مجدداً إلى المخيمات.

وأشار إلى أن أي تصعيد جديد يدفع بعض العائلات إلى النزوح المؤقت مرة أخرى، مؤكداً أن كبار السن والأطفال والمرضى هم الأكثر تضرراً، في ظل تراجع الخدمات الصحية وغياب الرعاية الكافية، محذراً من تفاقم الكارثة الإنسانية إذا استمرت الأوضاع الحالية.

ودعا وكالة "أونروا" إلى تحمل مسؤولياتها عبر إعادة فتح المراكز الصحية والإغاثية بشكل كامل، وتأمين مراكز إيواء للنازحين، إضافة إلى توفير مساعدات غذائية ومالية عاجلة للعائلات المتضررة.

شهادات من داخل المخيم.. "الخوف أصبح جزءاً من حياتنا"

ومن داخل مخيم الرشيدية، وصفت لطيفة صبري الأوضاع الحالية بأنها "حالة دائمة من الذعر"، مؤكدة أن الإنذار "الإسرائيلي" الأخير قلب حياة السكان رأساً على عقب، بعدما اضطر الأهالي إلى إخلاء المنطقة المحيطة بالموقع المستهدف قبل تنفيذ الغارة.

وقالت إن الصاروخ "اخترق الأرض بشكل مرعب"، متسبباً بدمار واسع في المكان المستهدف وأضرار في المنازل المجاورة، ولا سيما ألواح الطاقة الشمسية، مشيرة إلى أن عدم وقوع ضحايا بشرية هذه المرة لا يلغي حجم الخوف الذي بات يرافق الحياة اليومية داخل المخيم.

وأضافت أن كثيراً من العائلات التي غادرت المخيم عادت مجدداً بسبب عدم قدرتها على تحمل تكاليف الإيجارات والمعيشة خارج المخيم، مؤكدة أن الناس يعيشون بين الخوف من القصف والعجز عن إيجاد بدائل آمنة.

وختمت بالإشارة إلى أن الغارات المتواصلة في محيط المخيم، إلى جانب القيود الأمنية وصعوبة التنقل، فاقمت من معاناة السكان، خاصة مع تراجع الخدمات الصحية التي تقدمها "أونروا"، حيث بات المرضى يكتفون بالحصول على الأدوية الشهرية دون فحوصات أو متابعة طبية منتظمة.

وبين خطر الاستهدافات المستمرة، وتراجع الخدمات الصحية والإغاثية، والانهيار الاقتصادي المتواصل، تواجه المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان واحدة من أكثر المراحل الإنسانية قسوة منذ سنوات، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من كارثة أوسع ما لم تتحرك الجهات المعنية بشكل عاجل لتأمين الحد الأدنى من الحماية والدعم للسكان.