عيد الأضحى يطرق أبواب مخيمات لبنان وسط الفقر والحرمان وتراجع مظاهر الفرح
تغيب مظاهر الفرح المعتادة عن المخيمات الفلسطينية في لبنان، مع قرب حلول عيد الأضحى المبارك يوم غد الأربعاء 27 أيار/مايو، حيث يعيش عشرات آلاف اللاجئين أوضاعاً معيشية واقتصادية متفاقمة بفعل الانهيار الاقتصادي اللبناني، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب تقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" التي طالت الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، في واقع يختصره كثير من اللاجئين بعبارة مؤلمة: "نحن نموت ببطء".
وفي وقت تستعد فيه العائلات عادة لاستقبال العيد بشراء الملابس والحلويات وتأمين الأضاحي، تبدو التحضيرات هذا العام شبه غائبة داخل المخيمات، وسط ظروف اقتصادية خانقة وأوضاع أمنية متوترة انعكست مباشرة على قدرة الأهالي على تأمين أبسط مستلزمات العيد.
وخلال جولة أجراها موقع "بوابة اللاجئين الفلسطينيين" داخل مخيمي برج البراجنة وشاتيلا في بيروت، عبّر عدد من اللاجئين عن عجزهم عن شراء اللحوم أو إعداد كعك العيد أو حتى تأمين ملابس جديدة لأطفالهم، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وفقدان مصادر الرزق، لا سيما مع تداعيات الحرب الدائرة في جنوبي لبنان.
في مخيم برج البراجنة، تقول اللاجئة الفلسطينية مريم عويتي إن زوجها يعمل خارج المخيم لساعات طويلة مقابل راتب لا يتجاوز 450 دولاراً شهرياً، ورغم ذلك لا يستطيع تأمين كسوة العيد لأطفاله الثلاثة، مضيفة أن أطفالها سيضطرون إلى ارتداء الملابس القديمة التي اشتروها في عيد الفطر الماضي.
وتوضح عويتي أن أسعار الملابس أصبحت تفوق قدرة العائلات الفلسطينية، إذ يتراوح سعر الكنزة بين 10 و15 دولاراً، فيما يبلغ سعر بنطال الجينز نحو 20 دولاراً، والحذاء نحو 20 دولاراً أيضاً، ما يعني أن كسوة ثلاثة أطفال تحتاج إلى ما يقارب 180 دولاراً، وهو مبلغ "يفوق القدرة المادية لعائلة بالكاد تستطيع تأمين الطعام والشراب"، بحسب وصفها.
أما اللحوم، فتؤكد أن ارتفاع أسعارها دفع كثيراً من العائلات إلى إلغاء فكرة شرائها بالكامل، إذ يصل سعر كيلو اللحم إلى نحو 15 دولاراً، مشيرة إلى أن بعض الجمعيات توزع حصصاً محدودة من اللحوم في أول أيام العيد، وقد تتمكن بعض الأسر من الحصول عليها، بينما تعجز أخرى حتى عن تأمين وجبة شواء بسيطة. وتضيف: "الوضع كارثي بالفعل ونحن نعيش أصعب أيامنا".

من جهته، يقول صاحب ملحمة داخل المخيم موسى الغضبان إن الحركة الشرائية تراجعت بشكل غير مسبوق، موضحاً أن الأهالي باتوا يشترون كميات قليلة جداً من اللحوم بسبب الغلاء، بعدما كانت محال القصابة تشهد إقبالاً كبيراً في الأعياد السابقة.
ويشير الغضبان إلى أن كثيراً من اللاجئين باتوا يشترون اللحوم "بالأوقية" أو بمبالغ زهيدة لا تتجاوز 200 ألف ليرة لبنانية، وغالباً تكون لحوماً مفرومة، فيما أصبح شراء اللحوم المخصصة للشواء أمراً شبه مستحيل بالنسبة لغالبية العائلات، موضحاً أن الأزمة لا تقتصر على اللحوم فقط، بل تشمل أيضاً الدجاج والحلويات والخضروات، الأمر الذي أجبر العائلات على إلغاء معظم طقوس العيد والاكتفاء بالحاجات الأساسية.
ويضيف أن سعر الخروف الواحد يصل إلى نحو 300 دولار، فيما يباع كيلو اللحم بنحو 15 دولاراً، مؤكداً أن التجار أنفسهم يشعرون بحجم معاناة الناس، لكنهم عاجزون عن خفض الأسعار أكثر بسبب ارتفاع التكاليف.

أما اللاجئ محمد شريفي، فاستقبل الحديث عن العيد بعبارة: "عيد وبأي حال عدت يا عيد"، قبل أن يتنهد قائلاً إن عيد الأضحى يأتي هذا العام في ظل ظروف صعبة جداً تمنع كثيراً من العائلات من شراء احتياجاتها كما في السابق، لكنه رغم ذلك يحاول إدخال بعض الفرح إلى قلوب أطفاله عبر شراء هدايا بسيطة أو بعض الحلوى.
ويؤكد شريفي أن أجواء الحرب والضغوط الاقتصادية أفقدت العيد بهجته الحقيقية، خصوصاً مع استمرار سقوط شهداء فلسطينيين على الحدود الفلسطينية اللبنانية، مضيفاً أن الأطفال وحدهم ما زالوا يحاولون التمسك بفرحة العيد بعيداً عن تفاصيل الحرب والأزمات.
ورغم كل ذلك، يشدد شريفي على أن المخيمات الفلسطينية ما زالت تحافظ على عاداتها وتقاليدها، وتحاول التمسك بالأمل والفرح ولو بحدوده الدنيا، في مواجهة الغلاء والفقر والوجع المتراكم.
وفي مخيم شاتيلا، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً، إذ يعيش سكان المخيم أيضاً أزمة اقتصادية خانقة مع تراجع فرص العمل وانعدام الأمن الاجتماعي.
ويقول صهيب محمود، وهو صاحب بقالة في المخيم، إن متجره الذي كان يدرّ عليه نحو 600 دولار شهرياً لم يعد يحقق الدخل ذاته، ما اضطره إلى شراء الملابس المستعملة "البالة" لأطفاله؛ بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالملابس الجديدة، مؤكداً أنه لم يعد قادراً على شراء كسوة جديدة لهم.
ويضيف محمود أن أسعار اللحوم أصبحت مرتفعة إلى حد أنه لم يشترِ اللحوم منذ أشهر، وقد يمر عيد الأضحى هذا العام أيضاً من دون أن تتمكن عائلته من تناولها، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات داخل المخيم تعيش يومها بيومه، فيما تنام أسر أحياناً من دون عشاء؛ بسبب الفقر وقلة فرص العمل.
وبين الغلاء والحرب وتراجع الخدمات، يستقبل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عيد الأضحى هذا العام بأمنيات متواضعة، تختصرها محاولة تأمين لقمة العيش ورسم ابتسامة صغيرة على وجوه الأطفال، فيما تواصل المخيمات تمسكها بروح العيد، رغم واقع إنساني واقتصادي يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
غطينا آخر 24 ساعة
آخر الأخبار والتغطيات من مخيمات فلسطين والشتات